بين توالد الحركات ونسوية ما بعد الحداثة
تطور حقوق المرأة في الولايات المتحدة خلال قرنين

بيلوسي.. أرقى مركز سياسي لامرأة أميركية
واشنطن: مضى على تأسيس الدولة الأميركية أكثر من قرنين، ورغم تزعمها لدول العالم من حيث الريادة العلمية والإقتصادية والعسكرية، إلا أن وضعية المرأة الأميركيةلا تزال متواضعة مقارنة مع نظيرتها في بعض الدول الإسكندينافية بل وحتى بعض الدول الإفريقية. ففي الولايات المتحدة لا تشكل نسبة النساء داخل الكونغرس سوى 15% فيما تصل إلى نحو 49% في دولة مثل رواندا و45% في السويد. كما أن المرأة الأميركية لم تنجح حتى الآن في الدخول إلى البيت الأبيض كرئيسة للولايات المتحدة كما أنها تعاني من تمييز كبير في الأجور مقارنة مع زملائها الرجال الذين يقومون بالمهمات نفسها.

مسيرة حقوق المرأة الأميركية
لم تعتقد النساء الفقيرات اللواتي خرجن إلى شوارع مدينة نيوإنغلاند بولاية ماساتشوستس سنة 1820 احتجاجًا على قسوة ظروف عملهن بأنهن سيتحولن إلى شرارة أولى لانطلاق مسيرة المطالبة بالمساواة داخل الولايات المتحدة. فمصانع القماش الصغيرة التي كانت منتشرة عبر الولايات المتحدة لم تكن تتوانى عن تشغيل النساء لأكثر من اثنتي عشرة ساعة يوميًا مقابل أجر زهيد يقل عن ذاك الذي تمنحه للرجال بكثير. وكانت ظروف العمل المزرية والأجور الهزيلة تزيد من فقر النساء وتعمّق مأساتهن ممّا انعكس حتى على حالتهن الصحية و تسبب بنحالتهن الشديدة حتى أن بعض المراجع تسمي تلك المسيرة بثورة النحيلات!

ورغم الاستخفاف الذي واجهته النساء في تلك الفترة بسبب تمردهن ورغبتهن في العمل في ظروف أكثر رحمة إلا أن شرارة المطالبة بالمساواة كانت قد اندلعت ولم ينجح شيء في الوقوف في وجهها بعد ذلك. وجاء إضراب عاملات مصنع للقطن كان اسمه quot;لوريلquot; سنة 1834 كخطوة ثانية في مسيرة الاحتجاجات التي تبنتها النساء داخل الولايات المتحدة في سبيل تحقيق المساواة مع الرجال، وتصف الكثير من المراجع ذلك الإضراب بالتاريخي لأنه كان بداية فعلية لانبثاق أول جمعية نسائية في الولايات المتحدة وكان ذلك سنة 1844.

مسيرة الخبز والورود
تحولت الإضرابات إلى أداة فعالة في يد العاملات الأميركيات البسيطات وفي 1857 خرج آلاف النساء للاحتجاج في شوارع مدينة نيويورك على الظروف اللا إنسانية التي كن يجبرن على العمل تحتها، ورغم أن الشرطة تدخلت بطريقة وحشيّة لتفريق المتظاهرات إلا أن المسيرة نجحت في دفع المسؤولين السياسيين إلى طرح مشكلة المرأة العاملة على جداول الأعمال اليومية كما أنه تم تشكيل أول نقابة نسائية لعاملات النسيج في أميركا بعد سنتين على تلك المسيرة الإحتجاجية، غير أن تلك النقابة وخلافًا للحركة التي كانت سائدة في أوروبا فإنها لم تتبن المذهب الإشتراكي الذي كان منتشرًا حينذاك بين النقابات العمالية حول العالم بل تبنت تلك النقابة مواقف الحركة النسائية وجعلت من الدفاع عن حقوق المرأة أحد أهم أهدافها.

وفي الثامن من مارس من سنة 1908 عادت الآلاف من عاملات النسيج إلى التظاهر من جديد في شوارع مدينة نيويورك لكنهن حملن هذه المرة قطعًا من الخبز اليابس وباقات من الورود في خطوة رمزية لها دلالتها واخترن لحركتهن الإحتجاجية ذلك الشعار quot;خبز وورودquot;. طالبت المسيرة هذه المرة بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الإقتراع.

وفي بعد ذلك بسنة واحدة خاضت نحو 30 ألف عاملة نسيج إضرابًا عامًا عن العمل استمر لأكثر من ثلاثة عشر أسبوعًا للمطالبة برفع أجورهن وتحسين ظروف عملهن، وكان ذلك أكبر إضرابفي حجمه تشهده البلاد في تلك الفترة كما أنه نجح في تحقيق بعض من مطالب النساء العاملات رغم أن القاضي الذي نظر في القضية أكد أن النساء تجرّأن على قوانين الوجود لأن النصوص الدينية والقانونية حينها كانت تنص على أنه من حق الرجل فقط أن يكسب خبزه بعرق جبينه!

كما الحركة النسائية كانت حاضرة في تلك الفترة لدعم العاملات المضربات حيث قام إتحاد النقابات النسائية بتوفير الكفالات المالية لإطلاق سراح العاملات اللواتي تعرضن للاعتقال خلال الإضراب كما ساعد إنضمام نساء من الطبقة المتوسطة إلى حركة الإحتجاج في منح تمرد العاملات زخمًا أكبر.

قصة الثامن من آذار (مارس) وبداية الإحتفال بالمرأة
شكلت مُظاهرات الخبز والورود بداية تشكل حركة نسائية متحمسة داخل الولايات المتحدة خصوصًا بعد انضمام نساء من الطبقة المتوسطة إلى موجة المطالبة بالمساواة والإنصاف رفعن شعارات تطالب بالحقوق السياسية وعلى رأسها الحق في الانتخاب، وكان اسم تلك الحركة quot;سوفراجيستسquot; (suffragists) وتعود جذورها النضالية إلى فترات النضال ضد العبودية من أجل انتزاع حق الأميركيين السود في الحرية والانعتاق من العبودية.

وبدأ الإحتفال في الثامن من آذار(مارس) كيوم المرأة الأميركية تخليدًا لخروج مظاهرات نيويورك سنة 1909 وبعدها بسنيتين وقع حادث فظيع أكد على أهمية تكتل ونضال النساء العاملات. ففي الخامس والعشرين من آذار (مارس) من سنة 1911 إندلع حريق هائل في مصنع للنسيج في مدينة نيويورك راح ضحيته أكثر من 140 عاملاً وعاملة، وكان السبب عدم وجود وسائل للوقاية أو مخارج للطوارئ، وكان للحادث تأثير كبير على الأميركيين إذ ان عشرات الآلاف من المواطنين شاركوا في تشييع الضحايا مما أدى إلى تغيير قوانين العمل المجحفة بعد ذلك.

وقد ساهمت النساء الأميركيات في دفع الدول الأوروبية إلى تخصيص الثامن من آذار(مارس) كيوم للمرأة وذلك في مؤتمر كوبنهاغن بالدانمرك الذي استضاف مندوبات من سبع عشرة دولة وقد تبنى إقتراح الوفد الأميركي بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالمرأة على الصعيد العالمي بعد نجاح التجربة داخل الولايات المتحدة.

غير أن تخصيص يوم الثامن من آذار (مارس) كعيد عالمي للمرأة لم يتم إلا سنوات طويلة بعد ذلك لأن منظمة الأمم المتحدة لم توافق على تبني تلك المناسبة سوى سنة 1977 عندما أصدرت المنظمة الدولية قرارًا يدعو دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة يختارونه للاحتفال بالمرأة فقررت غالبية الدول اختيار الثامن من آذار (مارس).

وتحول بالتالي ذلك اليوم إلى رمز لنضال المرأة تخرج فيه النساء عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن وتذكير الضمير العالمي بالحَيْف الذي ما زالت تعاني منه ملايين النساء عبر العالم. كما أن الأمم المتحدة أصدرت قرارًا دوليًا في سنة 1993 ينص على اعتبار حقوق المرأة جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان وهو ما اعتبرته الكثير من المدافعات عن حقوق النساء حول العالم تنقيصًا من قيمة المرأة عبر تصنيفها خارج إطار الإنسانية.

توالد الحركات النسائية وبداية ظهور المسترجلات
عقب المكتسبات التي حققتها عاملات النسيج بمساعدة من باقي الأميركيات في بداية القرن العشرين شهدت مسيرة النضال لإقرار حقوق المرأة فترة من الخمول في نشاط الجمعيات النسائية التي بدأت موضة انتشارها منذ عشرينات القرن الماضي حتى وصل عددها إلى عشرات المئات.

كما أن التغيرات السياسية التي كان يشهدها العالم آنذاك خصوصًا ظروف الحرب العالمية الثانية وفترة تغير النظام العالمي بعد فترة من اندلاع الحرب الباردة أدت إلى إسكات الصوت النسائي داخل الولايات المتحدة ولم تسترجع تلك الحركات قوتها إلا عند نهاية فترة السبعينات. واتسمت في تلك الفترة بالتركيز على المساواة بين الرجل والمرأة في المجالين الاقتصادي والعلمي خصوصًا منح النساء أجور مماثلة لزملائهن من الرجال وفرص متساوية في الحصول على العمل، إضافة إلى منحهن الحق في تبوؤ المناصب العلمية وتسهيل مساطر مواصلتهن للدراسات العليا.

كما أن تلك الموجة بدأت التركيز على محاربة مظاهر استغلال المرأة في أماكن العمل مثل التحرش الجنسي والاغتصاب والتقليل من قيمة المرأة ككائن بشري فتم سن قوانين جديدة تمنع مثل تلك الممارسات وتعرض مرتكبيها لعقوبات قاسية. كما تميزت تلك الفترة بتطرف بعض الجمعيات النسائية التي بدأت تطالب المرأة بالتخلي عن أي مظاهر للأنوثة سواء في لباسها أو في حديثها وظهرت دعوات للتخلص من أحذية الكعب العالي التي تم رميها في القمامة خلال مظاهرات الاحتفال باليوم العالمي للمرأة إضافة إلى محاربة استعمال للماكياج أو العطور. بل وصلت بعض تلك الدعوات حد مطالبة النساء بقص شعرهن والتنكر لأنوثتهن حتى يثبتن للرجال بأنهن لا يختلفن عنه وبدأت تظهر دعوة quot;المسترجلاتquot; بشكل أساسي في المجلات والصحف التي أسسنها للترويج لنظرتهن الخاصة بالمساواة.

نسائية ما بعد الحداثة
في بداية الثمانينات من القرن الماضي حصل تحول جذري في وعي الحركة النسائية وأدبياتها داخل الولايات المتحدة. وبدأت عدد من الجمعيات وزعيماتها في مراجعة الأدبيات والشعارات التي كن يؤمن بها من قبل وظهرت موجة ما يسمى quot;نسائية ما بعد الحداثةquot; التي ترتكز فلسفتها على أن المرأة تختلف عن الرجل في بعض الخصائص البيولوجية والنفسية وأن في ذلك تمييزًا حقيقيًا وليس انتقاص من شأنها. كما تميزت تلك الفترة بنقد quot;المنجزاتquot; التي حققتها الهيمنة الذكورية على العالم، كما ظهرت دعوات لرفض انفراد الرجال بحكم العالم بسبب المآسي التي جرها ذلك الأمر على الإنسانية بشكل عام.

ولم تكتف المنظمات النسائية بالتنظير العلمي لأفكارها تلك بل بدأت تظهر دراسات علمية وأكاديمية تحاول الربط بين الهيمنة الذكورية على مناصب القرار في الغرب بشكل خاص واضطهاد الشعوب الضعيفة عبر تشريح فترات الاستعمار التي تعرضت لها تلك الدول. كما ظهرت دراسات نقدية لما سمي بالعقلية الذكورية التي خلصت إلى أن تلك العقلية تسببت في قهر شعوب العالم الثالث والطبيعة والمرأة! وبدأ في تلك المرحلة تغيير واضح في نوعية الأهداف التي تناضل من أجلها المنظمات النسائية داخل الولايات المتحدة حيث ظهرت دعوات لتحسين ظروف عيش الشعوب المقهورة ومنح جميع سكان العالم فرصة تحصيل العلم والتمتع بالديمقراطية.

وتحولت بالتالي تلك المنظمات إلى حاملة لواء حقوق الإنسان بشكلها العام والكوني. كما بدأت تلك المنظمات بالمطالبة بإنهاء الهيمنة الذكورية على مراكز القرار كوسيلة وحيدة لوقف نزيف الحروب التي تشعلها قرارات الرجال وتدفع ثمنها النساء كما بدأت تنظم صفوفها وتوحيد جهودها للتركيز على وصول المرأة لمراكز القرار في محاولة منها لوقف ما تسميه quot;العدوانية الذكوريةquot;. فهل تنجح امرأة في دخول البيت الأبيض في 2008 كرئيسة وليس كسيدة أولى؟