مراد عباس من الجزائر: لا يزال الشيخ عبد الله جاب الله رئيس حركة الإصلاح الوطني في الجزائر، مصرا على أن نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة مزورة، ويرفض اعتمادها كمرجعية لتحديد الاستراتيجية المستقبلية لحزبه الذي يبقى القوة السياسية المعارضة الأولى في الساحة الجزائرية، يرفض التدجين والدخول في صفقة مع النظام.
وفي هذا الحوار الذي يرجع فيه عبد الله جاب الله من جديد إلى تحليل الرئاسيات وانعكاساتها على الساحة الجزائرية، يتهم مباشرة السلطة القائمة وفي مقدمتها وزارة الداخلية بالعمل على زعزعة حركة الإصلاح الوطني التي ترفض الخضوع إلى منطق السلطة وتحافظ على استقلاليتها.

أجرى الحوار:
مراد عباس
س:كنتم ترددون أن حركة الإصلاح الوطني هي القوة السياسية المعارضة الأولى في البلاد، ألا زالت حركتكم تتمع بنفس الوزن، خاصة مع نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة؟

ج:الحقيقة أن الانتخابات الماضية قد عمقت هذه النتيجة، فالحركة خرجت من هذه الانتخابات في تقديرنا بكثير من مظاهر القوة، بالرغم ما اكتنفها من تجاوزات متعددة ومتنوعة.
وللدلالة على ذلك، هناك أرقام، في الانتخابات المحلية الماضية سنة 2002 دخلت الحركة في 328 بلدية، وفي الانتخابات الرئاسية الأخيرة شكلت الحركة لجان مساندة ودعم في 1200 بلدية، فهل هذا تطور ايجابي وتحسن أم انه تقهقر؟ في الانتخابات المحلية دائما الحركة استطاعت أن تكلف قرابة من 4000 إلى 4500 مراقب في عموم القطر، في الرئاسيات حسب تصريحات الداخلية وصلت إلى 24 ألف مراقب، فهل هذا تحسن أم تقهقر.
فنحن من خلال المعطيات العملية التي عندنا الحركة عرفت تطورا كبيرا جدا على مستوى الانتشار خلال الانتخابات الرئاسية، التي زادت في قوة الحركة وعمقت ووسعت انتشارها، وهذا الذي جعلني أقول أن الانتخابات أكدت ما كنا نقول، بان الحركة هي القوة السياسية المعارضة الأولى في الساحة الوطنية.
طبعا هذا الأمر نقوله ليس من باب الافتخار، نحن نتمنى لو كان موجودا معنا في الساحة قوة سياسية معارضة أخرى نستظهر بها ونتعاون معها على الضغط، إن جاز التعبير، على السلطة الحاكمة لكي لا تمضي بعيدا في تنفيذ مشاريع العولمة والتغريب.

س:على ذكر القوى الأخرى التي تقوي إلى جانب حركة الإصلاح للضغط على الحكومة، نلاحظ من خلال نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة، أن حركة الإصلاح بقيت لوحدها، والحكومة مقبلة على إلغاء بعض المشاريع التي بادرت بها الحركة في وقت سابق كالمادة المتعلقة بمنع استيراد الخمور، ما هو موقفكم في هذه الحالة؟
ج:القانون لا يلغى هكذا بقرار، يمكنها أن تقدم مشروعا في قانون المالية التكميلي، يتعلق بهذا الموضوع، نحن الذي يجب أن نفعله هو أن نواصل دفاعنا عن انشغالات المواطنين الحقيقة والمشروعة، وان نعترض على كل المشاريع والقرارات والسياسات التي نقدر أنها تنشأ ضررا بالأمة وبمقومات شخصيتها أو تلحق ضررا بحقوقها المختلفة.
لكننا لسنا أصحاب القرار في هذا الشأن، ويتحمل بعد ذلك كل طرف مسؤولية ما فعل، وسؤالكم هذا يقودني إلى القول أن الشعارات التي رفعها الرئيس المترشح يوم الانتخابات، كشعار المصالحة الوطنية وغيرها، هي شعارات رفعت لأغراض سياساوية. أما على مستوى المحتوى فهؤلاء ليسوا صادقين في تبني تلك الشعارات، وأكد ذلك الواقع، ويمكننا اليوم أن نتكلم بصوت عال، ها قد نبهناكم ونصحناكم ولكنكم لا تحبون الناصحين.

س:كأنكم توجهون كلامكم للناخبين الذين أعطوا أصواتهم للرئيس بوتفليقة، وتردون المسؤولية على الشعب الذي اختاره، وليس على المسؤولين؟

ج:لا أنا احمل المسوؤلية للعشب، ومن يتحمل المسؤولية أساسا هي القوى السياسية التي روضها الطمع، ولم تصدق في قولها للشعب، وذهبت في التعبير عن أمال، نقدر أن الشعب يتطلع إليها طبعا، ولكن في جوهر الحال وحقيقته ما كانت موفقة في ذلك وما كانت صادقة، ولا بد على الشعب بعد ذلك أن يعرف من صدقه في النصيحة ومن كذب عليه، أن يعرف من وفى له بالنصح ومن لم يف له بالنصح، ليتحمل بعد ذلك كل طرف مسؤولية أقواله وأفعاله.أو ليس هذا بالعدل؟.

س:انتم من المسؤولين القلائل الذين يصرون على القول بان نتائج الانتخابات الرئاسية الأخيرة كانت مزورة، بالرغم من أن أغلبية الناس تؤكد على أنها تميزت بقدر من الشفافية والنزاهة مقارنة بسابقاتها؟

ج:هذا قول من وقف عند ظاهر الصورة، ولم يغص في بواطن الأشياء، فهل استغلال المال بآلاف الملايير، وتنظيم حملة مسبقة لأكثر من نصف سنة ، مع استغلال كل وسائل الإعلام وخاصة التلفزيون، والإدارة بأجهزتها المختلفة، وشراء ذمم الجمعيات والمنظمات والشخصيات المؤثرة، هل مثل هذا السلوك يقبله الفعل الانتخابي النزيه، وأيضا استغلال الوزارات المختلفة والإدارات المختلفة في الولايات المختلفة أثناء الحملة الانتخابية، هل هذا السلوك يقبله الفعل الانتخابي النزيه؟ .
وفي هذا الإطار، ركزوا بالخصوص على الوعاء الانتخابي التابع لحركة الإصلاح الوطني تركيزا خاصا، فقد نزل إلى الكثير من البلديات التابعة لحركة الإصلاح الوطني بعضها أكثر من 13 وزيرا في الحملة الانتخابية، وبعضها 17 مع رئيس الوزراء، وتواصلوا مع الناس وقدموا، وعودا كاذبة للناس وعملوا على شراء بعد ذلك أصوات المواطنين. وقد لاحظنا ذلك يوم الانتخاب حيث انتشر رجالنا في ولايات مختلفة، وكان من يذهب منهم للتصويت يقوم بأخذ الأوراق المرماة في جيبه وبعدما يفرزها قلما يجد صورتي بين الصور المرماة.
وتبين لاحقا بان أنصار الرئيس المترشح اشتروا صورتي بأموال كثيرة في بعض الأماكن، وفي بعض الأماكن لو يوفوا أيضا لمن قام بهذا الأمر، ولذلك وقعت مشاكل في العديد من الولايات بعد إعلان النتائج، إلى جانب ما سجلناه من تجاوزات في العديد من الأماكن. وقد أخذت إشكالا وصورا مختلفة، بعضها بملء الصنادق بأظرفة لصالح الرئيس المترشح، وبعضها كان في شكل تغيير صناديق. وصحيح أن هذه الظاهرة لم تكن في الولايات الكبرى وفي عواصم الولايات أيضا ولكنها كانت في العديد من الأماكن.
ولذلك فالنتائج في تقديرنا من خلال التقارير المختلفة التي وصلتنا، ومن خلال التواصل مع الولايات، في نشطات مكثفة بعد الانتخابات، واستعمت في جلسات حوارية إلى ملاحظات الإخوان هنا وهنالك، والكل يؤكد أن ثمة فنيات جديدة في التلاعب بإرادة المواطنين، وهو الشيء الذي جعلنا نطعن في نسبة الفوز، ونقول بأنه كان يمكن أن يفوز ولكن ليس بهذه النسبة، فلو كانت الانتخابات نزيهة قد لا يتجاوز 50 إلى 52 في المائة.

س:وكيف تفسرون هذا الاعتراف الدولي الواسع بنزاهة نتائج الانتخابات؟

ج:ومتى سجلتم خلاف ذلك، دائما المجتمع الدولي يعترف ويثمن ويزكي وهذا أمر ليس حجة.

س:من الجهة التي زورت الانتخابات،هل هي الداخلية أم المؤسسة العسكرية؟

ج:الحقيقة أن الجيش تصرف تصرفا غامضا خلال هذا الاستحقاق الرئاسي، وبعد الحملة الإعلامية المركزة التي أكد فيها عن حياده،اتضح في يوم الحسم ان الأمر لم يكن بمستوى ذلك الانطباع الذي تركته تلك الحملة المركزة، ولكن الإدارة هي التي تواطأت تواطؤا واضحا، وتحولت إلى آلة لحملة انتخابية مسبقة ثم لحملة انتخابية أثناء الحملة الانتخابية لصالح الرئيس المترشح. وهي مسائل معلومة ومعروفة ولا تحتاج إلى أن نؤكدها.

س:يقال انه قبل موعد الانتخابات الرئاسية بثماني وأربعين ساعة، التقيتم بقائد أركان الجيش،هل هذا صحيح؟

ج:أنا لم تكن لي لقاءات لا سابقة ولا أثناء الانتخابات ولا لاحقة أيضا.
س: وبقية المترشحين؟

ج:الله اعلم، هذا أمر يطرح عليهم.

س:تقولون إن نتائج الانتخابات كانت ايجابية جدا وعبرت عن انتشار الحركة.

ج:مقاطعا...ليس النتائج المعلن عنها، لم يقفوا عند نتيجة واحدة، ليلة الجمعة أي يوم الخميس ليلا نشروا نتيجة وتداولتها وكالات الأنباء المختلفة والفضائيات المختلفة، حيث قالوا إن الرئيس المترشح فاز يومها بنسبة 70 بالمائة والمتحدث بنسبة 15 بالمائة وبن فليس بنسبة 10 بالمائة وهكذا واستمر الأمر إلى غاية يوم الجمعة على الساعة العاشرة، حيث الكثير من الصحافيين في القنوات الإذاعية اتصلوا بنا وأكدوا هذا الخبر الذي وصلهم من جهات رسمية على حد قولهم، ثم بدا لهم أن يغيروا النتيجة، ونحن لا نلتفت إلى الأرقام الرسمية ونتعاطى مع الواقع الميداني.

س:الشيخ جاب الله ما هو حجمكم الحقيقي بحسب التقارير التي وردت إليكم من قواعدكم الحزبية؟ثم لماذا يختلف الإسلاميون في كل انتخابات، ولم يقدموا مرشحا واحدا عنهم؟

ج:لم نجنح إلى تحديد النسب، ويصعب على أي حزب لا يملك الإمكانيات اللازمة للقيام بعملية إحصاء أن يقدم نسبة محددة، والذي نقوله هو ماقلناه وهو أن الحركة في هذه الانتخابات ولله الفضل والمنة عرفت انتشارا واسعا، ويفوق بكثير ما كانت عليه في الانتخابات السابقة.
أما بالنسبة للسؤال الثاني، فهذا أمر يطول الحديث فيه، وما يمكن قوله بكثير من الاختصار هو أن التعدد سنة من سنن الله في الخلق والاجتماع، نحن نقول به ونؤمن به ونتعامل معه، كما هو، صحيح تمنينا لو أن الإسلاميين نجحوا في تحقيق قدر معتبر من التنسيق، خصوصا في مثل هذه الاستحقاقات الكبرى وفي المواقف المصيرية الكبرى لكن أملنا أن هذ الأمر سوف ينضج أكثر في المراحل القادمة، وسوف يكون للتجارب الفاشلة التي جريتها بعض القوى ذات التوجه الإسلامي أثره الكبير في تقويم وترشيد مواقفهم في الاستحقاقات المقبلة إن شاء الله.

س:كان لنتائج الانتخابات التي حققتموها انعكاسات على الوضع الداخلي للحركة، حيث عرفت بعض الانشقاقات والاستقالات، ماذا حصل بالضبط؟

ج:بهذا الوصف كلام غير صحيح، الذي حصل أن وزارة الداخلية، أو بالا حرى عناصر نافذة في السلطة أرادت أن تستغل الظرف الانتخابي لإيجاد حالة من اللااستقرار داخل حركة الإصلاح الوطني، واعتمدت لذلك العديد من أساليب الإغراء الكاذب بناء على التجارب السابقة لبعض الناس، إن تعاونوا معها على تنفيذ مخطط سوف ينالهم كذا وكذا.
وقد فشلت هذه المناورة واتضحت والحمد لله لأبناء الحركة ولعموم الشعب، ونتوقع أن لا تتوقف بل تجدد ربما في المستقبل على اعتبار أن السلطة النافذة في البلاد ليست وفية وليست صادقة في التوجه الديمقراطي التعددي، ولا تريد أن تكون هناك قوة سياسية مؤثرة في المجتمع، وفي نفس الوقت بعيدة عن هيمنتها وخارجة عن دائرة نفوذها.ولذلك تظل عاملة على محاولة شراء الذمم لزعزعة الاستقرار داخل الحركة، ونحن نعرف هذا ولدينا تجارب سابقة فيه ونعرف كيف نعالجه، وللحركة من القواعد الضابطة لسيرها ما يعينها على حسن معالجة مثل هذه الحالات لما توجد.

س:تتهمون السلطة بمحاولة زعزعة استقرار الحركة، وفي نفس الوقت هناك من يقول أن حركة الإصلاح استفادت من تعامل خاص من السلطة، وهي الوحيدة التي تحصلت على الاعتماد منذ مجئ بوتفليقة؟

ج:هذا كلام قديم طرح منذ مدة، وتم الرد عليه وتم بيانه بوضوح، لا أظن أن شخصا يعرفنا جيدا يقول بمثل هذا القول، بل حتى أولئك الذين يروجون هذا القول لأنهم لم يجدوا شيئا يحاولون أن يبيضوا به عوراتهم، فيلجأون إلى مثل هذا الكلام هم أنفسهم ليسوا مقتنعين به، لأنهم على يقين من انه ليس لنا أية صلة مشبوهة أو مشينة أو مصلحية مع أي جهة في النظام.

س:هل تم استشارتكم في تشكيل الحكومة الجديدة، وما هي صلتكم اليوم بالرئيس عبد العزيز بوتفليقة؟

ج:لم نستشر لا من قريب ولا من بعيد، وليست لنا صلة بالرئيس مباشرة أو غير مباشرة، الرئيس بوتفليقة هو رئيس الدولة الجزائرية، ونحن نتعامل معه كما تعاملنا معه في العهدة السابقة.

س:تركز السلطة منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة على موضوع المصالحة الوطنية، احد الوعود التي قدمها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، والحكومة أعطتها صبغة تقنية وترفض إشراك الطبقة السياسية في تحقيقها؟

ج:هم اخذوا مصطلح المصالحة، لأنه صار مطلبا شعبيا ومصطلحا براقا جدا، وله تأثير متميز على المواطنين خاصة، وقد عانى المواطنون أشكالا وصورا من الظلم خلال العقد الأخير من القرن الماضي، ولكنهم أفرغوه من محتواه، وهذا الذي قلناه مرارا أثناء الحملة الانتخابية، قلنا أن المصالحة التي يدعون إليها ليست هي التي ندعو إليها، ونحن أصحاب المصطلح الذين عملوا على توضيح وتحديد مضامينه، ونحن من ناضل بمعية بعض القوى السياسية المعروفة التي لا ينكر فضلها من اجل الإقناع بالمصالحة الوطنية، وشاركنا في جميع مراحل الحوار التي نظمت لهذا الغرض.
فما ندعو إليه من مصالحة وطنية وما حددناه من مضامين ليس ما يدعو إليه الرئيس الحالي ولا صلة للمضامين التي ندعو نحن إليها بالمضامين التي يدعو إليها هؤلاء، وقد أكد رئيس الحكومة نفسه يوم 22 ماي في رده على كتلتنا، قال بالحرف الواحد أن مضمون المصالحة الوطنية التي نتبناها نحن يختلف اختلافا جوهريا عن المصالحة الوطنية التي دعت إليها بعض الأطراف، ويعني حركة الإصلاح الوطني، ثم قال أن هذه المصالحة ليس لها آليات جديدة ولا قانون، كل ما هنالك أن الذي في الجبل ويسلم نفسه وسلاحه، نقول له مرحبا به، فأقصى ما يناله ذلك الإنسان هو التمتع بحقه في الحياة.
ولذلك موضوع المصالحة الوطنية يظل مطروحا ومطلبا أساسيا من مطالبنا وموضوعا رئيسا من مواضيع نضالنا.

س:هناك من يتهمونكم بأنكم تقربتم أثناء الحلمة الانتخابية الأخيرة من بعض القوى التي ترفض المصالحة الوطنية، مثل سعيد سعدي؟

ج:نحن لم ننسق معه في برنامج سياسي، ولكن نسقنا معه في مسألة تقنية بحتة، محدودة في الموضوع و الزمان والمكان، نحن نسقنا معه حول الرقابة على صناديق الاقتراع من اجل حماية أصوات المواطنين من التزوير الذي يتهددها. وهذا التنسيق التقني هو فعل ايجابي محمود ومفيد ونافع ويعتبر خطوة ربما محمودة في تقديرنا في اتجاه المستقبل، أما غيرنا فقد التقى حول برنامج وحول مشروع وحول سياسات فلا يمكن أن يقاص هذا بذاك ومحاولة تبرير ما قاموا به بالخطوة التي قمنا نحن بها هي كمحاولة غريق الذي يريد أن يتشبث بأي شيء بأمل أن ينقضه من الغرق.
ولكن اعتقد أن الشعب على مستوى من الوعي والنضج ما يجعله يميز بين هذا وذاك، والحملة المركزة التي عشناها خلال مرحلة ما بعد الانتخابات مباشرة حول هذه المسالة، اعتقد أنها انكشفت للرأي العام.

س:ماهي مبررات تأجيل موعد مؤتمر الحركة؟

ج:اجل لأسباب مادية صرفة، رغبت أن ينعقد المؤتمر في تاريخه وقلت هذا بصريح العبارة للإخوة في المجلس الشورى الوطني، رأيي الشخصي ارغب أن تحافظوا على تاريخ المؤتمر بالوسائل المتاحة. لكن الإخوان بعد أن درسوا هذا الموضوع من جميع الجوانب المادية رأوا أن يؤخروا تنظيمه إلى شهر ديسمبر لكن انخرطت الحركة في سلسلة من الأعمال ذات الصلة بالمؤتمر.

س:هناك من يقول أن هذا التأجيل كان اضطراريا، لتجاوز الانشقاقات والخلافات التي ظهرت داخل الحركة؟

ج:هذه أمنية مريضة سكنت بعض القلوب المريضة ونحن لا نلتفت إليها، لقد قلت وأؤكد بأنه ليست هناك انقسامات، للحركة قواعد وحصانة قوية ولها تجارب هامة في هذا الشأن لا يمكن على الإطلاق أن يكون هناك انقسام في حركة الإصلاح الوطني، فهناك من الآليات التنظيمية المنصوص عليها في القانون الأساسي و النظام الداخلي ما يمكن مؤسسات الحركة من معالجة أي مشكل وتجاوز أي خلاف.

س:ولكن هناك من يقول أن رئيس الحركة يجمع كل الصلاحيات بيده وان الآليات التي تتحدثون عنها مجرد هياكل شكلية لا سلطة ولا قرار لها؟

ج:هو قول أيضا مرضى القلوب، الذين يجهلون ما هو موجود في القانون الأساسي والنظام الداخلي، وأي التنظيمات السياسية أكثر ديمقراطية، وأحسن تنظيما للعمل المؤسساتي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معاني، فأما الذين يقولون ما لا يعرفون فهم كما قلت يعبرون عن أحقاد في قلوبهم أو أمنيات مريضة تراود أحلامهم، ويحاولون تمريرها في بعض الجرائد بأمل أن يؤثر ذلك سلبا على استقرار الحركة ولكن هيهات.
قل لي على سبيل المثال على مستوى العمل البرلماني، أي حزب لا يتدخل رئيسه في شؤون العمل البرلماني، ويترك ذلك للكتلة البرلمانية تجتهد بما تراه نافعا ومفيدا للشعب الجزائري ولا تنضبط إلا بضوابط حددتها وثائق الحركة، أي رئيس حزب لا يتدخل في تعيين ممثليه في المجلس، فلماذا لا يتوجه الناقدون إلى هذه الممارسات الاستبدادية بالنقد، يغفلون عن هذه الممارسات لان هؤلاء سلطة، أو بعضهم في السلطة، أو بعضهم صاحب إمكانيات فيشترون ذممهم ثم يتوجهون لحركة الإصلاح الوطني بالنقد، بالرغم أن حركة الإصلاح الوطني على مستوى القانون والممارسة هي نموذج متميز في الشأن الديمقراطي وسط غابة من الفعل الاستبدادي الواحدي، وادعوكم للقيام بدراسة مقارنة بين ما عند حركتنا وما عند غيرها.

س:هل سيجري تعديل على الخط السياسي للحركة، مثلا فيما يتعلق بمبدأ المشاركة في الحكومة، حيث تصرون على رفض ذلك؟

ج:الحركة لها خط سياسي بين وواضح، و الإخوان مقتنعون بهذا الخط ومتمسكون به، بل بعضهم يندفع في التعصب للخط أكثر من رئيس الحركة، لكن أقول أن وثائق الحركة مطروحة للنقاش والنظر والمؤتمر في النهاية هو الذي سوف يقرر.

س:سيطرح قانون للأسرة للتعديل قريبا، كيف تقرأون التعديلات المقترحة؟
ج:للأسف هذا القانون هو الوحيد المستمد من الشريعة الإسلامية والذي خضع ولا يزال لمؤامرة محلية ودولية تهدف إلى نزع الصفة الإسلامية عن هذا القانون، وقد استغلت هذه المؤامرة المظالم الواقعة على المرأة بفعل العادات والتقاليد الموروثة خلال قرون الانحطاط والتخلف. وبدلا من ان ينحسر جهدهم في مسعى تحرير المراة من ظلم العادات والتقاليد انصرف لمحاولة تحرير المراة من الدين نفسه الشيء الذي ينبغي توضيحه للرأي العام والنضال من اجل منع هذا التوجه وهذا الخيار.
وسوف تشهد الساحة الجزائرية بإذن الله وعونه مع الدخول الاجتماعي نشاطا مكثفا حول هذا الملف حتى تكون الأمة على بينة. ولا يفوتني بأننا خلال الحملة الانتخابية أشرنا إلى هذا الخطر وأكدنا في مختلف تجمعاتنا على أن ثمة مؤامرة على قانون الأسرة تستهدف كما قلت المساس ببعض المواد ذات الصبغة الشرعية والدينية البينة والواضحة.

س:يقول البعض من أن حركة الإصلاح في سياستها لا تراعي مصالح الجزائر على المستوى الدولي، مثل اقتراح مادة منع استيراد الخمور، الذي يعرقل مسعى انضمام الجزائر إلى المنظمة العالمية للتجارة؟

ج:هذا قول العلمانيين ومن لف لفهم، والعلمانية هي اكبر خطر يتهدد الأمة في وحدتها وفي مصالحها في نفس الوقت، ونحن نؤمن أن الله تبارك وتعالى لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها.

س:وماذا عن الملف الذي انتم بصدد إعداده حول حركة مجتمع السلم؟

ج:هذا كلام غير صحيح، وحمس ليست ذلك الحزب المستور حتى يحتاج إلى تشكيل لجنة تنقب على عوراته أو تتعرف على مواقفه، فمواقفه الآن رسمية وعلانية وسياساته رسمية وعلانية، وهي في متناول أي مواطن، فكل من أراد أن يتعرف على موقف أي حزب سواء حمس أو الإصلاح، فما عليه إلا أن يعود إلى الجرائد، ولكن هذه محاولات مغرضة حركتها بعض الأطراف ربما أيضا لمقاصد مغرضة نسأل الله أن يوفقنا لتجاوزها.


س:كيف يرى الشيخ عبد الله جاب الله إلى التقارب الحاصل في العلاقات الجزائرية الفرنسية من جهة، والتقارب مع الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى؟

ج: الذي أقوله في هذا الشأن، هو أن ثمة مجهودات مبذولة لتحضير الجزائر للدخول إلى حضيرة العولمة، وقد شرعوا في هذه التحضيرات في العهدة الرئاسية السابقة وهم مستمرون فيها، لذلك المسالة يجب أن تعنى بتتبع خاص ودراسة خاصة نحن لسنا ضد التعاون مع الغرب بشكل عام، والدول الكبرى فيه بشكل خاص، على ما يحفظ مصالح الجزائر ولكن ضمن حضارة هذه الأمة ومقومات شخصيتها.

س:قدمت الولايات المتحدة الأمريكية مشروعا لدمقرطة الدول النامية، ما هو تقييمكم لمشروع الشرق الأوسط الكبير؟

ج:الواقع العربي في حاجة إلى تطوير، وفي حاجة إلى تحسين مستمر لان هناك من الأمراض ما لا عد له ولا حصر، هناك مرض الاستبداد، والاستغلال والاحتكار، والذي نريد أن ننبه عليه، هو أن لا تتخذ مجهودات محاربة هذه الأمراض مطية لمحاربة الدين، خاصة في خاصية الشمول، التي هي من أهم خصائص هذا الدين، ولذلك أقول انه على قوى التحرر والتجديد في الوطن العربي، أن تناضل من اجل أن تقود هي حركة التجديد والتحرير من أمراض الاستبداد والاستغلال والاحتكار، فإذا هي قامت بمثل هذا الدور وهذا الجهد، استفادت من خير هذا النضال حافظت على شخصيتها الفكرية والحضارية المتميزة عن شخصية الغربيين، أما إذا تركت هي هذا الأمر لغيرها، فسوف ترفع الشعارات، الديمقراطية ومحاربة الاستبداد، وشعارات حقوق الإنسان ومحاربة التعسف والاستغلال ولكن ضمن هذه الشعارات ستمرر سياسات بالغة الخطورة وبالغة الضرر أيضا، واعتقد أن هذه السياسات هي المقصودة بالدرجة الأولى، بدليل أن نسمع ثناء خاصا من الإدارة الأمريكية على الانفتاح الديمقراطي في العديد من الدول، علما بان تلك الدول بعيدة كل البعد عن الديمقراطية وأخشى ما أخشاه أن تكون هذه مجرد شعارات، وان المقصود محاربة دين هذه الأمة، واستغلال ثروات هذه الأمة.

س:هل توافقون الرأي من يقول أن التيار الجهادي، هو ثورة على الحركات الإسلامية السياسية، على خلفية أن التيار الإسلام السياسي لم يتمكن من استيعاب الساحة، وظهرت الحركة المتطرفة؟

ج:لا الحركة المتطرفة تمثل أقلية داخل التيار الإسلامي، وتمثل أقلية قليلة داخل عموم هذه الأمة المسلمة، ولكن الإعلام أعطاها من التركيز حجما اكبر بكثير من حجمها الحقيقي، وهذا أيضا لنوايا ومقاصد مريبة، لا يريدون أن يظهر الطرح المعتدل الوسطي، لأنهم على يقين بان الخطر الذي يتهدد مصالحهم غير المشروعة في أوطاننا والقوة التي يمكنها أن تقف في وجه مخططاتهم الغير مشروعة في أوطاننا، إنما هي القوة الإسلامية المعتدلة، ولذلك فمن طرق محاربة هذه القوة الإسلامية المعتدلة طريقة تضخيم التيارات المتطرفة وإظهارها كأنها هي القوة الكبرى المالئة للساحة.

س: هل أسامة بن لادن هو جزء من هذا السيناريو الذي تتحدثون عنه؟

ج:جزء أم ليس جزءا، فالسيناريو قد شرحته باختصار، طريقته في التغيير، طريقة متحفظ عليها، وهي مرفوضة من طرف أكثرية علماء الأمة وكبار دعاتها.