المعركة محصورة بين رئيس ووزير وفنانة ومعارض وصحفي وانقلابي
الانتخابات الرئاسية تنطلقبموريتانيا
سكينة اصنيب من نواكشوط: بدء في موريتانيا سباق محموم للفوز بثقة الناخبين في أول انتخابات رئاسية بعد انتهاء عهد الرئيس المخلوع معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، وتباينت برامج وأفكار المرشحين لاستمالة الناخبين فبينما أكد بعضهم عزمه على القضاء على الفقر والأمية والبطالة وتعزيز الاصلاحات التي بدأها المجلس العسكري وجد آخرون في العلاقات مع اسرائيل ورقة رابحة لاستمالة الناخبين متعهدين بقطعها في حالة الفوز بالانتخابات، واستغل أحد مرشحين التطبيع الموريتاني الاسرائيلي الذي وقعه وزير الخارجية الحالي أحمد ولد سيدي أحمد سنة 1999 لكسب ود المجلس العسكري وطمأنة الشركاء الأجانب عبر التأكيد على بقاء هذه العلاقات خدمة لمصالح الشعب الموريتاني. ويبدو أن ورقة العلاقات مع اسرائيل هي المسيطرة والمتفوقة على أوراق أخرى مر عليها المرشحون مرور الكرام، فلم تحظى الأوضاع المعيشية والفساد المستشري وسوء التسيير ومخلفات العبودية وتنامي القبلية والعشائرية بنصيب كبير من اهتمامات المرشحين، وهي مشاكل جعلت ثلاثة ملايين نسمة وهو تعداد السكان في موريتانيا يرزحون تحت وطأة الفقر والبطالة والأمية رغم أن خيرات بلادهم كثيرة ومتنوعة.
ولا يزال المجلس العسكري الذي قاد انقلابا على ولد الطايع في 3 أغسطس (آب) 2005 يؤكد أنه يقف على مسافة واحدة من جميع المرشحين، رغم أن الأحزاب تؤكد عكس ما يدعي وتعتبر أن الخريطة السياسية التي أفرزتها الانتخابات النيابية والبلدية أصدق مثال على زيف ادعاءاته حيث أضعفت الترشحات المستقلة التي اتهم المجلس العسكري بتشجيعها، الأحزاب وأفرغتها من زعاماتها التقليدية، فحصلت الأحزاب السياسية مجتمعة (معارضة وموالاة) على 54 مقعدا من مجموع مجلس النواب البالغ 95 مقعدا، بينما حصدت اللوائح المستقلة 41، وأكدت الانتخابات أن المستقلين باتوا يشكلون قوة كبيرة في البلاد، بينما لم يستطع ائتلاف المعارضة الذي يضم 8 أحزاب الحصول على الأغلبية البسيطة في البرلمان الجديد المحددة بـ48 مقعد وحصل فقط على 41 مقعدا.
وحسب المراقبين فإن دافع المجلس العسكري لتشجيع الترشح المستقل خشيته من عودة الحزب الجمهوري الحاكم سابقا والذي يتفوق على باقي الأحزاب بامتلاكه أموالا طائلة، أو من فوز زعيم معارض أعطى وعوده للناخبين بفتح ملفات خاصة بتسيير المال العام والفساد. ويخشى المرشحون أن يتكرر الأمر في الانتخابات الرئاسية فتدعم الحكومة الانتقالية أحد المرشحين المستقلين على حساب مرشحي الأحزاب السياسية والمعارضة منها على وجه الخصوص، والتي تعتبر هذه الانتخابات امتحانا حقيقيا لتاريخها ووزنها في الساحة السياسية بعد غياب ولد الطايع الذي ظلت لعقود من الزمن تتهمه بتزوير الانتخابات.
وسيتم اجراء انتخابات رئاسية في 11 مارس (آذار) القادم، وفقا لبرنامج المسلسل الانتقالي الذي أقره المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية (مجلس الضباط الذين قادوا الانقلاب في 3 أغسطس) بتشاور مع الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، بعد أن نظم استفتاء عام حول الدستور في 25 يونيو (حزيران) الماضي، وانتخابات بلدية وتشريعية في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بينما ستنظم انتخابات مجلس الشيوخ بتاريخ 21 يناير (كانون الثاني) الجاري.
ورغم أنه لم يعلن ترشحه بشكل رسمي في الانتخابات القادمة يعتبر أحمد ولد داداه رئيس حزب تكتل القوى الديمقراطية أقوى المرشحين يملك شعبية واسعة خصوصا في أوساط الشباب بعد معارضته الشديدة لنظام ولد الطايع والتي أدخلته السجن في مناسبات مختلفة، وسيستغل ولد داداه تاريخه الحافل بالانجازات لاستمالة الناخبين وهو أكثر ما يميزه عن غيره من المرشحين الذين لا يملك أغلبهم تاريخا سياسيا ولم يسبق لأغلبهم الوقوف في وجه النظام السابق.
وبعد مرور عشرة أيام على سن دستور جديد في موريتانيا والذي يحظر على الرئيس الترشح لأكثر من ولايتين، أعلن الوزير السابق سيدي ولد الشيخ عبد الله ترشحه للانتخابات الرئاسية القادمة التي ستجرى في مارس (آذار) القادم، وقال المرشح بان المصلحة العليا للبلد والحاجة الماسة إلى شخص يقود البلاد ويحافظ على الأجواء السياسية الحالية كلها أمور دفعته إلى المشاركة في الاستحقاقات القادمة. ورغم أن سجله خال من الانجازات السياسية فإن المراقبين يؤكدون أن ولد الشيخ عبد الله يحظى بدعم كبير من المجلس العسكري وأنه سيحقق مفاجأة كبيرة في الانتخابات القادمة.
مرشح آخر لا يقل قوة عن ولد داداه من حيث معارضته الشديدة لولد الطايع إنه زعيم حزب التحالف الشعبي التقدمي مسعود ولد بلخير الذي يمثل شريحة هامة في موريتانيا عانت الاضطهاد والظلم في عهود سابقة، وهي شريحة العبيد التي ينظر أفرادها الى ولد بلخير على أنه الزعيم والقائد والمخلص.
مفاجأة أخرى فجرها الرئيس الأسبق محمد خونا ولد هيداله بعد اعلانه الترشح للانتخابات الرئاسية، مطالبا الناخبين منحه ثقتهم لفترة رئاسية قال انه يريدها quot;غير قابلة للتجديدquot;، مؤكدا أن دافع ترشحه هو quot;التماشي مع التوجه الذي تم رسمه خلال الفترة الانتقالية والاستجابة لنداء الضمير والنزول عند رغبة عدد كبير من المواطنينquot;.
ورغم أن ولد هيداله رئيس سابق لموريتانيا وأحد رموزها السياسيين الكبار حيث أنه استطاع أن يسجل نسبة %20 في آخر انتخابات رئاسية عام 2003، إلا أن الظلم والقهر اللذين عاشتها موريتانيا إبان فترة حكمه من 1980 الى 1984 كفيل بابعاده عن المنافسة في هذه الانتخابات.
وجاء ترشح معارض آخر هو محمد ولد مولود رئيس حزب اتحاد قوى التقدم ليزيد من حدة المنافسة بين أقطاب المعارضة وائتلافها الذي فشل في اختيار مرشح موحد للانتخابات الرئاسية، وفي المقابل تزايد عدد المرشحين المستقلين ولعل أبرزهم الزين ولد زيدان محافظ البنك المركزي الموريتاني الذي أعرب عن تأييده الابقاء على العلاقات مع اسرائيل شريطة ان تكون في خدمة المصالح العربية عموما والقضية الفلسطينية على وجه الخصوص .
كما أعلن با أمدو آلاسن رئيس حزب العدالة والديموقراطية الموريتاني ترشحه للانتخابات الرئاسية، وبذلك يكون آلاسن أول مرشح من الأقلية الزنجية لمنصب رئيس الجمهورية في تاريخ البلاد التي استقلت عام 1960 عن فرنسا. وقال آلاسن أنه قرر الترشح لأنه يعتبر أن جميع المرشحين من الأغلبية العربية لا يقيمون وزنا لقضايا الأقلية الزنجية التي يعتبر أن استعادتها هي الطريق الوحيد للوحدة الوطنية، واضاف آلاسن إن إعادة اللاجئين الموريتانيين في السنغال، واستعادتهم لحقوقهم وممتلكاتهم تعتبر إحدى أهم أولوياته.
اضافة الى مرشحين آخرين أعلنوا عزمهم خوض الغمار الرئاسي كوزير الخارجية السابق دحان ولد أحمد محمود، والضابط الذي شارك في انقلابات سابقة محمد ولد شيخنا، والفنانة السابقة سيدة الأعمال عائشة بنت محمد، وصحفيان محمد أحمد ولد صاليحي، وإبراهيم ولد عبد الله رئيس حزب الاتحاد الاجتماعي الديموقراطي اسلمو ولد الحنفي.
ورغم أن عدد المرشحين للانتخابات بلغ 12 مرشحا فان المراقبين يتحدثون عن سبعة مرشحين سيخوضون غمار الانتخابات الرئاسية وعينهم على القصر الرمادي الذي يسكنه العقيد علي ولد محمد فال، بعد أن ينسحب باقي المرشحين الأقل حظا.
ويكاد المراقبون يجمعون على أن أي من هؤلاء المرشحين ليس محل إجماع ثلث الموريتانيين، وتزداد الصورة قتامة حين يؤكد آخرون أن حاكم موريتانيا الجديد يتم إعداده في الخفاء ولا يستبعد هؤلاء أن يكون من رجال الأعمال يدعمه في أحسن الأحوال من يحكمون نواكشوط اليوم حفاظا على ما حققوه من مكاسب وفي أسوءها تدعمه ثروة ولد الطايع المتناثرة في موريتانيا والمكدسة في مصارف أوربا، ثروة استغرق جمعها 21 سنة قضاها معاوية رئيسا لدولة لا يتعدى عدد سكانها 2.8 مليون نسمة تعاني الفقر والبطالة والأمية رغم ثروات السمك والحديد والذهب.
وهذا الدعم الأخير ليس وليد قناعة بضرورة quot;إقامة نظام ديمقراطي حقيقي، وترقية الحقوق والحريات الأساسية وتحسين تسيير الشؤون العامةquot; كما جاء في برنامج الأهداف التأسيسية لتغيير الثالث من أغسطس، وليس تكفيرا عن أخطاء وزلات الماضي بل هو تمهيد لعودة الماضي بعد خمس سنوات أو ربما أقل، حيث أن تعديل الدستور يتضمن مادة تقلص الفترة الرئاسية الى خمس سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة. ومن الوارد جدا أن نرى معاوية ولد الطايع رئيسا للبلاد بعد خمس سنوات.
كما أنه من الوارد أن تقفز موريتانيا مجدد الى مسرح الأحداث العالمية حين تقرر وحدة من جيشها قيادة انقلاب آخر طالما أن الديمقراطية عصية على التحقق وطالما استقوت القبلية والجهوية على النزاهة والكفاءة.















التعليقات