قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن فكرة "الإصلاح" فكرة قديمة قدم الإنسانية، حيث وجد في كتابات قدماء المفكرين اليونانيين من أمثال أفلاطون وأرسطو الكثير من الأفكار الإصلاحية، مثل العدالة والقوانين وتنظيم المجتمع والدولة والاستقرار السياسي والتوزيع العادل للثروة وغيرها. ويمكن القول إن فكرة الإصلاح كانت ومازالت الهدف الأسمى للعديد من الفلاسفة والقادة والحركات السياسية والاجتماعية في مختلف أرجاء العالم. كما انها موضوعا رئيسيافي النظريات السياسية للفلاسفة والمفكرين منذ أيام "ميكافيلي"في العصور الوسطى حتى "كارل ماركس" في القرن العشرين."ويكيبيديا – الموسوعة الحرة".

اصبح موضوع الإصلاح السياسي هو حديث الناس في العالم العربي والقضية المسيطرة على جدول اعمال الأحزاب والجمعيات السياسية ومؤسسات المجتمع المدني. وفي اعتقادنا ان الحديث عن الإصلاح السياسي لن يهدأ بسهولة هذه المرة كما كان الحال في السابق، حيث دأبت اكثر الأنظمة الحاكمة العربية على المماطلة والتسويف ومحاولة احتواء الأزمات والسيطرة على الأحداث. الأمر مختلف في الوقت الحاضر، فالشعوب العربية من الخليج الى المحيط مصرة على المشاركة في إدارة شؤونها وتحديث مستقبلها وضمان مستقبل افضل للأجيال القادمة.

النظام السياسي العربي الحالي هو نظام فردي وليس نظام مؤسسي، ويتسم بالمركزية الشديدة ويفتقر الى معايير واضحة في اختيار القيادات وتوزيع المسؤوليات والصلاحيات على المستويات كافة، مما أدى الى سيادة منطق الشللية واستفحال الفساد بين صفوف قياداته. وهذا بدوره انعكس سلبا على إنجازاته المحدودة في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

والحقيقة ان أوضاع التخلف والفقر والفساد والاستبداد التيتعاني منها المجتمعات العربية والتي دفعت بها الى اسفل السلم في مسيرة التطور الحديث الذي ساد اكثر دول العالم منذ بداية الثمانينيات من القرن المنصرم، أعطت الدول الكبرى وخصوصا الولايات المتحدة مبررا جاهزا للتدخل في الشؤون العربية الداخلية بحجة ما افسدته أنظمتها الحاكمة، وبذريعة حماية شعوبها ونشر مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان. لكن الحقيقة هي ان الدعوات العربية للإصلاح لم تأت استجابة للضغوط الخارجية الأمريكية او الأوروبية كما يعتقد البعض، وإنما جاءت كحاجة وطنية ملحة.وبدأت الدعوة للإصلاح من القوى الوطنية العربية في الوقت التي كانت فيه أمريكا تدعم النظم العربية الاستبدادية وتعادي قوى الإصلاح, ولم تدعو أمريكا إلى الإصلاح إلا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م نتيجة تفسيراتها للإرهاب وأسبابه واستكمالا لمخططها في السيطرة.

عملية الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العالم العربي هي عملية ضرورية جدا، وهي ليست مجرد رغبة بل هي ضرورة لأن الأنماط والأشكال السياسية الحالية السائدة في العالم العربي لم تعد تناسب المرحلة المعاصرة وهي بالتالي قد انتفت الحاجة لها، ولأن السبب الذي كان يضمن للنخب الحاكمة الاستمرار في الحكم وفي السلطة بهذا الشكل (أي ان تحتكر السلطة الحكم لعقدين او لثلاثة عقود من الزمن) لم يعد مقبولا في مرحلة العولمة وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية والحكومات الشمولية وانتهاء الحرب الباردة، ولأن العالم بشكل اجمع يمر بمرحلة انتقالية جديدة من الحياة، اذ ان التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي هو كالسيل الجارف سيجرف معه كل اشكال السلطات والتشكيلات التي لا تلائم نفسها مع معلم الحياة الجديدة.

الإصلاح بمفهومه العام له ابعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية متكاملة، وبالتالي فالإصلاح المطلوب يجب ان يكون شاملا وغير قابل للتجزئة، ولا يمكن التعذر بوجود سلم للأولويات والتعلل بالتدرج لحماية استقرار المجتمع وحفظ توازنه. كما ان الإصلاح يتطلب مشاركة كل قوى المجتمع المدني رجالا ونساء، وانه من الضروري إبعاد قضية الإصلاح عن الخلافات الأيديولوجية والاتفاق على كيفية إدارة اللعبة السياسية بطرق سلمية تمكن الجميع من المشاركة، والاحتكام في نهاية الطريق الى صناديق الاقتراع.

الاصلاح المطلوب في الوطن العربي هو الإصلاح الذي يفضي الى الديمقراطية والحكم الصالح، وهذا يتطلب تغيير اكثر الوسائل المعمول بها حاليا، وإلغاء حالة الطوارئ التي تحكم بها غالبية الدول العربية، وتعديل قوانين الأحزاب السياسية والانتخابات والصحافة. هذه هي المعايير الأساسية للإصلاح المتفق عليها دوليا والتي تقود الى صوغ نظام سياسي يتسم بالشفافية ويخضع للمساءلة والرقابة ويتمتع بالكفاءة الإدارية والنزاهة ويحفظ أمن الوطن والمواطنين. الإصلاح السياسي ضرورة من ضرورات الحياة وهو القاطرة التي تقود الإصلاحات الأخرى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.