قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ثمة من يسأل، لمَ الحديث دوماً عن إحتمال تورط العراق وحسب في أي حرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت الذي نجد ان لهذه الأخيرة أكثر من دولة جارة؟ الجواب هو، وبكل بساطة: صحيح أن الموقع الجيوسياسي لإيران مطل على العديد من الدول كباكستان وتركمانستان وتركيا وارمينيا وآذربيجان وبعض دول الخليج، ولكن مستوى العلاقات السياسية والدبلوماسية والروابط الإجتماعية والثقافية والدينية مع تلك الدول، لا ترتقي أبداً الى مستوى ما هو قائم بين العراق وإيران في كل تلك الميادين، وخاصة منذ العقدالمنصرم الى يومنا هذا. 

  من جانب آخر، لا مراء ان ثمة بُعد طائفي لهذه العلاقات يتمثل في وحدة المذهب بين الجهات المتنفذة في البلدين وأثر هذه الرابطة ووقعهاعلى بلورة المواقف السياسية العقائدية التي تستند الى المفاهيم الطائفية. ثُم العراق، بات اليوم، ومنذ أكثر من عقد، سراً أو علانيةً، بمثابة مسرح آخر من مسارح النشاط السياسي الإيراني وتعاظم نفوذها وتضاعفها من خلال إستقطاب المكون الشيعي حول مشاريع سياسية بخصوص المنطقة وتوسيع دائرة التمحور الطائفي، الذي تُراهن طهران على أن تساعده في كسب المزيد من المواقف السياسية المؤيدة لها إزاء العديد من القضايا والملفات المتعلقة بالشرق الأوسط.

  فإيران تَعتَبر العراق دوماً بمثابة إمتداد سياسي وطائفي لها، ولايُخفى على أحد أن نسبة الشيعة في العراق تُقدر بحدود (60%) أوأكثر، وهذه القدر السوسيولوجي، هي دوماً لصالحها لحد تدعيم أي مسار ديمقراطي عراقي، يفرز في كل مرة، وعبر بوابة الإنتخابات النيابية والتشكيلة الحكومية، هيمنة واضحة لنفوذها السياسي على سلطة العراق وثرواته. 

  علاوة على ذلك، ترى إيران بأنها لديها الكثير من الأفضال على جارتها هذه، وتعتقد بأن لولاها ودعمها السياسي والعسكري والإستخباراتيوالأمني لَسَقَط بغداد في عام(2014م) بعد ان وصل داعش الى حدود منطقة "أبو غريب" التي تبعد(32 كلم) غرب بغداد، ولهذا السبببالذات وغيره، تنتظر من بغداد ان تكون حليفة سياسية وفية لها، لاسيمافي الصراعات الأقليمية والدولية التي تهدد أمن البلدين وأستقرارهما.

 من جانبها، لم تتخذ بغداد، هي الأخرى، حتى اليوم، أي مواقف مغايرة ومخالفة لما تتوقعها منها طهران تجاه الكثير من قضايا المنطقة، وعلى رأسها الملف السوري والموقف من الحشد الشعبي وحزب الله اللبناني وحركة حماس الفلسطينية والتعامل الحذر والمتذبذب مع السعوديين ودول أخرى متخاصمة مع طهران وما الى ذلك.

  وهناك احزاب وتيارات وجماعات سياسية ومسلحة عراقية متعددة، تؤيد بكل وضوح سياسات إيران في المنطقة، وتتبنى مواقف انتقادية إزاء أستمرار أي وجود أجنبي على الأراضي العراقية وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي أصبحت الآن واقعة في مأزق صراع متأزم، يتوقع البعض أن يتحول الى حرب دامية مع إيران وبين وأطراف أخرى إقليمية إذا ما أخفقت المساعي للحيولة دون وقوعها.

 كما ان المواقف المبدئية بخصوص عدم تورط العراق في الصراع الدائربين امريكا وايران، هي شيء، والحقائق القائمة على أرض الواقع، شيءآخر تماما.!. والمراهنة على إستجابة القوى العراقية لدعوات رئيس الجمهورية (د.برهم صالح) بشأن ضرورة إلتزام العراقيين بمبدأ الحياد والنأي بالنفس، - والتي هي دعوات وطنية دون شك وصادرة عن روح المسؤولية تجاه التحديات التي يواجهها البلد اليوم بين مطرقة واشنطن وسندان طهران- هي مراهنة غير واقعية للأسف وليس في محلها، ولايمكن ترجمة الدعوات الوطنية أصلاً الى تحالفات قوية وتحركات سياسية مادية على أرض الواقع، خصوصاً ان حسم أمر التورط في الحرب أو عدمه، مرهون تماماً بمكانة وثقل الأحزاب السياسية في مجلسي النواب والوزراء اللذين يصدران قرارات الدولة وقوانينها، ويعي الجميع بأن قوة حزب رئيس الجمهورية، محدودة أساساً بمقاعدهالنيابية، التي لا تصل الى نسبة(7%) من مقاعد مجلس النواب حتى نتوقع منه أثراً قوياً وحاسماً على قرارات الدولة، ولا يتمتع حزب رئيس الجمهورية أيضاً حتى بوزير واحد في الحكومة الى الآن، كي يساهم في رسم سياسة الدولة الخارجية تجاه هذه الأزمات والتحديات، وحتى الكتل الكُردستانية ليس بإمكانها فعل أي شيء طالما لا تشكل سوى أقلية في الحكومة ومجلس النواب.

 صحيح ان رئيس الجمهورية ينطلق دوماً وبطبيعة الحال من قضايا وطنية ودستورية حينما يدعوا العراقيين والقوى السياسية الى أخذ مصالح العراق العليا بنظر الإعتبار وتفضيلها على كل الإعتبارات الأخرى، ولكن الكل بات يفهم اليوم بأن الدستور ومصالح العراقيين اصبحا أمرين ثانوين جداً مقارنةً بمصالح الأحزاب والتيارات السياسية المسيطرة على مجلسي النواب والوزراء. 

  ولا ننسى أيضاً بأن حتى رئيس مجلس الوزراء نفسه، الدكتور عادل عبدالمهدي، لايمكنه الخروج عما تمليها عليه الأحزاب الشيعية الرئيسة في العملية السياسية بخصوص كيفية التعامل مع مثل هذه التحديات الخارجية التي تواجه العراق وتستهدفه، اللّهم إلا في حال واحد، هو التنحي عن المنصب وتقديم الإستقالة!، خصوصاً ان الأحزاب الشيعية،هي التي اختارته رئيساً للوزراء، وبالتالي هي التي تتحكم أيضاً بحكومة عبدالمهدي وتحدد لها سبل التعاطي مع الأزمات والتوترات الراهنة بين طهران وواشنطن. وإذا ما أطلقت حكومة بغداد أي مبادرة عراقية للتوسط بين طرفي النزاع، فمن المؤكد ان الأمر هو بمباركة تلك الأحزاب نفسها، ومرده أساساً مقتضيات خارجية لا مصلحة أو حِكمة عراقية خالصة!.

• كاتب وأكاديمي – من كُردستان العراق