قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

كم كنّا أغبياء حين ظننا أن الإنهيار الاقتصادي هو أقصى ما أوصلنا إليه فساد الطبقة الحاكمة، فعلى ما يبدو الرعونة والعنجهية السياسية تذهب بِنَا أبعد من ذلك بكثير... تأخذنا إلى هاوية لا ندري إن كانت تلك الطبقة نفسها تُدركها أو لا... يتجلى ذلك بالأنا المنتفخة التي تلبس رداء محاربة الطقم القديم الفاسد بكوة نار أخطر من الفساد، كوة من جراح لم تلتئم، نبش قبور الحرب الأهلية لا ليعالجوا جراح هذه الحرب بل ليستغلوها إرضاء لجوعهم المرضي للمال والسلطة.

لنقرأ الأحداث بتروٍ ومنطق... استفزازات سياسية ورد عليها في الشارع خلّف قتلى وجرحى شباب.. ما حدث جاء كرد فعل عنيف، وهو ليس وليد لحظته بل هو نتاج تراكمات من الاستفزاز والتحريض الطائفي...

ما حدث يثير القلق وما كان يفترض أن يحدث البتة ولكن بات واضحاً أن الاحتقان وصل إلى الذروة.

اذا عدنا بالذاكرة إلى الوراء نجد أن الخطاب الطائفي بدأ معزوفته الطرف الطائفي الفائر برعونة على أبواب الانتخابات النيابية السنة الفائتة؛ وقتها استفاد منه خصمه أيضاً فالشعب اللبناني كما العربي عاطفي، والبشر بطبيعتهم يبحثون دوماً عن ملاذ أمان، فجاء الخطاب الطائفي ليضرب على الوترين معاً، ويخدم العدو والصديق. ويبدو أن نتاج الخطاب الطائفي راق للأطراف السياسية اذ حقق الغاية وخدم مصالحها بشكل كبير، فأصبح ورقتها الرابحة في كل معركة مع الخصم.

المنطق يقول عندما يتحدث أي طرف بمنطلق طائفي متعصِّب، يفترض به أن يتوقع أن يقابل بالرفض من الطرف الآخر، أن يتوقع التعصّب تجاهه. يفترض أن يكون واعياً لذلك ولعواقبه ولا يلعب دور الضحية الطوباوي. ما الغاية من كل هذه الصولات والجولات على مناطق لبنانية لا تستسغ بغالبيتها خطاب الوزير العتيد؟ بما تخدم لبنان والشعب اللبناني؟ إلا اذا كان القصد فعلاً الاستفزاز والرقص على جثث الضحايا، كما حصل عملياً!

واضح جداً من يمارس الاستفزارت، ويمكن لأي مراقب أن يلاحظ أن أطراف هذا التحالف السياسي يجمعهم حقد دفين نابع من غبن وجودي ضمن الطائفة الواحدة، ومن غباء سياسي غير قادر على حساب عواقب الأمور، مثل الطفل الذي يرى لعبة بعيدة ويهرع باتجاهها غير واع على ماذا يدوس في طريقه. علماً أن الأطفال لا يؤذون بقصد الأذى، بعكس ما هو حاصل مع رعناء السياسة في لبنان.

واذا توقفنا قليلاً عند الأحداث التي حصلت وتحصل مؤخراً، نجد أن الأطراف التي اتحدت تحتمي بعباءة حزب الله وتتصرف بمباركة من هذا الحزب؛ الحزب الذي غالباً ما ينأى بنفسه عن الأمور الداخلية، ولكن للمفارقة بتنا نراه حاضراً بقوة بعد كل حدث بطابع فتنوي، لا للصلح بل لصب الزيت على النار.

هذا على الأرض أما على المنابر السياسية فغاب القتلى وحضر استغلال الحدث إلى أقصى الحدود، لدرجة الترويج لاغتيال وزير في الحكومة، والاعلام لعب دوراً في تسويق ذلك، علماً أن لا إثباتات حسية على ذلك حتى الساعة.

لم ينس الناس بعد صورة الوزير السابق وئام وهاب رافعاً يديه مع حلفائه في حزب الله في اشارة للنصر، والضحكة تعلو محياهم في عزاء مرافق وهاب الذي وقع قتيلاً في المعمعة إياها مع الجهاز الأمني. يومها صوّر الحادثة على أنها ثأر شخصي ضده،وأظهرت التحقيقات لاحقاً أن المغدور قُتل برصاص رفاقه، أي رجال وهّاب نفسه. ويبدو أن الاسطوانة تتكرر مرة جديدة.

اذا الهدف من بدايته ليس بريئاً، أما أدوات تحقيق الهدف فهي الأخرى غير أخلاقية لأنها تقوم على الاستفزاز والتحريض واللعب بجراح الناس، والنتائج تبدو واضحة، دماء أبرياء تضرّج كل يوم على مذبح الطائفية.

وهكذا وبدل أن تكون الأطراف السياسية تبذل جهدها لتخرج البلد من الانهيار الاقتصادي الذي خلفته بتسيبها، بات شغلها الشاغل إلهاء الناس عبر اثارة النعرات والفتن الداخلية.

اذا هي لم تجتمع لطي ملف مؤلم كما تدّعي، هي في الحقيقة تعيش عقد نقص واضحة تجاه الأطراف التي تتحداها، تفعل ما تفعله لإثبات وجودها والمنافسة على زعامات الطوائف. وحزب الله يبارك، لأنه عملياً المستفيد الأول من تخبط الطوائف ببعضها البعض. بهذه الطريقة يبني سياجاً لمشروعه دون الحاجة إلى توجيه سلاحه مباشرة إلى الشارع كما فعل في ٧ أيار المشؤوم، والذي يتفاخر به كيوم مجيد.

السلم الأهلي لا يمر عبر الاستفزازات، خصوصاً أن من كانوا معنيين بتلك الحرب المشؤومة طووا صفحتها. الكل أخطأ والكل تأذى من تلك الحرب، ففي الحروب ليس هناك رابحون، الكل خاسر؛ ومن يقلّب بدفاتر الماضي اليوم لم يكن جزءا ًمن تلك الحرب ليصوّر نفسه على أنه أُم الصبي. ومهلاً هؤلاء الحلفاء الذين يحاول الاستفزاز من خلالهم وبعدها حمّل شماعة الجراح، ألا ينتمون إلى الطائفة التي يخاف منها؟ كيف لا يخاف منهم؟

كلها لعبة سياسية قذرة، كل طرف فيها يبحث عن مكاسبه الشخصية فقط، ولو عبر طريق معبّد بدم الأبرياء.

هذا لا يعني أن الأطراف المقابلة بريئة، هي الأخرى تتحمّل المسؤولية، فشد الحبال يتطلب طرفين، وفي الحالة اللبنانية كل طرف يشّد الحبل باتجاهه ليكسب الجولة. المعادلة ليست معادلة تحصيل حقوق كما يدّعون، هي في الحقيقة إثبات حضور سياسي لا أكثر ولا أقل.

ما هي القضية التي يموت لأجلها الشباب؟ لا قضية! هي مسألة "تكبير راس" بين أطراف سياسية يحاول كل منها فرض نفسه على أنه الأقوى ليحصد أكثر في الغنيمة والهيمنة السياسية. هي ببساطة حرب "أنا" سياسية على أرض شعبيه هشّة، هشة بالتبعية العمياء والانجرار العاطفي خلف الزعيم، ولو على جثامين شباب ذنبهم الأول أنهم ولدوا في بلد مركّب على الطائفية، بلد لا يُراعى فيه أبسط الحقوق الانسانية في أن يعيش المرء بكرامة دون أن يُذل لهذا الزعيم أو ذاك ليعيش... بلد يستنزفهم تارة بالتيئيس وتارة أخرى بالدم!