محبو السفر يرتاحون للسفر السهل البعيد عن التعقيدات الأمنية، والانتظارالمهين للحصول علي التأشيرة، وكل الأمور الروتينية المتعلقة بالانتقال والترحال، لهذا تأتي أهمية وقوة جواز السفر الذي تمنحه الدول لمواطنيها .

بالتأكيد جوازات السفر كالبشر، هي مراتب ومقامات، تؤكد ذلك تلك الإحصائية الأخيرة التي صنفت جوازات السفر العالمية من حيث أهميتها وقوتها كوثيقة سفر.. فقد جاء جواز السفر الألماني في المقدمة، فهو يسمح لصاحبة بدخول 177 دولة دون تأشيرة، يليه في الترتيب السويد وفرنسا وفنلندا، أما في نهاية القائمة فتاتي دول مثل سيراليون وموزامبيق وغينيا ومصر وتشاد.

السؤال هنا ماذا يعني أن تكون مواطنا تمتلك جواز سفر قوي يتيح لك دخول عشرات الدول من دون عناء؟ أو أن تكون مواطنا يمتلك جواز لا يتيح لك السفر إلا بمشقة وموافقات أمنية ؟ الفرق كبير بين هذا وذاك ـ لكن المؤكد أن قيمة جواز السفر تأتي من قيمة الدولة التي تمنحها لمواطنيها عبر تلك الوثيقة .

قيمة المواطن إذن مستمدة من قيمة الدولة، بمعني أن الدولة الناجحة يصبح مواطنيها الذين يحملون جنسيتها لهم قوة الدولة، أما الآخرون فلا حماية لهم.. على سبيل المثال يستمد المواطن الألماني الكثير من مظاهر قوته مما توفره له الدولة من تعليم جيد، وصحة، ورعاية اجتماعية، وفي النهاية أيضا وثيقة سفر محترمة، أما الدول المتدنية في سلم النظم الاجتماعية فلا يتمتع مواطنيها بأي مظهر من مظاهر القوة، ويصبح هدفهم في استخراج وثيقة السفر هو فقط البحث عن مكان جديد للعيش .

لم تكن ألمانيا التي مرت بحروب عديدة آخرها الحرب العالمية الثانية إلا ركام وحطام نهضت من بين ثناياه تبحث عن الاستقرار وبناء الدولة الصحية من خلال المؤسسات القوية، وإرساء قواعد متينة للديمقراطية والحرية، فتحقق لها نهضة اقتصادية قوية وصفت بالمعجزة، لأنها لم تستغرق وقتا طويلا ..واستمرت في طريق التطور الصناعي، والإبداع الإنساني حتي وصلت إلى أن تصبح صاحبة افضل جواز سفر تجعل أي دولة تتغاضي عن صك أي تأشيرة فيه، ترحابا بالسائح أو المواطن الألماني .

ابسط الأدوات التي تعمق الانتماء الوطني لدي المواطنين في الدول الديمقراطية هي حثهم على المشاركة في انتخابات حقيقية تأتى بمن يتولون شؤون الدولة بشكل صحيح، ويقومون بالتطبيق الحرفي لبنود الدستور والقانون الذي لا يفرق بين المواطنين، فهم أصحاب البلد، وهم أصحاب الحق في بناء الدولة وكيانها سواء بالمشاركة في اختيار من يقود البلاد، أو التزامهم بدفع الضرائب للحكومة التي تتقاضي منها رواتبهم مقابل خدمتهم.

في الدولة القمعية المخابراتية البوليسية ليس أمام المواطن أي فرصة للارتقاء، بل يتحول إلى عبد في نظام لا يعرف الرحمة، كل همه أن يصبح المواطن مسلوب الإرادة ، لا رأي له ولا قيمة إنما مجرد عدد في التعداد السكاني ليس أكثر، ومع ذلك يناله الكثير من التقريظ والذم بسبب التكاثر وزيادة التعداد السكاني.

لن يستطيع احد طلب المعاملة بالمثل طالما هناك خلل في النظام المعيشي والديمقراطي بين الدول الغنية والدول الفقيرة ، فالدول الأوروبية المتقاربة في أنظمتها الديمقراطية، والقوية اقتصاديا دخلت في منظومة موحدة (الاتحاد الأوروبي) انفتحت علي بعضها بعد توقيع اتفاقية شنجن التي وقعت المرحلة الأولي منها في سنة 1985 ، بينما تواصلت الاتفاقيات حتي وصل حجم التنقل بين بلدان الاتحاد أل 26 دولة إلى 400 مليون مواطن ..في حين انهمكت الدول المتخلفة في فرض القيود علي سفر مواطنيها للحد من تنقلهم.

الدول الفقيرة التي ابتلاها الله بأنظمة القمع ستظل هكذا، تتقلب بين القمع والتنكيل، حتي إذا ما وجد مواطن من تلك الدول نفسه في دولة أخرى تمني البقاء فيها متخليا عن النفيس والغالي من اجل أن يكون إنسان فقط.. وقد يبدو أن البحث عن الإنسانية هي كلمة السر في ظاهرة آلاف اللاجئين الذين يغامرون بعبور البحر الأبيض المتوسط من الشواطئ الإفريقية إلى الشواطئ الأوروبية.

أوربا التي يتمتع مواطنيها بالحرية، والسفر، والعدالة هي ليست رحيمة مع الغرباء، فالعنصرية متفشية ، ومع ذلك فإن الفرق يبدو واضحا وكبيرا بين أنظمة القمع وبين العنصرية، فالعنصرية حالة مرضية تتواري غالبا في الخفاء خجلا ، وهي بالتأكيد مذمومة ..لكن في أنظمة القمع الديكتاتوري يتمقهر المواطن بلا خجل وغالبا يكون بالتعاون مع أجهزة الدولة الأخرى.

دعنا نتفق من متابعة قصص العديد من اللاجئين الباحثين عن مكان في أوروبا، أنه مهما بلغت العنصرية من ازدراء، فإن اللاجئ يستمر رغم كل المتاعب، لأنه يعرف أنه في الدول القمعية أبدا لن تتم معاملته كإنسان، فهو يحلم بمستقبل لأولاده قد يحرم منه في بلده مثل التعليم والعمل .