قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في بداية كتابه :”صناعة العدو" يشير امبرتو ايكو الى أنه كان ذات مرة في نيويورك . وفي سيّارة التاكسي التي كانت تقلّه إلى مكان ما، سأله سائقها الباكستاني :”من هم أعداء الايطاليين؟ ومن هي الشعوب التي تحاربوا معها ؟". ويقول امبرتو ايكو أن ذلك السؤال هو الذي حرضه على تأليف كتابه المذكور.ويضيف قائلا بإنه يمكن القول أن ايطاليا لم يعد لها منذ نهاية الحرب الكونية الثانية أعداء بالمعنى الحقيقي للكلمة. لكن على المستوى الداخلي، هناك صراعات بين قوى بسبب التعارض القائم بين مصالحها. فالمافيا ضدّ الدولة المركزيّة. وأثرياء الشمال ضدّ فقراء الجنوب. والليبيراليّون ضدّ الفاشيين الجدد. غير أن التاريخ يقدّم أدلّة قاطعة على أن الوحدة الايطالية لم يكتب لها النجاح اّلا بفضل حروب مع أعداء خارجيين ، نمساويين تحديدا. وعندما انهار ما كان يسمّى بالاتحاد السوفياتي، وجدت الولايات المتحدة الأمريكيّة نفسها في حيرة من امرها بسبب احتياجها إلى من يتشرف بتعويض "امبراطورية الشر". ولم ينقذها من تلك الحيرة غير ظهور "القاعدة" بزعامة بن لادن وأيمن الظواهري. ثم يكتب امبرتو ايكو قائلا :”أمر مهمّ أن يكون لنا عدوّ لتحديد هويّتنا، ولكن أيضا لمواجهة العقبات، وتبيّن مدى صحّة وقوّة نظام قيمنا، واظهار شجاعتنا. لهذا حتى وإن لم يكن لنا عدوّ فإنه يتحتّم علينا صناعته ".

ولكي يثبت صحّة فكرته هذه، يعود امبرتو ايكو الى التاريخ القديم، الروماني بالخصوص، ليقدم لنا من خلال خطب شيشرون أمثلة عن كيفيّة "صناعة العدو"، والحاجة اليه :”هذا القطيع النذل ليس سوى عصابة من كلّ اللاعبين، والزوجات الخائنات، ومن كلّ ما هو نجس وفحش وفسق. هؤلاء الشبان الرشيقون والظرفاء واللطفاء جدا لم يتعلّموا فقط فنّ الحب، وكيف يحبهم الآخرون، وكيف يرقصون، ويغنّون وإنما هم يعرفون أيضا كيف يطعنون بالخنجر، وكيف يضعون السمّ في الكؤوس". وأما الروماني الآخر تاسيتوس فقد حدّد مقاييس لأعدائه اليهود قائلا :”عندهم-أي اليهود- كل ما هو محرّم عندهم هو مقدّس عندنا، وكلّ ما هو شرعيّ عندهم هو عندنا فظيع ،وممنوع منعا باتا". ويصف مبعوث الامبراطور الجرماني اوطون الأول (القرن العاشر) الامبراطور البيزنطي نيسيفور على النحو التالي :”إنه كائن مشوّه الخلقة. وهو شبيه بقزم له رأس سمين وعينان صغيرتان تجعله شبيها بالخلد. وأما خصلات شعره الطويلة والغزيرة فتجعله شبيها بالخنزير .ويحيل لون بشرته الى لون بشرة ايثيوبي لا نرغب في لقائه في الليلة الدهماء. وله بطن كبير، ومؤخرتان نحيلتان، وفخذان طويلان غير متناسقين مع قامته، وساقان قصيرتان. وهو يرتدي ثوبا من الحرير لكن بسبب كثرة الاستعمال اليومي، هت لونه وبات منفرا يميل لونه الى الاصفرار".

وعندما تأسست الدول القوميّة في أوروبا ،أصبح البريطانيّون يصفون أعداءهم الفرنسيين ب"أكلة الضفادع”. وكان الألمان يسخرون من الايطاليين بسبب اقبالهم على استهلاك كميات كبيرة من الثوم. ثمّ تغيّرت الصورة ليصبح العدو ذلك الذي يجاهر باختلافه سواء في اللباس، أو في التفكير، أو في السلوك. وفي الولايات المتحدة الأمريكية أصبح الزنجي عدوا بالنسبة للأبيض. وهو دائما متهم بجريمة ما. ودائما مذنب. وقد يقاد الى الكرسي الكهربائي رغم أنه لم يرتكب الجريمة المنسوبة اليه. وهذا ما تعكسه العديد من الروايات والأفلام. وفي عين الأبيض العنصري، يكون الزنجي دائما قبيحا، ووسخا، ونتن الرائحة، وفاحشا في سلوكه وفي لغته. وهو مثال للنذالة في أبشع صورها. والمنتصر في الحرب يقدّم عدوّه المهزوم على أنه مثال للجبن، والغباء، والسطحية ، بل ونتن الرائحة أيضا . وهذا ما تعكسه الفقرة التالية التي يصف فيها الايطالي غيوستي جنودا نمساويين وقعوا في الأسر :”دخلت لأجد نفسي أمام كتلة من الجنود، من أولائك الجنود الشماليين الذين قد يكونون إمّا من بوهيميا، أو من كرواتيا وضعوا هنا في حقل العنب كما لو أنهم أوتاد. ظللت في الخلف لأني شعرت وأنا وسط اولئك الرهط من البشر بامتعاظ تحتم عليّ وظيفتي عدم الاجهار به. وكانت تطفو رائحة عطنة تخنق الأنفاس". وقد اكتفى امبرتو ايكو بتحديد مقاييس العدو من خلال القارة الأوروبية القديمة والحديثة غافلا عن ذلك في الثقافات الأخرى كالعربية والصينية واليابانية وغيرها. مع ذلك يتيح كتابه المذكور للقارئ والباحث التعرف على جوانب مهمة في التاريخ الاوروبي والعالمي من خلال مواصفات "صناعة العدو" .