علمتنا التجارب والأحداث منذ وصول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السلطة ألا نقف عند حدود كلماته وتغريداته، بحكم ما يمتلك من مرونة سياسية وقدرة فائقة على تجاوز المواقف والخطوط التي يرسمها لنفسه، ثم ما يلبث أن يتجاوزها واضعاً خطوط استراتيجية جديدة تتناسب مع يراه محققاً لأهدافه ورؤيته السياسية.

يخطىء البعض كثيراً عندما ينطلق في بناء رؤية تحليلية حول مآلات الأزمة المحتدمة بين الولايات المتحدة وإيران من تصريحات الرئيس ترامب في طوكيو، والتي اعتبرها هؤلاء تراجعاً عن كل مواقفه الحادة تجاه النظام الإيراني، فالمؤكد أن ترامب يمتلك أهدافاً محددة في مقدمتها إجبار النظام الإيراني على الانصياع والجلوس للتفاوض والقبول بشروط البيت الأبيض، ويسعى لتحقيق هذه الأهداف سواء عبر التصعيد والحشد العسكري أو عبر الدعوة للتفاوض وترك الباب مفتوحاً لذلك في إطار توظيفه لسياسة "العصا والجزرة" والتي ينفذها بطريقته الخاصة التي لا تتمسك بقواعد اللعبة كما يراها الخبراء والمحللون، بل تراوح بايقاع سريع للغاية بين التصعيد والتهدئة، مايجعل التحليل السياسي يمضي وراء التصريحات لاهثاً لايقدر على الإمساك بحقيقة المواقف ولا تفسير الانتقال بين التهدئة والتصعيد والعكس.

ورغم أن الجانب الإيراني يراهن بالأساس على عدم رغبة الرئيس ترامب بالحرب، على أساس أن هناك احتمالية عالية للاضرار بفرصه في الفوز بولاية رئاسية ثانية في حال نشوب صراع عسكري مع إيران قبل عام الانتخابات، ولكن هذا الرهان يبقى نوعاً من المجازفة غير المحسوبة لأن الرئيس ترامب قد حقق على صعيد تدجين النظام الإيراني وحشره في الزاوية ما لم يحققه رئيس أمريكي قبله، فالحقيقة أن ترامب قد نجح في جعل النظام الإيراني يشعر بخطر حقيقي، بل ويتحسس مصيره، ويبعث بمبعوثيه لدول عدة، ويدعو لتوقيع اتفاقية "عدم اعتداء" مع دول الجوار وغير ذلك من محاولات لامتصاص آثار الضغوط الأمريكية غير المسبوقة على النظام.

الحقيقة أيضاً أن صادرات النفط الإيرانية قد هبطت إلى نحو 400 ألف برميل يومياً بخسارة نحو مليون برميل قبل بدء سريان حظر صادرات النفط الإيرانية في الثاني من مايو الماضي، والحقيقة أيضاً أن الصين وتركيا والهند، وهم من كانت تراهن إيران على مواقفهم الرافضة للعقوبات الأمريكية بحقها، قد انصاعوا للقرار الأمريكي واوقفوا شراء النفط الإيراني.

الحقيقة كذلك أن الرئيس ترامب يضغط على إيران بذكاء شديد، بدليل أن هناك تقارير إعلامية أمريكية تقول إنه قام بتأجيل عقوبات أمريكية جديدة تتعلق بحظر صادرات البتروكيماويات الإيرانية كما كان مقرراً في النصف الثاني من مايو، حتى يمنح النظام الإيراني فرصة كافية للتفكير في خيار التفاوض قبل أن يحرم الخزانة الإيرانية من صادرات ثاني أهم سلعة استراتيجية إيرانية بعد النفط.

في ضوء ماسبق، ومراوحة ترامب بين التصعيد والتهدئة لا يمكن القول بأن سيناريو الحرب قد ابتعد أو تراجع لا قليلاً ولا كثيراً، فكل الاحتمالات في حقيقة الأمر لا تزال قائمة، والتفكير الاستراتيجي يشير إلى أن نشوب المواجهة مع إيران يحتاج منطقياً إلى استعدادات استباقية وتهيئة سياسية وعسكرية ولوجستية قد تستغرق شهوراً، وبالتالي فإن منح الفرصة للحديث عن التفاوض وغير ذلك لا يعني مطلقاً التخلي عن سيناريو المواجهة، باعتبار أن كل ما يحدث هو ضمن إجراءات "بناء قضية" تقنع الكونجرس والرأي العام الأمريكية باستنفاذ كل سبل الحوار والتفاوض مع الإيرانيين قبل أن تقدم الإدارة الأمريكية على اتخاذ أي خطوات في اتجاه التصعيد العسكري.

والمؤكد أن أكثر ما يجعل سيناريو الحرب قائم وغير مستبعد هو سلوك النظام الإيراني ذاته، لأن هناك إصرار على الاستفزاز وإطلاق التصريحات التهديدية من جانب قادة الحرس الثوري الإيراني، وأحدثها تأكيد نائب قائد الحرس الأميرال علي فدوي بأن بلاده تدعم الحوثيين في اليمن بكل ما تستطيع وأن ما يمنع إرسال قوات إيرانية إلى اليمن كما يحدث في سوريا هو الحصار، والأكثر استفزازاً قوله "نحن غير موجودين في اليمن، ولو كنا هناك لسيطر الحوثيون على الرياض. السعودية تعلم أنه في حال تمكنت إيران من الوصول إلى الحوثيين لتغير الوضع"!

كيف يعقل أن يسود الأمن والاستقرار في ظل وجود أمثال هؤلاء القادة، الذين يضمرون لجوارهم كل هذا العداء والحقد؟! ثم كيف يصدق العالم تصريحات الساسة الإيرانية عن اتفاقات عدم اعتداء أو الزعم بوجود رغبة في بناء علاقات متوازنة في ظل مثل هذه التصريحات الخرقاء؟!

الحقيقة أن سيناريو التوتر سيبقى قائماً ما لم يتخل النظام الإيراني عن سلوكياته ويعود إلى الرشد السياسي ويبدي اقتناعاً وتنفيذاً والتزاماً بمسؤوليات إيران المنبثقة عن عضويتها في الأمم المتحدة وما يترتب على ذلك من التزام بمبادىء المنظمة الدولية وحقوق أعضائها ومسؤولياتهم الأساسية في صون الأمن والاستقرار الدوليين.