قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

النسوية ليست مذهبا دينيا، ولا حزبا سياسيا، ليست عصيانا للمجتمع ولا انقلابا على القيم.

و الخائفون من النسوية لا يجيدون قرائتها ولا يفهمون مكمن قوتها.

صحيح أن الحركات النسائية مؤثرة في العالم. فهي تصنع التغيير و تثير الجدل حول المسلمات و تحدث حراكا سياسيا و فكريا و اقتصاديا، و كأنها صوت يصدر من الصمت و الغياب و من حيث لا يعلمون. لكن السر الكبير وراء كل هذا هو قوة المرأة نفسها، تلك القوة الطبيعية التي اكتسبتها منذ وجودها الأول.

و حتى نفهم الأمر بشكل أكثر وضوحا علينا أن لا نفصله عن سياقه الزمني، فأسلافنا في الأزمنة السحيقة كانوا يقدسون المرأة و يعتبرونها مصدر الحياة و المحبة و الخصب و الحليب و الانبعاث، فنشأت الأسرة البشرية أسرة أمومية لا أبوية، كان الأطفال يحملون أسماء امهاتهم حيث العلاقة بالأم علاقة طبيعية تبدأ منذ لحظة التكوين و تستمر بالملامسة و الرضاعة و الرعاية، بينما تتشكل العلاقة مع الأب لاحقا كأحد الأنماط الاجتماعية .

هذا الانبهار بالمرأة جعلها الأكثر استحقاقا للسيادة في المنزل و البلاط و المعبد فكانت الآلهات إناثا و الملكات إناثا و لم يظهر الذكور وفقا لمعظم الدراسات الميثولوجية إلا متأخرين. و لكن هذا لا يعني أن الرجل في ذلك العصر كان مجرد تابع ضعيف . إلا أنه لم ينازع المرأة هذه المكانة تقديرا و احتراما لها و اعترافا بقدسية وجودها. بل و يذكر أن رجال تلك المرحلة كانوا أكثر عزة و انفة و فروسية من رجال العصر الذكوري البطريركي، كما وصف ذلك أرسطو في كتابه (السياسة) بقوله أن أغلب الشعوب العسكرية الميالة للقتال هي شعوب منقادة للنساء.

تلا ذلك انقلابا ذكوريا على المجتمع و استمر هذا الانقلاب يتشكل في القوالب السوسيولوجية و الأيديولوجية حتى يومنا هذا.

و في كتابه ( لغز عشتار ) يذكر فراس السواح أن حرمان المرأة من حقوقها السياسية و المدنية بدأ مبكرا عند جذور التاريخ الإغريقي.

و بالطبع لم يمر كل هذا دون مقاومة فمنذ ذلك الزمن البعيد نشأت الحركات النسائية و في كل عصر كانت قضيتها مختلفة باختلاف العصر و متطلباته و تشريعاته.

نستنتج إذا أن النسوية كفكرة تأتي ضمن تجربة إنسانية كبرى تهدف لإعطاء المرأة مكانا طبيعيا يناسب تأثيرها.

بل إنني أكاد أن اجزم بأن أكبر كارثة حلت على الإنسانية كانت اقصاء المرأة و اعتبارها مصدرا للفتنة و الخطيئة. لقد انتهكت هذه الفكرة بالذات التوازن الطبيعي في النوع البشري.

و لأن النسوية فكرة حقوقية في جل جوانبها فإن كثيرا من الرجال يتبنونها و يناضلون لأجلها مما ينفي تماما عنصرية النسوية او مناوئتها للرجل.

و الواقع إن النسوية السعودية ليست عريقة جدا ، و لكنها مؤثرة جدا إذ ارتبطت بفكرة العدالة و الانعتاق من التطرف و انسجمت مطالبها مع شكل المجتمع العصري الذي يراهن عليه الجميع لتحقيق التنمية و الازدهار.

وأخيرا، أقول لمن يحاولون النيل من النسوية أعيدوا النظر في مواقفكم في ضوء قراءة واعية للتاريخ القديم و الحديث، فالمرأة لا تختصر و الحركات النسائية لا تقهر بل انها تدريجيا تحظى بمباركة المجتمع و صناع القرار.