قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

الزواج في الإسلام نظام اجتماعي دعا اليه الدين وحث عليه القرآن الكريم والسنة النبوية بوصفه أساسا للمجتمع، وهو يقوم على ارتباط تعاقدي بين الرجل والمرأة، لا يحده زمن فالأصل هو الدوام والاستقرار، وليس هناك أي تحريم على أي فئة من الناس ان تعيش حياة زوجية إذ لا رهبانية في الإسلام. ولما كان الزواج أساس تكوين الأسرة فقد وجب ان تتحقق له أسباب النجاح، وتقوم في ظلاله كل عناصر الألفة والحب والسعادة التي تجعل من الأسرة خلية المجتمع.

من هنا كانت احاطة الزواج بكل مقومات النجاح ضرورة دينية واجتماعية نص عليها الإسلام، فاذا بطلت هذه المقومات او تطرق اليها الخلل الذي لا يمكن إصلاحه فهناك ذلك العلاج المر الذي وصفه الرسول (ص) "بأنه ابغض الحلال الى الله". وليس الطلاق مما يحلله الله من دون قيود او حدود كما يحلو لبعض المغرضين ان يروجوا له، بل هو مقيد بقوانين لصيانة حقوق الزوجة ورعاية مصلحة الأبناء في تنظيم أمور الحضانة والنفة والسكن وغيرها من الحقوق الشرعية، وتقديم هذه المصلحة على غيرها عند التعارض. وما هو الخير في حياة كلها نزاع وشقاق يشوبه التوتر؟ فالحياة الزوجية في الإسلام قائمة على ركيزتين: إما سعادة وهناء، وإما فراق دون شقاق. قال تعالى: "فإمساك بمعروف او تسريح بإحسان".

لقد احل الله الطلاق من اجل حفظ كرامة الرجل والمرأة، فليس من المروءة والكرامة عند المسلم السوي ان يقبل بفرض نفسه على امرأة (زوجة) لم تعد راضية بالعيش معه كارهة لا تطيق عشرته، لسبب يخص مشاعرها الشخصية او لسوء معاملته لها، وقد تنتقم منه بالخيانة (لا سمح الله) فتهدر كرامتها وكرامته، والله يأبي هذا الوضع للمسلمين وغيرهم من أصحاب الديانات الأخرى.

رغم وضوح الدين الإسلامي في رسم العلاقة الزوجية وشروط استمرارها او انفصامها، فإن ما يحدث على ارض الواقع مناقض تماما لسماحة ويسر الدين الحنيف، بل يرقى الى مستوى المأساة. فقضايا الطلاق في الكثير من الدول العربية تدخل في دهاليز طويلة ومظلمة نتيجة المماطلات التي يمارسها الرجال في اكثر الأحيان من اجل الانتقام من زوجاتهم او من اجل الضغط عليهن ليتنازلن عن الكثير من حقوقهن الشرعية. وأسلوب المماطلة يأخذ اشكالا متعددة كالغياب المتعمد والمتكرر عن حضور جلسات المحكة الأسرية، واختلاق الأعذار الواهية مما يؤدي الى طول فترة التقاضي التي قد تمتد الى سنوات تضيع خلالها حقوق المرأة والأطفال.

ليس من الحكمة والمنطق والإنسانية ان تبقى قضايا الطلاق معلقة في المحاكم الشرعية سنوات طويلة (تصل في بعض الأحيان الى ما بين خمس وثمان سنوات) حتى تحسم، حيث يتعرض النساء والأطفال لظلم كبير جراء تأخير سير القضايا في دهاليز المحاكم الشرعية، منها على سبيل المثال:

1. تشعر المرأة بفقد جزء كبير من كرامتها، وتشعر بالذل والمهانة من كثرة ترددها على المحاكم الشرعية للمطالبة بحقوقها وحقوق اطفالها.

2. تفوت على المرأة فرص الزواج والاستقرار مرة ثانية كلما تقدم بها العمر، وقد يتخوف البعض منهن نتيجة الضغوط النفسية والمادية والاجتماعية.

3. يتأثر الأطفال نفسيا نتيجة استمرار الخلافات بين الوالدين، والظروف غير المستقرة التي يعيشون وسطها. يقول علماء النفس: أنه من الأفضل نفسيا للأطفال ان يعيشوا مع أحد الوالدين في أجواء صحية هادئة بدلا من العيش مع الوالدين في أجواء يشوبها التوتر الدائم.

هذه الشريحة من النساء والأطفال جزء من المجتمع، والظروف السيئة التي يتعرضون لها خلال فترات التقاضي الطويلة قد تقودهم الى ممارسات وسلوكيات غير سوية تؤثر سلبا في نهاية المطاف على المجتمع.

في مملكة البحرين تم إقرار قانون أحكام الأسرة (الشق السني) في 27 مايو 2009م وذلك بعد إقراره من قبل البرلمان آنذاك، وقد نصّت المادة الثانية على أنه «لا يتم تعديل هذا القانون إلا بعد أخذ رأي لجنة من ذوي الاختصاص الشرعي من القضاة والفقهاء على أن يكون نصفهم من القضاة الشرعيين يصدر بتشكيلها أمر ملكي". أما "الشق الجعفري" فلا يزال – للأسف الشديد - معطلا منذ العام 2009م بسبب معارضة "جمعية الوفاق" وقتها للقانون ومطالبتهم بضمانات تحمي بعض مواد القانون من تغييرها بمواد مخالفة للشريعة الإسلامية في حال سيطرت القوى العلمانية على البرلمان مستقبلا، رغم ان المادة الثانية من الدستور – التي يحظر تعديلها – تنص على ان "دين الدولة الإسلام، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع"، وبذلك فهي تعد ضمانة كبرى في ان ينشأ القانون شرعيا وان يبقى شرعيا.

لم تكتف "جمعية الوفاق" بعدم موافقتها على القانون في البرلمان، بل أمرت اتباعها بالخروج في مسيرة كبرى حشدت لها حوالي عشرة الآف انسان (بين رجل وامرأة) تحت شعار "لبيك يا إسلام". المضحك المبكي أن الأغلبية الساحقة ممن خرجوا في تلك المسيرة لم يقرأوا القانون او يطلعوا عليه، بل الكثير منهم لا يعرفون ما الهدف منه.

يطالب الكثير من المواطنين والمواطنات الحكومة والبرلمان الحالي النظر في هذا الموضوع لأهميته، والإسراع في إقرار "الشق الجعفري" من قانون أحكام الأسرة، كما يطالبون أيضا بضرورة وأهمية تفعيل الدور المناط بالتفتيش القضائي لضمان حسن سير البت في القضايا الأسرية والتحقق من عدم استنفادها لآجال طويلة قبل البت بها، للتقليل من معاناة أفراد الأسرة خلال فترة الانفصال الزوجي.

وفي الوقت الذي نطالب فيه سماحة القضاة الشرعيين في العالم العربي بإنصاف المرأة وعدم النظر لها بدونية، نطالب أيضا المحامين في الدول العربية بأن يتقوا الله، فلا يستغلوا الثغرات القانونية وجهل الكثير من النساء لحقوقهن الشرعية، فيحرضوا موكليهم من الرجال على مساومة النساء من اجل التنازل عن حقوقهن الشرعية مقابل الطلاق. قال تعالى: وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ ولا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا.

آخر الكلام: بعض النساء لا يستطعن تحمل المعاناة والإذلال فيصابون بإكتاب نفسي حاد قد يؤدي بهن الى الانتحار. هذه حالات فردية لكنها تحدث من وقت الى آخر في اكثر من بلد عربي.