قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

واشنطن: تعدت مهام السفارة الإسرائيلية في الولايات المتحدة خلال الأسبوعين الماضيين من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة مجرد كونها مؤسسة تقليدية تضطلع بمهام التمثيل ورعاية المصالح إلى استغلال المجال العام الأميركي لتدعيم الهجمات الإسرائيلية التي تدخل أسبوعها الثالث، من خلال توضيح المواقف الرسمية لإسرائيل حيال قضايا منطقة الشرق الأوسط للرأي العام و المسئولين الأميركيين، والعمل على كسب تأييد المسئولين والرأي العام الأميركي للهجمات الإسرائيلية على القطاع.

الدبلوماسية الإسرائيلية : أداة للتصدي للضغوط الدولية

جاءت العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة نهاية ديسمبر 2008 لتضفي على عمل السفارة الإسرائيلية في واشنطن أهمية محورية بالنظر إلى ما أسفرت عنه من سقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين يتجاوز عددهم مئات القتلى وآلاف الجرحى نتيجة الكثافة السكانية الكبيرة بالقطاع و تلاصق المنشآت المدنية مع تلك الخاصة بحركة حماس، بما أدى إلى تصاعد الجهود الدولية والإقليمية على إسرائيل لوقف إطلاق النار والتي كان من أهمها محاولة استصدار قرار من مجلس الأمن يلزم إسرائيل بوقف إطلاق النار.

وإزاء تلك الضغوط أكدت وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني في 4 يناير 2008 أن quot;الدبلوماسية الإسرائيلية سوف تقوم بدور محوري في التصدي لمحاولات إجبار إسرائيل على إنهاء العملية العسكرية قبل تحقيق أهدافها الميدانية وخاصة القضاء على قدرة حركة حماس على إطلاق الصواريخ على جنوب إسرائيل، وإن ذلك النشاط الدبلوماسي المكثف يرمي إلى صدِّ وتأجيل الضغط من أجل التوصل إلى وقف لإطلاق النار و السماح للجيش الإسرائيلي بمواصلة العملية العسكرية لكي تحقق أهدافها.quot;

و من ثَمَّ بدأ سالاي ماريدور Sallai Meridor السفير الإسرائيلي في واشنطن نشاطًا دبلوماسيًّا مكثفا لتوضيح أبعاد الرؤية الإسرائيلية لأهمية استمرار العملية العسكرية في قطاع غزة إلى أن تحقق أهدافها لضمان استمرار دعم الولايات المتحدة للموقف الإسرائيلي في المنظمات الدولية وخاصةً مجلس الأمن. وبطبيعة الحال فإن الساحة السياسية الأميركية تعد بيئة مواتية لتلك الجهود لما يبديه الساسة والجمهور الأميركي من تفهم لاعتبارات الحفاظ على أمن إسرائيل.

أهداف النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي في واشنطن

اتجهت السفارة الإسرائيلية في واشنطن لتحقيق عدة أهداف تمثلت في تنبيه الرعايا الإسرائيليين في الولايات المتحدة لبدء العملية العسكرية في قطاع غزة وتوجيههم لاتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر لاحتمال تعرضهم لهجوم إرهابي واجتذاب دعم الرأي العام الأميركي للإجراءات العسكرية التي اتخذتها إسرائيل باعتبارها quot;إجراءات دفاعية quot; في مواجهة قصف المستوطنات والمدن الإسرائيلية بصواريخ الفصائل الفلسطينية فضلاً عن نفي استهداف المدنيين الفلسطينيين وإعلان الإجراءات التي اتخذتها إسرائيل لتخفيف معاناتهم الإنسانية، وفي هذا الإطار أشار نائب رئيس البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في الولايات المتحدة الوزير المفوض جيرمي إيساكروف Jeremy Issacharoff في بيان رسمي عن السفارة الإسرائيلية في واشنطن في 27 من ديسمبر 2008 أن quot;إسرائيل احترمت الهدنة العسكرية مع حركة حماس على الرغم من استمرار إطلاق الصواريخ من القطاع على المستوطنات الإسرائيلية واستهداف المدنيين في إسرائيل ومن ثم كان لزامًا على الحكومة الإسرائيلية أن تتخذ من الإجراءات ما يحفظ أمن المواطنين الإسرائيليين بصورة دائمة quot;.

ولقد قامت السفارة الإسرائيلية في واشنطن لتحقيق الأهداف سالفة الذكر بعدة أنشطة محورية تضمنت تقسيمًا للعمل بين وحداتها الرئيسة بحيث يتولى قسم العلاقات العامة بها برئاسة رفائيل هارباز Rafael Harpaz إرسال نشرة يومية عبر البريد الإلكتروني إلى الرعايا الإسرائيليين في الولايات المتحدة تتضمن تفصيلاً بتطورات الأوضاع الميدانية في غزة مع التأكيد على اتخاذهم للاحتياطات الأمنية اللازمة وخاصة أماكن تجمعهم مثل المعابد والشركات لاحتمال تعرضهم لهجمات إرهابية انتقامية مع إعلان رفع درجة الاستعداد القصوى لتلقي الاستفسارات من المواطنين الإسرائيليين على مدار الساعة.

التغطية الإعلامية لأحداث غزة تبدأ من تل أبيب

على المستوى الإعلامي بدأ المكتب الصحفي المُلحق بالسفارة الإسرائيلية برئاسة جوناثان بيليد Jonathan Peled بإصدار بيانات دورية عن تطورات العملية العسكرية في قطاع غزة بدايةً من يوم 28 من ديسمبر، والتي كان أهمها البيان الصادر في 3 من يناير 2009 الذي استبق بداية مرحلة الاجتياح البري من العملية العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة بالإشارة إلى أن وحدات جيش الدفاع الإسرائيلي بقيادة الجنرال يوعاف جالانات Yoav Galant قد تقوم بعملية برية محدودة للتصدي لإطلاق quot;الإرهابيينquot; للصواريخ على المدنيين الإسرائيليين في جنوب إسرائيل بما يمكن اعتباره بمثابة استجلاء لرد الفعل الرسمي والشعبي الأميركي من تصعيد العملية العسكرية في القطاع .

كما قام الموقع الرسمي للسفارة الإسرائيلية في واشنطن على شبكة المعلومات الدولية بإعادة نشر مقالات الرأي التي وردت في الصحف الأميركية لتؤيد الهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة والتي كان من أبرزها مقالة الصحفي الأميركي روبرت ليبر Robert J. Lieber في صحيفة واشنطن بوست Washington Post في 1 يناير 2009 والتي نوه فيها إلى أن الأوضاع الإنسانية المتردية في قطاع غزة لا تعد نتاجًا للعملية العسكرية الإسرائيلية وإنما لإصرار حركة حماس على استهداف المدنيين الإسرائيليين واستخدامها المدنيين الفلسطينيين كدروع بشرية.

وفي السياق ذاته قام ميشيل جرومان Michelle Gorman المسئول عن الشئون الأكاديمية والثقافية بالسفارة الإسرائيلية بالتنسيق مع المؤسسات الصحفية الأميركية لنشر مقالات بعض الخبراء العسكريين والصحفيين الإسرائيليين حول العملية العسكرية الإسرائيلية وأثمرت تلك الجهود عن إعادة نشر مقالة الخبير العسكري الإسرائيلي والنائب بالكنيست إفريم سنيه Ephraim Sneh التي وردت في صحيفة هآرتس في 28 ديسمبر 2008 بعنوان quot; لماذا تقصف إسرائيل قطاع غزةquot; في صحيفة الواشنطن بوست Washington Post بتاريخ الأول من يناير 2009 والتي أوضح فيها أن سيطرة حركة حماس على القطاع قد أدت إلى تحوله لمركز إقليمي لتدريب quot;الإرهابيينquot; وتصنيع الصواريخ والمتفجرات أو ما أطلق عليه سنيه quot; حمسستان quot;Hamasstan منوها لعلاقة حماس بإيران وما يمثله ذلك من تهديد لتوازن القوى الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط ذات الأهمية الاستراتيجية بالنسبة للولايات المتحدة.

وفي إطار الحملة الإعلامية ذاتها نشر موقع السفارة الإسرائيلية على شبكة الانترنت المقالات الصحفية الإسرائيلية التي توضح أهمية العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة لأمن إسرائيل والأمن الإقليمي مثل مقالة المحلل السياسي الإسرائيلي باري روبين Barry Rubin بصحيفة جيروزاليم بوست Jerusalem Post في 29 من ديسمبر 2009 بعنوان quot;استراتيجية حماس: الصواريخ أو الإعلامquot; التي تضمنت تكذيبًا لبيانات المسئولين السياسيين في حركة حماس حول الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة مشككًا في عدد القتلى المدنيين الذي تعلنه الحركة بصورة يومية للضغط على الرأي العام العالمي لإنهاء العملية العسكرية الإسرائيلية قبل أن يتم القضاء على قدراتها العسكرية بالكامل، بينما أكدت مقالات كلٍّ من عاموس أوز Amos Oz و إيلاي كارمون Ely Karmon و ألان ديرشويتز Alan Dershowitz على ما تمثله العملية العسكرية من أهمية بالنسبة لأمن إسرائيل معتبرين أن quot; القصف المنتظم لمدن جنوب إسرائيل بصورايخ الفصائل الفلسطينية هو جريمة حرب ضد الإنسانية تسبب معاناة مؤلمة لمواطني إسرائيل كان يجب ألا تستمرquot;.

المساعدات الإنسانية لغزة دعاية لتل أبيب في واشنطن

وبالتوازي مع تلك الجهود أصدرت السفارة الإسرائيلية في واشنطن بيانًا رسميًّا في 2 من يناير الحالي أكدت فيه قيام إسرائيل بتقديم مساعدات إنسانية لسكان قطاع غزة تقدر قيمتها بحوالي 5 ملايين دولار كما أنها سمحت بعبور شاحنات إلى القطاع محملةً بآلاف الأطنان من المساعدات الإنسانية عبر معبر كيريم شالوم Kerem Shalom بالتنسيق مع السلطة الوطنية الفلسطينية وتضمن البيان إحصاءات توضح كمية المساعدات التي سمحت إسرائيل بعبورها يوميًّا إلى قطاع غزة وعدد الجرحى اللذين تقوم بعلاجهم داخل المستشفيات الإسرائيلية وهو ما يتناوله الجدول التالي إجمالا.

قصف غزة لإنهاء المعاناة الإنسانية

وعلى صعيد تركيز الضوء على معاناة المدنيين الإسرائيليين من القصف الصاروخي المتواصل من جانب الفصائل الفلسطينية قامت السفارة الإسرائيلية بنشر إحصائية حول عدد الصواريخ التي أصابت المستوطنات الإسرائيلية جنوب قطاع غزة منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية لتأكيد مدى خطورتها على أمن إسرائيل وحتمية قيام جيش الدفاع الإسرائيلي بالتصدي لتصاعد القدرات.

وفي السياق ذاته أطلقت السفارة الإسرائيلية حملة إعلامية تحت مسمىquot; جلعاد واتشquot; Gilad Watch بالتوازي مع العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة تتضمن توضيح قصة المجند الإسرائيلي جلعاد شاليط البالغ من العمر 19 عامًا الذي اختطفته حركة حماس في 25من يونيو 2006، وأن حياته معرضة للخطر لأنه محتجز من جانب الفصائل الفلسطينية. واستهدفت هذه الحملة إلقاء الضوء على معاناة المواطنين الإسرائيليين وتضمنت شعارًا لاجتذاب دعم الرأي العام الأميركي مفادهُ quot; إذا أردتم مساعدة جلعاد ، فساعدوا وطنه quot;.

هل نجحت البعثة الدبلوماسية الإسرائيلية في مهمتها

يمكن القول :إن جهود السفارة الإسرائيلية بالتوازي مع المنظمات الداعمة لإسرائيل بالولايات المتحدة قد حققت نجاحًا ملحوظًا على المستوى الرسمي وهو ما يستدل عليه بتصدي وزيرة الخارجية الأميركية كوندليزا رايس لمحاولة المجموعة العربية بالأمم المتحدة استصدار قرار من مجلس الأمن يتضمن إدانة للهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة والتي بلغت ذروتها في 6من يناير 2009 ، ناهيك عن تأكيد رايس والرئيس الأميركي جورج بوش على تفهمهم لدواعي قيام إسرائيل بشن هجومها البري على قطاع غزة وإدانتهم لهجمات الصواريخ التي تشنها حماس على إسرائيل وتحميل الحركة مسؤولية انهيار وقف إطلاق النار.

كما لا يمكن الاستنتاج والقول بأن المظاهرة التي تم تنظيمها قبالة مبني السفارة الإسرائيلية في واشنطن في 3 من يناير 2009 للتنديد بالهجوم الإسرائيلي على قطاع غزة و التي شارك بها نحو 5 آلاف شخص من بينهم بعض عناصر منظمة quot;يهود ضد الاحتلالquot; الأميركية و حركة ناتورى كارتا الدينية اليهودية المعادية لقيام دولة إسرائيل، تعد بمثابة مؤشر على فشل الجهود سالفة الذكر في استمالة الرأي العام الأميركي لدعم إسرائيل نظرًا لمحدودية نطاق المسيرة الاحتجاجية مقارنة بالمظاهرات الحاشدة والمتواصلة التي شهدتها العواصم الأوروبية والعربية على السواء.

ومن ثم يمكن القول :إن النشاط الدبلوماسي الإسرائيلي في واشنطن والذي اتخذ طابعًا دعائيًّا يتشابه مع ما تقوم به جماعات الضغط الأميركية للترويج لأفكارها و اجتذاب الدعم الرسمي لمصالحها، قد وفر للعملية العسكرية غطاءً دبلوماسيًّا ملائمًا يتيح استمرارها دون اعتراض الولايات المتحدة لأطول فترة ممكنة إلى أن تحقق أهدافها الميدانية. فضلاً عن دفع الولايات المتحدة للتصدي للضغوط الدولية المتصاعدة على إسرائيل لوقف إطلاق النار في قطاع غزة .