موسكو: سوف تبقى كلمة الرئيس الروسي في مؤتمر ميونخ الأخير المعني بقضايا سياسة الأمن عالقة في الذاكرة لفترة طويلة من الزمن. فليست مصادفة أن الكثيرين شبهوا خطاب فلاديمير بوتين بخطاب تشرشل الشهير في فولتون في آذار (مارس) 1946 الذي دشن، كما هو معروف، عهد quot;الحرب الباردةquot;. صحيح أن التشبيه بفولتون يبالغ في الأمر بجلاء ولكنه صحيح أيضا أن خطاب بوتين في ميونخ صعق السياسيين الغربيين.
شهدت مدينة ميونخ الألمانية خلال مئة سنة أكثر من اجتماع لقيادات دولية همّها أن توفر الحماية لشعوبها من خلال فرض عزلة على روسيا. ففي عام 1938 أبلغ رئيس الوزراء البريطاني الإخوة المواطنين إثر لقائه زعيم ألمانيا النازية وزعيم إيطاليا الفاشية في ميونخ أنه أتى لهم بـquot;السلامquot;. والمقصود بالسلام هو تضامن الدول الأوروبية الرئيسة في محاربة الشيوعية الروسية.. وبعد عام غزت القوات الألمانية بولندا، ثم سقطت باريس أمام القوات الألمانية بعد عامين.
ولم يفكر أحد - غالب الظن - من سياسيي انجلترا وفرنسا وألمانيا الذين حضروا مؤتمر السياسات الأمنية المنعقد في ميونخ في عام 2007 في مقاربة تاريخية من هذا القبيل، ولكن كان محل اهتمامهم البلدان نفسها التي ضحى بها الحريصون على السلام في عام 1938، إذ يراد لتشيكيا والمجر وبولندا اليوم أن تكون خطا أماميا لمجابهة صواريخ quot;تطلقها إيران وكوريا الشماليةquot; بغض النظر عن معارضة روسيا.
ففي كلمته اللبقة من حيث الشكل ولكنها قوية المدلول وضع بوتين حدا لفترة طويلة نسبيا من العلاقات بين روسيا التي قامت على أنقاض الاتحاد السوفياتي وهي تعيش حالة ضعف موقت وبين الغرب. وسرد بوتين بصورة مقتضبة تلك الوعود التي قطعها الغرب على نفسه خلال كل السنوات الماضية ولكنه لم يف بها. وأثبت بطلان الحجج التي يسوغ حلف الناتو بها اقتراب قواته من الحدود الروسية وأشار إلى عيوب العالم الأحادي القطب ذي quot;المركز القيادي في واشنطنquot; التي تفرض على المجتمع الدولي قوانينها الداخلية ورؤيتها إلى العالم المحيط مما يثير تذمرا مفهوما لدى الكثيرين. وهو أورد وقائع ملموسة ومقنعة، برأيي، ولا أرى ضرورة تكرارها لأن كلمة ميونخ موجودة على الإنترنت ووسائل الإعلام تناقلت المقتبسات منها على نطاق واسع.
وألمح الرئيس الروسي في كلمة له أمام المجتمعين في ميونخ عام 2007 إلى أن روسيا ليس لها غير أن توجه ردا مناسبا ولكن لن تكون كلفته كبيرة. وسرعان ما اتهموا بوتين بأنه يستنهض أجواء الحرب الباردة.. وبقي أن نذكر أن quot;ميونخ 1938quot; اضطرت الاتحاد السوفياتي إلى استقدام وفد ألماني في عام 1939 قبل أسبوعين من بدء الحرب العالمية الثانية لإجراء مباحثات.. وكانت المباحثات ناجحة.
لقد صرحت روسيا بحزم على لسان رئيسها بأنها ترفض الإذعان للضغط الغربي وتعقد النية على ممارسة سياستها الداخلية والخارجية الخاصة بها. أما التوسع غير المبرر باتجاه حدودها فهي سترد عليه ردا غير مماثل من حيث الكم ولكنه متناسب من حيث النوع. وكل التشدقات بأن الولايات المتحدة تتخذ هذه الخطوات من أجل حماية أوروبا من الدول المنبوذة ما هي سوى زور وكلام فارغ. يكفينا إلقاء النظرة إلى الخريطة الجغرافية. أين إيران وكوريا الشمالية وأين تشيكيا وبولندا؟ ولن تهدر روسيا جهودها وأموالها على بناء منظومة غالية وغير محكمة للدفاع الصاروخي ولكنها سوف تستعيد التوازن من خلال بناء قدرات ووسائل إضافية تستطيع الالتفاف على المظلة الغربية المضادة للصواريخ. وهذا ليس مجرد كلام. وبالتالي لن تربح أوروبا من المخططات الأميركية في أي حال من الأحوال.
ولكن ثمة مسوغات لتوجيه اللوم إلى موسكو أيضا. ومن الأحرى بنا أن ننظر إلى الوضع بقدر أكبر من الاهتمام لكي نفهمه.
فمن جهة، ليس في مقدور أحد أن يدحض الاتهامات الملموسة من جانب روسيا لأن كل الوعود التي قدمها إليها الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتحطيم سور برلين وحل حلف وارسو ضرب بها عرض الحائط. كما لا يقبل الجدل ذلك الواقع أن واشنطن بإدارتها الحالية تسعى إلى بسط هيمنتها على كل أرجاء العالم. ولكن من جهة أخرى، ما من سياسي عاقل في الغرب وبالأخص في أوروبا يسعى إلى إحياء ولو شبح الحرب الباردة لأن مصالح البزنس الروسية والغربية تشابكت وتداخلت بشكل أوثق من أن تقبل هذا التطور. فالغرب يحبذ ببساطة أن يرى روسيا quot;مغايرةquot;.















التعليقات