لبنان بين أكثريات quot;حقيقيةquot; وأخرى quot;وهميةquot;
quot;أقلياتquot; صامتة لا رأي لها.. تخاف على وطن

عماد الدين رائف من بيروت: الطريق الطويلة المتعرجة التي تمر في الأحياء الأكثر فقراً في بيروت تزدحم بالصور واللافتات المؤيدة لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، كعربون امتنان للرجل الذي quot;سيكشف الحقيقة في عملية اغتيال الراحل الكبير الرئيس الشهيد رفيق الحريريquot;. الأحياء الممتدة إلى الجنوب من كورنيش المزرعة الذي يفصل شريحتين اجتماعيتين بيروتيتين عن بعضهما البعض، حتى أطراف الضاحية الجنوبية لبيروت تتزين شرفات منازلها بأعلام لبنانية خفاقة في هذا الوقت من الشتاء العاصف، تلبية لرغبة رئيس الأغلبية النيابية نجل الراحل الكبير، كلما امتدت الطريق أكثر باتجاه الضاحية كلما زادت الزحمة والأعلام واللافتات والفقر أيضاً. ما أن تصل الطريق إلى مبنى جامعة بيروت العربية الشاهق وتنتهي زحمة السير الخانقة في سوق عفيف الطيبي حتى تنعطف يساراً لتظهر الطريق الجديدة، تلك المنطقة البيروتية العريقة التي احتوت يوما ما طريقا جديدة. في الزواريب خلف الجامعة العربية وصولاً إلى صبرا، في أرض جلول، في شارع حمد ومتفرعاته، حيث ترتفع الأعلام اللبنانية والصور المؤيدة للحكومة.. هنا تسكن أكثريات أخرى غير تلك التي تظهر على شاشات التلفزة، شبيهة كل الشبه بتلك الأكثريات الصامتة الأخرى في quot;ضاحية بيروت الجنوبية المعاديةquot; تلك الضاحية التي لا ترتفع فيها الأعلام اللبنانية على شرفات المنازل إنما ترتفع صور الشهداء على دمار ما تبقى من ركام منازل صبت آلة التدمير الإسرائيلية حقدها عليها وعلى أهلها، فعندما يُصور للناس على الشاشات أن quot;الضاحية الجنوبية نزلت إلى الشوارع عن بكرة أبيهاquot; تكون هذه الشرائح quot;المهمشة أكثر من اللزوم مضبوبة في البيوتquot;، أكثريات لا تنزل إلى الشارع، لا تشارك في تظاهر أو اعتصام.. تبحث عن لقمة عيشها quot;المغمسة بالعرق والدم أحياناًquot; بعيدا عن السياسة والساسة، بعيداً عن شاشات التلفزة التي تصور الملايين هنا أو هناك، quot;بعيدا عن المحكمة الدولية والتكليف الشرعيquot;.

صورة عن قرب
quot;انقسمت البلد بين فريقين متناحرين ولا يجرؤ أحد الفريقين أن يتراجع عن مواقفه متراً واحداً.. فلماذا أهتم وأنا لست مدرجاً على سلم أولوياتهم جميعاً.. أنا أبحث عن لقمة العيش من الصباح الباكر وحتى غروب الشمس وراء المقودquot;. بهذه العبارة يلخص عبد الله وضع البلد، وهو شاب متزوج، أبٌ لطفلين، يعمل سائق أجرة منذ فقدانه لوظيفته في إحدى الشركات الخاصة. لا يجد زميلاه سامي وزكريا ما يضيفانه في برد الصباح تحت جسر الكولا في انتظار ركاب محتملين، فقد ضاق سامي ذرعا بوضع البلد وأخذ يعدد كمية الفواتير المتوجبة عليه مطلع كل شهر وفي المقابل ما يمكن ان يحصله من عمله quot;لساعات طويلة على التاكسيquot;، فيما التزم زكريا الصمت ضاماً كوب النسكافيه الصباحي بكفيه محاولا التماس دفء السائل اللذيذ. بالقرب من السائقين تحاول سعاد للمرة الثالثة حشر نفسها في حافلة مكتظة بعمال عابسين، تبوء محاولتها بالفشل فترتد إلى الرصيف حيث كشك الصحف، تبتعد عن الزحام مستندة إلى السياج الأخضر، مصلحة غطاء رأسها، تقول: quot;كنت أستطيع أن أتوجه إلى عملي بواسطة سيارة أجرة، لكن التعرفة ارتفعت من ألف ليرة إلى ألف وخمسماية، ولا يرضى سائق أن يقلني بأقل من ثلاثة آلاف.. أنا لا أقدر أن أحصّل هذا المبلغ من العمل لأدفعه بشكل يومي، لكنني أعرف أن السائق كذلك لا يستفيد من المال الإضافي فكل شيء أصبح غالياًquot;.
تعبت يارا، 25 عاماً، من الأحاديث السياسية الصاخبة التي تدور من حولها في مشغل الخياطة الصغير حيث تعمل، فبعد أن وجهت إنذارات متوسلة زملائها عدم التحدث في السياسة، تابع الزملاء تناحرهم فوق رأسها، فما كان منها إلا أن توجهت إلى رب العمل منذرة إياه بترك العمل إن لم يعمل على إسكات الزملاء، فكان لها ما طلبت، تجلس صامتة إلى ماكينة الخياطة التي تكدح وراءها لمدة 11 ساعة يوميا، تقول: quot;بالكاد نستطيع ان نأكل، الكل هنا يعانون نفس المشاكل، ينامون من دون كهرباء لأن التيار الكهربائي لم يعد يظهر إلا في المناسبات، ينامون على جوعهم وتعبهم، ثم يقاتلون بعضهم بعضاً في أحاديث لا تنتهي، أعتقد أننا نفقد صحتنا وأعصابنا من أجل لا شيءquot;. كذلك طارق، زميل يارا المكوجي، يسخر من نفسه قائلاً: quot;فاتورة لمولد الكهرباء، فاتورة أخرى للشركة التي لا تمدنا بالكهربا، أما عن الماء فندفع سنويا للدولة لكننا نشتري مياه الخدمة في عز الشتاءquot;. ثم ينطلق في هجومه على المسؤولين عن الوضع المعيشي المزري الذي يعيشه منذ توقف الحرب الأهلية اللبنانية في 1991، فلا يستثني أحداً، يضيف: quot;الوجع واحد لدى الجميع، ربما يسلون أنفسهم بترداد نشرات الأخبار المسائية خلال نهار العمل الطويل.. لكن الوجع واحد ولا أحد من المسؤولين يريد لبنان، نحن نخاف على لبنان، أما هم فلديهم مال وجنسيات أخرى وكأنهم يحكموننا في اوقات فراغهمquot;.
لا يصدق إيلي انقسام الاتحاد العمالي العام، فالعمال هم العمال سواء أكان لديهم اتحاد ام لا، يقول: quot;حرام على السياسيين التدخل في لقمة عيشنا المغمسة بالدم، حرام عليهم يريدون الخير لهذا البلد فليرحلوا عن هذا البلد جميعا بدون استثناء، لا يوجد شريف بينهم كلهم تاجروا بدمنا وأمننا ورغيفنا، ونحن ما زلنا نصدقهمquot;، يعمل إيلي، 34 عاماً، بائعاً في محل ساندويشات في النهار ومعاوناً لسائق ماكروباص مساء، ولا يمكنه كما يقول، أن يؤمن الحد الأدنى من الحياة الكريمة لعائلته. يشاركه سامر رأيه، يقول: quot;لم تعد توجد قيمة للنقابات العمالية ما دامت منقسمة سياسياً، لم يعد لدى أصحاب النقابات وقت ليطالبوا بحقوق المزارعين والعمال بل بمناصب مستقبلية وغايات شخصيةquot;. يعمل سامر في مؤسسة خاصة منذ ست سنوات لكنه لغاية اليوم لم يحصل على ضمان صحي اجتماعي من المؤسسة، ولا يجرؤ أن يطالب بحقه هذا من رب العمل الذي، كما يضيف، quot;سيطردني إن طالبته بأي شيء فهو طرد ستة موظفين العام الماضي، الأفضل لي أن أبقى صامتا لكي أستطيع أن أحافظ على عمليquot;.

وجع الناس
لم تعمل أي من المؤسسات الرسمية اللبنانية بشكل سليم منذ بدء الأزمة الأخيرة بين الموالاة والمعارضة، تبدو البلد quot;مجمدة في الثلاجةquot; تماماً ولا ينقصها إلا بعض الإشاعات المغرضة التي تظهر بين الحين والآخر مثيرة هلع المواطنين الباحثين عن رزقهم. حتى الجلسة الصباحية على شرفة أم وسام تغيرت، فالحديث مع جيران الصباح حول ركوة القهوة صار معقداً صعباً وكأن كل واحد منهم ينتظر كلمة من الآخر كي يشن عليه هجوما مسعوراً لا هوادة فيه، فأخذت أعداد الجيران الذين يقضون صبحيتهم على الشرفة تقل حتى رسا العدد على ثلاثة، رجل وامرأتين لا يتحدثون في السياسة، إنما يتحدثون عن وجعهم، كما يقول فادي، المتعب أبداً. quot;ازدادت أسعار الخضار والمواد الأساسية بشكل كبير في الشهرين الماضيين، لم يكفِ المعاش إلى نصف الشهرquot;، تتحسر الجارة المكتنزة على حظها العاثر من زواجها ببائع فول؛ لكن أم وسام تعيد الحديث إلى دفتها، تشرح: quot;لقد بلغ الفرق بين الشهر الماضي وبين الذي قبله في مصروف البيت ماية وأربعين ألف ليرة (حوالي 90 دولاراً)، ولا يمكن ان نستمر هكذا، كاننا نعيش في غابة...quot;. ثم تكيل الشتائم للشعب الذي بهكذا وضع، ولا تستثني الحاضرين المرتشفين لقهوتها المنكهة بالهال. فيبتسمون وقد اعتادوا سماع الشتائم ذاتها.
***
quot;وفيكي فوق البشر ديابه.. وفيكي بين البشر وحوشquot;.. تسخر هناء من التركيبة في لبنان مقتبسة كلمات قصيدة أحمد فؤاد نجم، وهي لا تدري إلى أين ستتوجه، فهي لم تتوجه إلى الجامعة اليوم مريحة أعصابها، كما تقول، quot;من يوم عصيب آخر ستقضيه وهي تستمع إلى وجهات نظر المحاضرين السياسية، مع العلم أن اختصاصي، أدب انكليزي، يجب أن يكون عن الأدب الإنكليزي، لكنهم يقضون النهار في النقاش، وسرعان ما تنتقل العدوى إلى الطلاب... لقد قرفت من ذلكquot;.
فيما يجول السياسيون اللبنانيين عربياً ودولياً بين داع إلى مؤتمر لإنقاذ الاقتصاد اللبناني المنهار ذارفاً الدموع على البلد وأهله، وبين زاعم أن هذا المؤتمر ما هو إلا شكل من أشكال التوظيف السياسي للازمة المعيشية الخانقة التي يعيشها الناس، ينام كثيرون صامتون على جوعهم في الأزقة المسماة على هذا الفريق أو ذاك، غير مبالين بالسياسة وأهلها، يدعون الله أن تتحسن حالهم... وأن يزيح عن انفاسهم ثقل الساسة المتشدقين بحقوقهم.

التحقيق منشور في ايلاف دجتال يوم الجمعة 19 كانون الثاني 2007