قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

واشنطن: لا تزال الأوضاع العسكرية والأمنية في أفغانستان غير مستقرة علي الرغم من إعلان الرئيس باراك أوباما عن الاستراتيجية الأميركية تجاه أفغانستان في السابع والعشرين من مارس 2009، والتي تضمنت إرسال أكثر من اثنين وعشرين ألف جندي لتعزيز التواجد العسكري الأميركي في أفغانستان، واستهداف معاقل تنظيم القاعدة ومعاقله الآمنة على الشريط الحدودي بين أفغانستان وباكستان، ورفع عدد وكفاءات المؤسسات الدفاعية والأمنية الأفغانية لتصبح قادرة على تولي مهام الأمن والاستقرار، وإدارة المعارك ضد طالبان مستقبلاً.

وعلي الرغم من قيام إدارة أوباما بتغيير هيكل قيادة القوات الأميركية في أفغانستان، لاسيما بعد تعيين الجنرال ستانلي ماكريستال قائدًا لمنطقة العمليات الأميركية في أفغانستان، إلا أن ذلك لم يضمن للولايات المتحدة تحجيم تصاعد قوة حركة طالبان في أفغانستان مع استمرار الخلافات في إطار حلف الناتو حول زيادة عدد القوات التابعة للدول الأوروبية في أفغانستان، وتمكن أنصار الحركة من استعادة السيطرة علي مساحة واسعة من الإقليم الأفغاني، واقترابهم من محاصرة العاصمة كابول، وتقديم الملا عمر زعيم طالبان عرضًا لقوات حلف الناتو بالانسحاب الآمن من أفغانستان على غرار ما حدث مع القوات الاتحاد السوفيتي خلال ثمانينات القرن العشرين .

ومن ثم اتجه بعض المحللين الأميركيين لتقديم آرائهم حول كيفية تحقيق نتائج إيجابية علي الساحة الأفغانية منتقدين أوجه القصور في استراتيجية أوباما، لإغفالها التفاوض مع حركة طالبان واجتذاب بعض قيادات الحركة للتعاون مع الولايات المتحدة في مقابل تأمينهم ودمجهم في الجيش الأفغاني وهو الاقتراب الذي ركز عليه كل من فوتيني كريستيا أستاذ العلوم السياسية المساعد بجامعة ميتشجان ومايكل سيمبل الباحث المتخصص في الشئون الأفغانية في مقالهما بدورية الشؤون الخارجية الأميركية في عدد يوليو / أغسطس 2009 .

يؤكد الكاتبان أن تحقيق انتصار ملموس في أفغانستان يتطلب ابتداءً التعرف علي أسباب تصاعد تأييد حركة طالبان في أفغانستان ودعم المصالحة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان والسعي لدمج مقاتلي الحركة في الجيش الأفغاني بالنظر إلى حتمية توسيع دائرة حلفاء الولايات المتحدة واختراق حركة طالبان من الداخل لتقويض تماسكها وقدرتها على مهاجمة القوات التابعة لحلف الناتو.

التحالفات النفعية وغياب البعد الأيديولوجي

يعود تماسك قيادات حركة طالبان وقدرتهم على حسم الخلافات الداخلية إلى وجود تهديد مشترك يجعل التوحد في مواجهته حتميًّا بيد أن استعراض الخبرة التاريخية لتكون حركة طالبان والحرب الأهلية الأفغانية تكشف عن أن التحالف مع الطرف الأقوى تظل القاعدة الرئيسة لتوازنات القوى الأفغانية سواء في العلاقات بين القبائل المختلفة أو مع الأطراف الخارجية، كما أن تغيير الحلفاء والانقلاب عليهم لمبررات منفعية بحتة ليس غريبًا علي القيادات الأفغانية سواء التي تولت السلطة بعد الحرب الأمريكية أو قيادات حركة طالبان باعتبار ذلك وسيلة للحفاظ علي نفوذهم. والتاريخ الأفغاني لا يكاد يخلو من أمثلة على علاقات التحالف سالفة الذكر، ففي عام 1998 انقلب الجنرال رشيد دستم على حليفه أحمد شاه مسعود بعدما كان صديقه ومساعده الأول، كما قام الجنرال على مزاري بالانشقاق على زعيم قبيلة البشتون الأفغانية جلال الدين حكمتيار وكون جماعة فرعية مناوئة له.

وقبيل الحرب الأميركية على أفغانستان كانت التحالفات هشة ومتقلبة بين القيادات الأفغانية بما دفع الملا عمر في ديسمبر 2001 لإعلان رغبته في التفاوض مع الولايات المتحدة وتسليها معاقل الحركة وتحصيناتها وقام جلال الدين حقاني القيادي بالحركة بالتفاوض مع القوات الأفغانية الموالية للولايات المتحدة في مدينة خوست ولكن تعثر المفاوضات أجبر الملا عمر وحقاني على مناوئة الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية. وفي سبتمبر 2004 أعلن القيادي بحركة طالبان عبد الوحيد المصالحة مع الحكومة الأفغانية وأنه غير ملزم تجاه الملا عمر بأي تعهدات سابقة وأن الرئيس الأفغاني حميد كرزاي أضحى قائده الجديد وهو النهج الذي آثر اتباعه عدد من قيادات طالبان مثل نور على اشقازي مدير الخطوط الجوية الأفغانية إبان حكم حركة طالبان وعبد السلام روقيطي قائد قوات طالبان في مدينة جلال أباد وعضو البرلمان الأفغاني حاليًّا.

وعلى الرغم من ذلك لا تزال المصالحة الشاملة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان غير مطروحة كخيار أساسي للتعامل مع الأوضاع الأمنية المتردية في أفغانستان بالنظر إلى ما يقترن به من مخاوف متعددة من جانب الحكومة الأفغانية من انقلاب قيادات حركة طالبان عليها واستبعادها من السلطة والمخاوف الأمريكية من أن تكون المصالحة مجرد هدنة لاستعادة السيطرة على كافة أنحاء أفغانستان وإعادة تأسيس نظام الحكم على أساس ديني من جديد.

المصالحة الأفغانية البعد الغائب عن استراتيجية أوباما

لا تعتبر الولايات المتحدة ولا الحكومة الأفغانية المصالحة مع حركة طالبان أحد أولويات سياستها الأمنية، بل وتتبع نهجًا في قطع السبل إلى نجاحها من خلال اعتقال قيادات طالبان الساعية للتفاوض مع الحكومة الأفغانية. ففي فبراير 2002 قامت قوات التحالف باعتقال وكيل أحمد متوكل وزير الخارجية في حركة طالبان على الرغم من إعلان تطلعه للتفاوض مع الحكومة الأفغانية فتم اعتقاله بقاعدة باجرام الجوية الأمريكية لمدة 18 شهرًا وتكرر هذا الإجراء مع عبد الحق واثق نائب وزير المخابرات خلال حكم طالبان وصاحب روح الله وكيل زعيم الحركة السلفية في شرق أفغانستان وعضو مجلس القبائل الأفغاني اللويا جيرجا، بما يمكن اعتباره بمثابة رسالة لمقاتلي طالبان مفادها أن قبولهم المصالحة مع الحكومة الأفغانية يعني خضوعهم للاعتقال من جانب القوات الأمريكية .

وبطبيعة الحال فإن ذلك النهج قد أثر سلبًا على نشاط لجنة السلام المستقل والمصالحة الأفغانية التي بدأت عملها في عام 2005 برئاسة القيادي السابق بحركة طالبان صبغة الله مجددي، وإذا ما أخذنا في الاعتبار عدم وجود موارد مالية لدعم نشاط فإن النتيجة المتوقعة هي هامشية نشاطها، فالمقر الرئيس لنشاطها في قندهار معقل مقاتلي طالبان وميزانيتها الشهرية لا تتجاوز 600 دولار، ولذا لم تنجح سوى في إقناع عدد ضئيل من الجنود في حركة طالبان بالتخلي عن السلاح وقبول المصالحة أما القيادات العسكرية فلا قبل للجنة للوصول إليهم، كما لا تنجح هذه اللجنة في الغالب في حماية من يقبلون المصالحة من التعرض للاعتقال من جانب الحكومة الأفغانية أو اغتيالهم من جانب قيادات طالبان.

وفي السياق ذاته فإن فشل القوات التابعة لحلف الناتو في تدعيم الأمن والاستقرار في أفغانستان وضعف الحكومة الأفغانية يجعل التحالف مع حركة طالبان الخيار الوحيد للقبائل المحلية لتوفير الأمن والحماية لأبنائها بما أدى لتصاعد نفوذ حركة طالبان ومن ثم يرى الكاتبان أن المدخل الملائم لتحقيق المصالحة في أفغانستان يكمن في وضع خطة كاملة للتنمية وإعادة الأعمار في أفغانستان وتدعيم دور لجنة المصالحة مع التركيز على اجتذاب قيادات الحركة وتحقيق الأمن لاجتذاب تأييد المواطنين وزعماء القبائل الأفغانية واحتواء نفوذ حركة طالبان.

السلام في أفغانستان والانسحاب الأميركي

على الرغم من ذلك فإن المصالحة تحظى بدعم غالبية الشعب الأفغاني وفق ما كشفت عنه استطلاعات الرأي التي أجرتها هيئة الإذاعة البريطانية البي بي سي وشبكة إيه بي سي الإخبارية وفي المتوسط يؤيد حوالي 64 % من المواطنين الأفغان التوصل مصالحة شاملة بين الحكومة الأفغانية وحركة طالبان.

وفي هذا الصدد يمكن أن تبدأ تلك المصالحة بمحادثات بين الجانبين برعاية وسيط محايد مثل المفاوضات التي تمت في مكة برعاية المملكة العربية السعودية في نهاية عام 2008 وهذه المفاوضات تعد بمثابة إجراء تمهيدي لتقريب وجهات النظر بين الطرفين إلا أن التوصل لتسوية شاملة يعد احتمالاً غير قائم في المرحلة الراهنة بالنظر إلى انقسام قيادات حركة طالبان حول دعم المصالحة واعتبار المتشددين منهم التفاوض مجرد آلية لاكتساب مزيد من الوقت للارتقاء بقدراتهم العسكرية لمواجهة القوات الأجنبية.

يتمثل دور الولايات المتحدة في التعرف على قيادات طالبان الراغبين في المصالحة وتقييم مدى إمكانية إبعادهم نهائيًّا عن دعم الحركة ومن الممكن تقديم دعم مالي لبعض منهم مقابل تخليهم عن السلاح. فلقد نجحت الولايات المتحدة في إقناع حوالي 100 ألف مقاتل سني عراقي بقبول المصالحة مقابل رواتب شهرية تقدر بحوالي 300 دولار شهريًّا للفرد ومن الممكن إعادة تطبيق تلك السياسة في أفغانستان ومن المتوقع أن تجد صدى لدى القيادات في الحركة وأن تؤدي إلى تخلي 250 ألف مقاتل عن مناوئة الولايات المتحدة والحكومة الأفغانية مقابل 120 دولار في الشهر للفرد الواحد وهو متوسط دخل المقاتل العادي في حركة طالبان شهريًّا.

وفي السياق ذاته يمكن للولايات المتحدة التركيز على اجتذاب مقاتلي حركة طالبان لقبول المصالحة من خلال التعرف على العناصر والقيادات التي تدعم طالبان لتحقيق الربح والأمن والمكانة الاجتماعية من خلال برنامج للمصالحة الوطنية يوفر احتياجات هذه الفئة. فضلاً عن دفع القيادات القبلية لإقناعهم بعدم الاستمرار في صفوف حركة طالبان خاصةً وأن عددًا كبيرًا من مقاتلي الحركة من قبيلة البشتون الأفغانية.

ولا يمكن الفصل بأي حال بين المفاوضات بين الحكومة الأفغانية وقيادات طالبان ودور الأطراف الدولية في دعم عملية التفاوض لضمان قيام قيادات الحركة بقطع علاقاتهم بتنظيم القاعدة، وتأكيد أن انسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان لن يتم على المدى القريب أو المتوسط بالنظر إلى الأوضاع الأمنية المتردية وإن كان يمكن السماح لقيادات طالبان التي تقبل المصالحة بالمشاركة في العملية السياسية والجيش الأفغاني للإفادة من خبراتهم لتدعيم الاستقرار الأمني، ومن ثم فإن مطالب بعض قيادات طالبان مثل اجاجان معتصم وعناصر حركة حزب الإسلام حول وضع جدول زمني لانسحاب القوات الأجنبية من أفغانستان لا يمكن قبولها كأحد ملفات التفاوض حول المصالحة.

باكستان والاحتواء الإقليمي لطالبان

إن التطورات الأمنية والسياسية في باكستان لا تكاد تنفصل بأي حال عن نظيرتها في أفغانستان بما يؤثر على احتمالات نجاح التفاوض بين حركة طالبان والحكومة الأفغانية، فعلى الرغم من الخلافات بين مقاتلي البشتون والبنجاب الباكستانيين من جانب وحركة طالبان الأفغانية من جانب آخر، فإن العلاقات العسكرية وثيقة فيما بينهم وخلال الفترة بين عامي 1996 و2001 قام ما يتراوح بين 5000 و7000 مقاتل باكستاني بالانتقال لأفغانستان لتقديم الدعم العسكري لحركة طالبان

وفي المقابل تجد قيادات حركة طالبان في منطقة بلوشستان شمال غرب باكستان ملاذًا آمنًا في حماية القيادات القبلية وفي ظل عدم استقرار الأوضاع السياسية في باكستان منذ اغتيال رئيسة الوزراء الباكستانية السابقة بينظير بوتو في عام 2007 ونجاح المعارضة الباكستانية في دفع الجنرال برويز مشرف للتنحي عن الرئاسة فإن تصاعد قوة ونفوذ المقاتلين الباكستانيين يعد فرصة سانحة للقيادات الأفغانية في توجيههم لدعم مقاتليهم في أفغانستان ولذا يجب أن يستهدف برنامج المصالحة الأفغاني اجتذاب تأييد القيادات الباكستانية وأن تشملهم عملية التفاوض لتحديد مطالبهم في مقابل وقف دعمهم لحركة طالبان، وفي الوقت ذاته تقديم الدعم المادي والعسكري للحكومة الباكستانية لإحكام قبضتها على الأوضاع الأمنية في منطقة القبائل الباكستانية.

ومن الضروري أن تحظى باكستان باهتمام كبير في الاستراتيجية الأميركية الجديدة للتصالح مع طالبان، غير أن التعاون مع الولايات المتحدة هذه المرة يبدو مختلفًا بعض الشيء؛ حيث تقحم واشنطن نفسها بشكل أكبر في تفاصيل التعاون الباكستاني مقابل المساعدات الضخمة التي سوف تحصل عليها إسلام آباد وذلك بعد فشل إدارة الرئيس الأميركي السابق جورج بوش من تحقيق عوائد تذكر من المساعدات التي قدمتها لباكستان منذ بداية الحرب على الإرهاب وقدرت بحوالي 10 مليار دولار وتوجيه اتهامات لبعض عناصر المخابرات الباكستانية بتقديم المساعدة لحركة طالبان في أفغانستان.