قراؤنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

لم يأت ظهور داعش في العراق هكذا إعتباطا ، بل كان الأمر مخططا له من قبل . فداعش وغيره من التنظيمات الإرهابية وجدت في العراق أرضا رخوة للنمو والإزدهار ، خاصة مع غياب السلطة القوية فيه وتأثر اللحمة الوطنية بالضعف والإنتكاس بعد تحرير العراق من الدكتاتورية بسبب غلبة النزعة الطائفية والعنصرية على الحكم .

فمع سقوط نظام صدام حسين في العراق ، بدأت التنظيماتالإرهابية الخارجة من تحت عباءة تنظيم القاعدة تتدفق الى العراق بدعم قوى دولية وإقليمية ومحلية وأخذت تنمو وتزدهر على مساحة شاسعة من العراق ، بدءا من منظمة أبو مصعب الزرقاوي ثم تفرع بقية التنظيمات الإرهابية التي يتجاوز عددها اليوم العشرات موزعة في أنحاء مختلفة من الدول الرخوة الشبيهة بالعراق.. وأخذت هذه التنظيمات تنمو لفترة ، وتخبو أخرى ، لكن تهديداتها ستبقى بنظري الى أمد بعيد اذا لم تتظافر جهود الحكومات العربية للقضاء على الخلايا النائمة وخصوصا إستئصال الفكر الإرهابي من جذوره.

كان النظام السوري هو أول من أعان وساعد بتوافد التنظيمات الإرهابية من شتى بلدان العالم الى العراق ، وكان هدف ذلك النظام قبل إنقلاب الآية عليه ، هو إشغال تلك المنظمات بحرب داخلية في العراق لإبعاد شرورهم عن سوريا ، أو على الأقل كسب ودهم لمصلحة النظام البعثي الحاكم في سوريا . وقد لايمكن إخفاء دور دولي في نشوء مثل هذه التنظيمات في المنطقة لإخضاعحكوماتها ، أو لاعتبارات تتعلق بتجارة السلاح وحلب أموال الأنظمة الحاكمة بالمنطقة ، أو تنفيذ أجندات خاصة بمصالح تلك الدول. وقد تكشف لنا الوثائق مستقبلا حجم تورط الدول الكبرى في إنشاء تلك التنظيمات الإرهابية أو دعمها ، خصوصا وأن هناك الكثير مما يقال عن دور ما لهذه القوى الكبرى في تشكيل تلك التنظيمات .

أما على المستوى المحلي فقد كانت هناك قوى سياسية عراقية إستغلت بدورها ظهور هذه المنظمات الإرهابية بالعراق لتلبية مصالحها الطائفية أو العنصرية ، فلا يمكن أن ننكر دور بعض الفصائل السياسية السنية التي وقفت بالكامل الى جنب التنظيمات الاسلامية المتطرفة المتوافدة على العراق بدءا من الزرقاوي وصولا الى داعش وذلك بهدف تصفية حساباتها الطائفية مع الشيعة ، خصوصا بعد خروج السلطة من يد المكون السني وذهابها الى يد الشيعة ، وهناك دليلان على ذلك ، أولهما هو الإنتشار الهائل لتلك التنظيمات في الأوساط والمناطق السنية بالعراق . والثاني تورط بعض قادة السنة في دعم تلك التنظيمات ووجود قضايا ودعاوى جنائية ضدهم في المحاكم العراقية .

ولا يجب أن نخرج الطائفة الشيعية أيضا من هذا الإطار ، خصوصا وأن القوى الشيعية إستغلت بدورها ظهور تلك التنظيمات السنية المتطرفة لكسب الشارع الشيعي من خلال تخويفه بالغول الإرهابي السني ، وصولا الى تبرير تشكيل قوات الحشد الشعبي التيباتت اليوم القوة الكبرى بيد الشيعة للحفاظ على مصالحهم في السلطة .

حتى الكرد إستغلوا وجود داعش لتمرير بعض أجنداتهم السياسية والعنصرية ، فمن جهة إستغلوا وجود تلك التنظيمات لإضعاف السلطة المركزية في بغداد ، كما أنهم لم يتوانوا حتى عن التجارة مع تنظيم داعش ( النفط والأسلحة ) وكذلك فرض سيطرتهم على مساحات واسعة من المناطق المتنازع عليها دستوريا .

في ظل تلك الأجواء تمكن تنظيم داعش من التوسع والنمو الى حد باتت مناطق شاسعة تقرب من مساحة ثلث أراضي العراق أصبحت خاضعة لسيطرة هذا التنظيم ، مما شجعه للمضي في تأسيس دولة الخلافة على الأراضي العراقية . وسار الأمر على هذا المنوال الى أن تمكنت القوى الشيعية من تحرير معظم مناطق العراق من يد هذا التنظيم، ليكمل مقاتلو الكرد في الجزء السوري من دحره نهائياعلى الأراضي السورية ، وبذلك إختفت الى حين تهديدات ومخاطر تنظيم داعش الإرهابي في المنطقة.

يبدو أن هناك ترتيبات سيجري العمل بها في المرحلة القادمة على وقع إندحار هذا التنظيم في العراق . فمع سقوط داعش وبقية التنظيمات وإنتهاء التهديدات الإرهابية باتت الأمور تتطلب تغييرا في التركيبة السياسية أيضا ، وذلك بهدف ترسيخ صيغة جديدة للحكم تبتعد رويدا رويدا عن الصيغة الطائفية التي تكرست بعد سقوط النظام السابق . فلم تعد هناك مصلحة للدول العظمى فيإستمرار القلاقل وسيطرة القوى الإسلامية السياسية على حكم العراق ، بل ولنكن أكثر دقة بالقول بأن النخبة الحاكمة في العراق لم تعد له الحاجة أو المبررات الموضوعية للإستمرار وأصبحت هذه النخبة ورقة محروقة لايمكن الإعتماد عليها لتحسين الوضع العراقي، ولدينا دليل واضح بهذا المجال يتمثل في التغيير الذي حصل مؤخرا على مستوى إدارة السلطة في البلد.

فالتشكيلة الحالية للحكومة والسلطة بالعراق تكاد تقترب كثيرا من الإستقلالية والبعد عن هيمنة القوى التقليدية التي أمسكت بالسلطة بعد سقوط النظام السابق . فرئيس الوزراء عادل عبدالمهدي ليس له حزب وهو شخصية مستقلة تقريبا ، لكنه أصبح رئيسا للوزراء على الرغم من عدم وجود كتلة برلمانية أو سياسية له . وكذا الحال مع رئيس الجمهورية الدكتور برهم صالح الذي لم يمتلك حزبه " التحالف من أجل العدالة " سوى مقعدين في البرلمان العراقي ، إستعاض عنهما بالترشح عن كتلة الاتحاد الوطني . حتى رئيس البرلمان الحالي محمد الحلبوسي لايمتلك سوى أقل من عشرين مقعدا برلمانيا من مجموع أكثر من 350 مقعدا برلمانيا وهذه نسبة ضئيلة جدا .اذن يمكن إعتبار ما حصل في الدورة الأخيرة مؤشرا أو بداية معقولة أو مخطط لها لإجراء التغيير المرتقب في الواقع السياسي القادم بالعراق .

فإذا لاحظنا الضعف الذي اصاب معظم القوى السياسية التقليدية في الآونة الأخيرة ، خصوصا إنشطار وإنقسام معظم تلك القوى السياسية الكبيرة كحزب الدعوة الاسلامية والمجلس الأعلى الإسلامي وحركة الوفاق الوطني والقوى السنية الأخرى ، بل وحتى التحالف الكردستاني ، سنصل الى نتيجة حتمية بأن هذه القوى تسير نحو الضعف على حساب ظهور قوى أخرى مستقبلا قدتكون ليبرالية أو ديمقراطية أو إعطاء دور أقوى لمنظمات المجتمع المدني . أضف الى ذلك افول نجوم الشخصيات السياسية التقليدية الشيعية منها والسنية التي حكمت العراق خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة .

من هنا يبدو أن ملامح المرحلة السياسية القادمة في العراق بدأت تتوضح أكثر فأكثر مع إنهيار تنظيم داعش ، وأن هناك توجه فعلي نحو المزيد من الإستقرار خصوصا مع ظهور نوايا لدى بعض قادة العراق بإنقاذ البلد من آفة الفساد الذي قضى على كل فرص التقدم في المرحلة السابقة ، مما سيمكن النخبة السياسية القادمة من وضع حد للإنهيار التدريجي الذي حصل بسبب الفساد والطائفية وإحتكار السلطة ، ويساعد على إعادة نهوض العراق على كافة الأصعدة السياسية والإقتصادية والتنموية ، ليستعيد البلد عافيته، ويكون العراق بلدا آمنا مستقرا للجميع بعد سنوات طويلة من الحروب والصراعات السياسية والطائفية البغيضة ..