قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو أن اسرائيل ما تزال غنية في مضمار القياس والاستشهاد بتجاربها الميدانية مع أصحاب الأرض، وما تزال ملهمة لدى دول وشعوب المنطقة معاً، ليس من جهة قدرتها على أن تكون ديمقراطية مع شعبها، وسط أنظمة استبدادية لم تستطع التقدم إلى الأمام بعد أن نالت استقلالها واستفردت بمصير الرعية بعيداً عن أعين العالم الخارجي وتدخلات المستعمرين؛ وإنما من جهة فلاحها ـ على الأقل إلى هذه الساعة ـ بأحد مشاريع الحركة الصهيونية القائمة على إزاحة الآخر وتحليق المستوطنين بانشراحٍ واضح حول مواقد الذين هُجروا من بيوتهم، وذلك من خلال تعويل إسرائيل على عصاباتٍ ارتكبت الفظائع بحق أصحاب الأرض حتى يفروا من ديارهم، ليأتي فيما بعد مستوطنو الحركة المجلوبين من دول شتى ليضعوا أيديهم على كل ممتلكات النازحين، وبالتالي تحريم النازحين حتى من لحظة تصفية حساباتهم مع الذاكرة وارتباطاتهم الجذرية مع الجغرافيا، فغدوا معلقين في فضاءالتخيل، لا هم قادرون على الهبوط إلى ملاعب الطفولة والصبا، ولا غدا بمقدورهم بتر الشرايين التي ما تزالتمد أخيلتهم بأحلام العودة التي تحرمهم من التأقلم مع الذي صار إليه حال معظمهم في مغتربات البسيطة.

كما أن تجربة اسرائيل تُقرأ كل فترة من قِبل الكثير من نشطاء ملل واثنيات الشرق الأوسط الذين يرون بأن دول المنطقة تستفيد من تجارب تلك الدولة التي اغتصب متطرفوها أديم وفضاءات الآخرين، وذلك من خلال الممارسات التي اعتمدت عليها تلك الدولة في بداية نشوئها، وفي هذا الإطار حيث يرى الكثير من النشطاء الكرد بأن تركيا بخصوص منطقة عفرين تستفيد من تلك الآلية التي لجأت إليها اسرائيل عبر منظمة الهاغانا أيام الاحتلال البريطاني لفلسطين، وذلك من خلال تعويلها على مجموعات لصوصية لا وظيفة لديها غير السلب والنهب والسطو المسلح والعمل على تعجيز المدنيين وبالتالي دفعهم إلى ترك قراهم وبلداتهم وممتلكاتهم في المنطقة، وذلك على غرار ما فعلت عصابات الهاغانا التي ارتكبت طوال فترة وجودها الكثير من الأعمال الإرهابية، وعملت على تشريد مئات الآلاف من الفلسطينيين عن أراضيهم بقوة الحديد والنار وإقامة المستوطنات مكان كرومهم ومنازلهم.

وبعيداً عن التوق الجارف لاستحضار هواجس المؤامرة، وبعيداً كذلك عن عقلية إطلاق الأحكام جزافا،فبكوننا نقيم في تركيا منذ ما يزيد عن خمس سنوات،وعدا عن الحالات الفردية لبعض مواطني البلد في تصرفهم الأخرق مع السوريين، فلم نلمس أية معاملة عنصرية من قِبل أجهزة الدولة أو أحد أطرافها معنا كلاجئين؛ إلا أن الرأي الذي خرج به النشطاء الكردوالكثير من أهالي منطقة عفرين(كرداغ) يظل محط تساؤول عميق، ويدفع المبصر المقارِن على الفور إلى تذكر إزدواجية أوروبا التي تحافظ من جهة على أبسط حقوق الإنسان في مرابعها، ولكنها بنفس الوقت تبيع أسلهتها الفتاكة لأنظمة الشرق التي تحارب بهاشعوبها، ولا تمانع من إرسال القتلة المتشددين إلى سورية وغيرها من دول الشرق، وبالتالي إعمال المقارنة بين التعامل الجيد للدولة التركية داخل تركيا مع اللاجئين السوريين، وبين آلية عملها في الداخل السوري وخاصة في منطقة عفرين بعد مرور أكثر من سنة، وباعتبار أن الشك من حسن الفِطن وفق مسرودات الأولين؛ فتلك الشكوك دعمتها بشدة عدم رغبة الجهات العسكرية التركية النظر في مطالب أهالي أحد الأحياء الكبيرة في مدينة عفرين، وحيث تقدموا منذ العام الماضي بعريضة إلى الجهات العسكرية التركية في المنطقة، وكانت دعوتهم قائمة على أن يكون الجيش التركي هو الآمر والناهي،ويسيطر بالتالي ذلك الجيش على المنطقة بشكل كامل، بدلاً من قطاع الطرق ومجموعات السلب والنهب، وسنورد العريضة التي تقدم بها الأهالي إلى القائد العسكري التركي في عفرين، وطبعاً بدون أن يتلقى الأهالي أي جواب على ما طالبوا به، وحيث جاء فيتلك العريضة:

" نتوجه الى الجيش التركي بهذه الشكوى وكلنا أمل في الله أولاً ثم في سيادتكم أن تتكرموا بالنظر في هذه الشكوى التي تتضمن بعض مطالب مواطني حي (....) في مدينة عفرين وهي:

ندعو الجيش التركي بأن يمنع الفصائل من التدخل بشؤون المدنيين ويمنعهم من الاستجواب المزاجي للأهالي ومنعهم من مداهمة البيوت بحجج وذرائع واهية.

كما نتطلع إلى الجانب التركي بأن يعمل على إبعاد الفصائل الفاسدة وإخراجها من المنطقة، ويكون الجيش التركي هو الأمر والناهي بدلاً عن الفصائل التي لم تقم منذ دخولها إلى المنطقة غير بأعمال السلب والنهب والخطف والابتزاز، وأن يكون الملف الأمني بيد جهات تتبع مباشرةً للدولة التركية التي ستكون عادلة ومنصفة بحق مواطني المنطقة.

ونأمل من الجيش التركي بأن يفرض حظر تجول حقيقي في الليل لأن الحرامية يظهرون في الليل ويقطعون الطرق ويسلبون الأهالي أو يقتحمون المحلات ويسرقونها ولا يجرؤ أحد على الاقتراب منهم بكونهم يحملون السلاح، علماً أنه ثمة قرار تركي بمنع خروج الدوريات والاعتقال بعد الساعة التاسعة ليلاً وهؤلاء يخالفون القرار.

ونحيطكم علماً أنه إضافة إلى ما ذكر أعلاه، فإن عناصر الفصائل يزعجون نساء المنطقة ويتصرفون بكامل الوقاحة معهن حيث يتقصدون إذلال الأهالي من خلال الظهور بملابس داخلية أمام مقارهم العسكرية التي تتوسط بيوت المدنيين.

وختاماً كل ما نرجوه هو أن تنال شكوانا عنايتكم

التوقيع: وجهاء حي ... في: 30/5/2018

على كل حال فبعد أن وضعنا العريضة التي تقدَّم بها أهالي إحدى حارات مدينة عفرين أمام القراء، نعود إلى المساجلات التي حصلت بيننا وبين الحشود والظواهر الصوتية لحزب العمال الكردستاني المنتشرة كالوباء على وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك حول حقيقة ما يجري في منطقة عفرين من قِبل أدوات تركيا في المنطقة، حيث أننا اتُهمنا حينها من قبل ذلك الحشد الهيصاوي الماهر في إطلاق التهم وتخوين كل من يخالف آرائهم، بأننا من مؤيدي دخول تركيا واحتلالها لعفرين، بينما كان كلامنا عكس ذلك تماماً،وحيث كنا نعتبر بأن ما يجري في عفرين هو دونمستوى الاحتلال وأبعد من حالة الغزو، وذلك بناءً على مقارنتنا بين ثقافة الغزو وشروط الاحتلال، باعتبار أن حالة الغزو هي الاستمرار بالفوضى الأمنية والانتقاماللامحدود بكل صنوفه من دون تحمل الغازي أيةمسؤولية قانونية أو أخلاقية عما يرتكبه بحق من غزيت ديارهم، بينما الاحتلال من وجهة النظر القانونية هوأرقى من الغزو بعدة درجات، باعتبار أن اتفاقية جنيف 1949 التي تقع في صلب القانون الدولي والإنساني هي معنية بضبط السلوك أثناء النزاعات، وتفرضواجبات على قوات الاحتلال، ومن كل بد أن الهدف من الاتفاقية هو بخلاف الغزو، بما أن الاتفاقية معنيةبالحد من همجية المحاربين المشاركين في الحرب، والتي تتضمن:

1- حماية الأشخاص الذين لم يشاركوا في الأعمال العدائية.

2- حماية عمال الإغاثة والصحة وحماية المرضى.

3- حماية أسرى الحرب من أي اعتداء على حياتهم.

4- حماية الذين توقفوا عن المشاركة في الأعمال الحربية.

وأهمية تلك الاتفاقية أنها تمنع الانتقام وتضبط سلوك المسلحين، كما أن من أهم واجبات قوات الاحتلال:

1- الأمن والاستقرار والسلام في المنطقة التي صارت تحت سيطرة تلك القوات.

2- الحفاظ على التراث الشعبي والتاريخ الحضاري لسكان المنطقة.

3- استعادة ما سلب ونهب من ممتلكات المنطقة.

ولأن تركيا حتى زمن كتابة هذه المقالة لم تقم بأي واجب من واجبات المحتل المذكورة أعلاه، ولأن ما يجري في منطقة عفرين لم يرقى إلى مستوى الاحتلال، إنما بقي ضمن حدود الغزو المفتوح، لذا أيدنا آنذاك ما ورد في عريضة أهالي منطقة عفرين، وحيث كان من أبرز مطالبهم أن تستلم تركيا رسمياً المنطقة، وتقتدي بتجربة القوات الأمريكية في العراق التي اعتبرت نفسها قوات احتلال، وذلك حتى تغدو هي المسؤولة عن كل ما يجري في المنطقة، وبالتالي تقوم ببسط الأمن والأمان ومحاكمة أو طرد عناصر وقادة كل الكتائب التي اقترفت أعمال السلب والنهب والسطو المسلحواختطاف وتعذيب المدنيين العزل، والذين هم حسب من عاين ممارساتهم على الأرض غزاة وليسوا محررين كما زعموا ويزعمون، كما أن التأكيد على أنهم دخلوا المنطقة كغزاة من كل بد لم يأتي من قِبلنا، إنما جاء على لسان آئمة جوامع تركيا التي صدحت فيها حناجرمواطنيها بقراءة سورة الفتح، قبيل العمليات العسكريةالتركية تمهيداً وتأييداً لغزو منطقة عفرين "الكافرة"!!!.

وفي الختام يحزننا أن نصل الى استنتاج معاكستماماً لما اقترحه الدكتور الفلسطيني محمد أبو سعدة، في محاضرةٍ له بأكاديمية العلاقات الدولية في اسطنبول، عن الدور الإيراني في سورية بتاريخ 27/10/2018 وذلك في قوله بما معناه: عليكم ـ ويقصدنا نحن السوريين ـ الاستعانة بالقاذورات لتحقيق أهدافكم الثورية، إلاّ أن المصيبة الكبرى التي ابتلت بها الثورة السورية هي أن الكثير من حاملي السلاح على امتداد البلاد وعلى اختلاف انتماءاتهم العسكرية وولاءاتهم العقائدية والسياسية، هم مَن تحولوا إلى الذين أشار إلى أهميتهم المرحلية الدكتور أبو سعدو، حيث استخدمتهم الدول وما تزال لتحقيق مآربها على حساب الشعب السوري برمته.

ــــــــــــــــ

ملحوظة: حذفت اسم الحي الذي تقدم وجهاؤه بالعريضة إلى الجانب التركي خشية عليهم من المساءلة والاعتقال، باعتبار أن عشرات المواطنين أكدوا خلال العام المنصرم بأنهم في كل شكوى لهم ضد ممارسات الفصائل، كانوا يتعرضون للمساءلة من قبل نفس الفصيل الذي قدموا الشكوى ضده لدى الجانب التركي المسؤول عنهم!!!.