أسامة العيسة من القدس: في المنطقة المحيطة بجنوبي وغربي الحرم القدسي الشريف، التي تقدم للسياح والزائرين الأجانب، كجزء من هيكل سليمان، يحمل كل باب وكوة وقوس ودرج، تفسيرا ومغزى، وكل حجر في المكان مثقل بالرموز الدينية والروحية، تجعل الزائرين والحجاج خصوصا من البروتستانت، يعيشون حالات روحية غير مسبوقة، ولا يبخل الدليل السياحي بالقول لهم انه في عام 1970، عندما زار نيل أرمسترونغ، أول إنسان مشى على سطح القمر، المكان قالعندما علمت أن يسوع مشى هنا، شعرت بتأثر لدى الوقوف هنا اكثر من الوقوف على سطح القمر .

في هذه المنطقة التي استحوذت على عقول علماء الآثار في العالم، منذ اكثر من قرنين، لم يكف الاثاريون الإسرائيليون عن التنقيب فيها، منذ حزيران (يونيو) 1967، ولم يتوقف إعلانهم، بين كل فترة وأخرى عن مكتشفات عديدة، تعرض كثيرا منها في متاحف أقيمت في المكان، تعتمد اكثر الوسائل الإلكترونية تطورا في عوض محتوياتها.

وتحولت إلى مكان جذب روحي، ليس فقط لليهود، ولكن لاخرين، من الذين يوصفون بأنهم أصيبوا بما يطلق عليه مرض القدس ، والذي يجعل أغلبية المصابين به يتصرفون كالممسوسين، وهم يشبهون فئات من الدراويش الذين يوجدون في بعض المساجد العربية، ولكن لمرضى القدس تصرفات غريبة، تجعل حتى اليهود والشرطة الإسرائيلية تضيق بهم، وتعمل على طردهم، ليس فقط من القدس، ولكن الى خارج البلاد.
ومن بين هؤلاء من يعتقد انه المسيح المنتظر، أو انه يحمل رسالة منه أراد تبليغها للعالم، ويعمد كثيرون منهم على الإتيان بطقوس تعتبر شاذة، في فنادق القدس الرخيصة التي ينزلون فيها، مثل ذبح القطط، لاستخدامها في ممارسات معينة وغير مفهومة.

وفي هذه المنطقة، يقع الجدار الغربي للحرم القدسي الشريف، المسمى إسرائيليا حائط المبكى، والذي من اجل توسيع الساحة أمامه تم هدم حارة المغاربة ليلة العاشر من حزيران (يونيو) 1967، كي يتم تدشينها بعد ثلاثة أيام من بدء التدمر، الذي صادف عيد نزل التوراة، حيث زفت نسخة من التوراة إلى المكان، حملها حاخام الجيش الإسرائيلي آنذاك شلومو غورون.

وفي ساحة هذا الحائط، تظهر جميع التناقضات بين الطوائف والأطياف اليهودية المختلفة، وكذلك غير اليهودية، ففي شقوق هذا الحائط، الذي يتم فيه وضع أوراق كتبت عليها أمنيات، باعتبار ذلك اقرب طريقة لوصولها إلى الله، بكت نجمة الإثارة شارون ستون، عندما زارت المكان، في العام الماضي، ووضعت أمنياتها، مثلما فعل قبلها عشرات الشخصيات العالمية، من لاعب الكرة الأشهر مارادونا، إلى جورج تينت مدير المخابرات المركزية الأميركية السابق، الذي وفي زيارة سرية له لإسرائيل، توجه إلى الحائط معتمرا القلنسوة اليهودية، ليودع أمنياته، ولكن كاميرا أحد الصحافيين الإسرائيليين كانت له بالمرصاد.

أمام الحائط وعلى امتداد ساحته، توجد اماكن مخصصة للنساء، وأخرى للفئات اليهودية المختلفة، التي لا يمكن معرفة مدى تنوعها واختلافها، إلا إذا تم تتبع خلافاتها حول ما تطلب كل فئة منها مما تعتبره حقوقا لها في المكان.

وبالنسبة لكثيرين من اليهود وعلماء الآثار، فان الحائط الذي يعتبرونه أحد جدران الهيكل الباقي، ليس هو فقط المهم في المكان، فهناك أيضا مرافق أخرى مهمة، تحمل أسماء علماء آثار أجانب اكتشفوها، خلال اكثر من قرنين من البحث والتنقيب، ولكن أهمها على الإطلاق، بالنسبة لهؤلاء فهي ما يطلق عليه اسم بوابة باركلي، والتي يمكن رؤيتها، من القسم المخصص للنساء في ساحة الحائط، وتقع هذه البوابة اسفل باب المغاربة مباشرة، ويعتبرونها إحدى بوابات الهيكل المفترض.

في هذه المكان، ترتفع حرارة وسخونة التوتر، خصوصا أيام الجمع، فتنشر إسرائيل نحو 3 الاف من رجال الشرطة وحرس الحدود، ويقف العشرات منهم خلف باب المغاربة، استعدادا لاقتحام الحرم القدسي الشريف، ويصل إلى المكان قائد شرطة القدس ايلان فرانكو، ومفتش الشرطة موشى كرادي، لقيادة العمليات من مسرح الأحداث، وهو حارة المغاربة التي كانت، ويمنع على أي أحد الاقتراب، فيقف متدينون وصحافيون خارجا، يراقبون في حالة المتدينين، أو يحاولون اقتناص لقطات بالنسبة للصحافيين، الذي يعيشون في حالة ضغوط من وسائل إعلامهم، لإعداد تقارير عن ما يحدث، فيجدون انهم يكررون كل أسبوع، أنفسهم، ويقولون على الهواء أو يكتبون لصحفهم، ما كانوا قالوه أو كتبوه.

ويشعر كثير منهم بالضجر ويتوسع قاموس الشتائم الذي يحمله كل واحد منهم، دون أن يدروا، خصوصا وان معظمهم من غير المتخصصين في جغرافية المكان، أو بتاريخه الطويل والحساس، فيلعن اليوم الذي ارسلته الجهة المشغلة الى هنا.

وفي حين يفشل المتدينون اليهود، في الدخول إلى الساحة، أيام الجمع، حتى انتهاء صلاة الجمعة من الحرم القدسي الشريف، يرفض ذلك بعض من الممسوسين بالمكان، وقد ينجح أحدهم، في الدخول لكي يتحدث منه مع الإله يهوا أو المسيح، وربما يتم ذلك أمام مجموعة من الشرطة أرادوا أن يخففوا من قسوة الوضع بمشاهدة حركات أحد الممسوسين.

وفي أماكن مختلفة في القدس، ليس بعيدة كثيرا عن هذا المكان، تجري أمور أخرى، مثل الصلوات التي يقيمها الشبان في الشوارع، بعد منعهم من الوصول إلى الحرم، واشهر تلك الصلوات، الصلاة التي يؤمها الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلامية في إسرائيل، الممنوع من الوصول إلى الحرم، بقرار قضائي، يلزمه بالبقاء بعيدا عن أسوار البلدة القديمة على مسافة 150 مترا، ولمدة 60 يوما.
الشيخ صلاح الذي يبدي صلابة وجدية في وجه ما يجري في باب المغاربة، يعتصم في خيمة نصبت في
حي وادي الجوز، وتسترعي خطبته كل يوم جمعة في المكان الذي يصلي به، اهتمام وسائل الإعلام، والكثير من المريدين.

وبعد انتهاء الصلاة، تجري مواجهات متفرقة بين الشبان والجنود والشرطة، تنتهي بعد فترة، باعتقال عدد من الشبان، لينتهي يوم أخر من أيام القدس الحزينة، وعندها يحضن الجنرال كرادي مفتش الشرطة، زميله الجنرال فرانكو قائد شرطة القدس مبتهجين لان اليوم مر كما يصفانه بهدوء.

وفي اليوم التالي، تستمر إجازة، علماء وعمال الآثار، ويمتلئ المكان بمصلي يوم السبت من اليهود، وفي بداية الأسبوع، تعود الفؤوس لتواصل عملها، بينما يكون علماء الآثار، مثلما كان سابقيهم، على يقين بأنهم على بعد قريب من اكتشاف الهيكل، ولذا حرصوا على بث ما يقومون به عبر كاميرات على موقع الإنترنت التابع لسلطة الآثار الإسرائيلية، ليشاهد العالم ما سيكتشفونه، ودعا أهود اولمرت، رئيس الوزراء الإسرائيلي، وفدا تركيا لزيارة المكان والإشراف على ما يجري، فما يهم الإسرائيليين الان ليس بناء الجسر، الذي أثار الغضب، فاوقفوا البناء، بعد تدمير الجسر القديم، وهو ما أرادوه للبحث تحته عن الهيكل، ويفعلون ذلك بابتهاج، يريدون من العالم أن يشاركهم فيه.

وفي مكان آخر، شرق أسوار البلدة القديمة، يستمر الشيخ صلاح في تحذيراته، ويقول بان ما يجري خطير، ولكن صرخاته، لم تعد تلقى صدى، كما حدث قبل أسبوعين.