قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

سليمان بوصوفه من لندن: التعامل مع لغة الحسابات والأرقام أمر في غاية الصعوبة رغم الثراء الفاحش الذي تنعم به غالبية موظفي البنوك والشركات المالية العملاقة فمنظر البذخ والحياة الفارهة قد يغرّ المتعطشين إلى المال لكن الوضع النفسي الذي يعيشه هؤلاء وأخص بالذكر، الأثرياء الشباب قد يدعو إلى إعادة النظر في مفهوم الثراء وكيفية وضع توازن في العلاقة بين جمع المال والاستمتاع بالحياة الاجتماعية والروحية لأي شخص لأنها هي القاعدة أما الحياة المادية فهي الاستثناء والملحق، فماذا سيقع إذا حدث العكس؟.

القفز من العمارات العالية، أفضل طريقة للانتحار

القصة بدأت يوم الثلاثاء الماضي، لم يكن يدري وكيل العقارات الذي كان يقود زبونه Vincent ma في جولة داخل الشقق الفاخرة الواقعة في أعلى بنايات لندن في منطقة canary wharf المعروفة بحي المال والأعمال في لندن، أن زبونه سيضع حدا لحياته التعيسة وأن كل ما كان يدور في خلد (فنسنت) هو الطريقة المثلى للانتحار، وليس الحصول على شقة بمستوى المال الوفير الذي يكسبه.

(فنسنت) طلب من الوكيل أن يريَه الشرفة ولما خرج الاثنان ليطلا على الحي المالي قفز (فنست) من شرفة الشقة في الطابق العاشر مودعا هذه الحياة! وكيل العقارات بقي مصدوما وهو يطل من برج discovery dock وهي أعلى وأفخم عمارة في منطقة كناري وورف حيث يصل ثمن الشقة الواحدة فيها إلى ثمانمئة وخمسين ألف جنيه استرليني وهو رقم يقارب المليوني دولار.

فنسنت الذي لا يتعدى عمره الثالثة والثلاثين كان مديرا لإحدى الوكالات ويتقاضى سنويا مبلغ مئة وخمسين ألف جنيه استرليني (أكثر من ثلاثمئة ألف دولار) -إضافة إلى المنح والعلاوات- فضّل مفارفة الحياة وتوديع هموم ومشاغل الحياة تاركا في جيب بذلته رسالة أخيرة إلى والديه، أبوه قال للشرطة التي فتحت تحقيقا في الحادثة إن ابنه كان طالبا عاديا في الجامعة يتمتع بحياة طبيعية مع عائلته وأصدقائه لكن ما إن بدأ العمل في الحي المالي عام 2003 حتى تغير سلوكه وأصبح لا يرد على المكالمات الهاتفية، ورفض مقابلة أقربائه وأصدقائه، ووصف الأب عملية الانتحار بأنها نتيجة هوس ولده بالمال.

هذه ليست القصة الوحيدة عن حالات اليأس التي يعيشها الشباب في ما يسمى بمنطقة ( الميل المربع) أي حي المال والأعمال حيث يصل معدل ساعات العمل إلى خمس عشرة ساعة في اليوم الواحد تحت ضغوط كبيرة وأمام تحمّل عواقب أي خطأ في الحسابات المالية الذي يكلف صاحبه الخصم من الراتب الشهري.

Darren liddle متعامل مالي في كناري وورف وضع حدا لحياته في شهر أيلول سبتمبر الماضي بالطريقة نفسها التي استعملها فنسنت. (دارن) اختار فندق هيلتون (بارك لاين) ليقفز من إحدى نوافذ غرفته.

الطبيب النفساني الدكتور Neil Brener والذي يعمل في مستشفى قريب من حي المال والأعمال قال إن جدول أعماله صار معبأ نتيجة كثرة زبائنه من الأثرياء الجدد الذين يعانون أزمات نفسية حادة تبدأ بالأرق والتعب و الإرهاق وتنتهي بالكآبة والتفكير في الانتحار.

ترى غالبية المحللين النفسيين أن هذه الحالات ترتفع في فترة نهاية العام وبداية العام الجديد، حيث يتسلم المتعاملون الماليون وموظفو الشركات العملاقة من المدراء والمحاسبين، المنح السنوية (bonus) فتبدأ عليهم الضغوطات عندما يبدأون التفكير في عملية صرف تلك الأموال الضخمة أو استثمارها في مشاريع كبيرة خصوصا وأن بعض المنح تصل إلى مليون جنيه استرليني. كما أثّر تراجع سوق العقارات في بريطانيا وقضية إفلاس بنك northern rock بشكل كبير على معنويات المتعاملين الاقتصاديين التي اهتزت.

التقاعد المبكّر..إحدى طرق التخلص من الكآبة

وليد شاب فلسطيني يقيم أهله في الكويت لا يتعدى عمره السادسة والثلاثين عمل في منطقة كناري وورف مدة عشر سنوات في أحد البنوك العملاقة كمحاسب ومستشار مالي اضطر إلى التقاعد مبكرا لأنه أحس بأنه فقد عائلته وأصدقاءه وصار ينام ويستيقظ على الحبوب المهدئة، وليد احتفل وهو في سن الثلاثين بوصول رصيده في البنك إلى مليون جنيه استرليني، ومنذ ذلك الحين والملايين تتهاطل عليه فاستثمر في مجال العقارات وأصبح يعمل أحيانا 18 ساعة في اليوم، لكنه وبعد سنوات أدرك بأن حياته قد تحولت إلى مجرد أرقام وحسابات في حين فَقَد الصحبة والساعات الحلوة مع الأحباب الخالية من تعقيدات ومشاكل المال.

وليد اشترى فيلا فخمة ويختا فاخرا على ضفاف المتوسط في مدينة نيس جنوب فرنسا وبدأ يبحث عن شريكة حياته ويعيد اتصالاته مع أصدقائه مكتفيا باستثمار أمواله في مشاريع جديدة بعيدا عن فرنسا وبريطانيا حيث يتنقل.

وفرةٌ في المال ونغص في العيش.

عمر (م) شاب آخر تحولت حياته إلى جحيم منذ أن تخرّج محاسبا وأصبح يترقى في المناصب في الشركات المالية الكبرى في كناري وورف، يقول عن تجربته:

عندما كنت طالبا كنت أستأجر غرفا في أفقر الأحياء في لندن لكن بعد تخرجي وانضمامي إلى الحي المالي تدفقت عليّ الأموال بسرعة مذهلة فاشتريت شقة فاخرة في منطقة little venice غرب لندن تعدى ثمنها حاليا المليون جنيه وكلما كسبت أموالا أكثر اشتريت المزيد من العقارات.

لكن ماذا بعد العقارات؟ سؤال مشترك بين زملائي! هنا يبدأ البحث عن المتعة، اقتناء السيارات الفاخرة وعطلٌ في جزر المالديف والسيشال، كثرة العشيقات والصرف عليهن، إحياء حفلات صاخبة والشرب بشكل هستيري، التسوّق وبطريقة جنونية، لما لا اقتناء كلب أو قط للإحساس بوجود حركة في البيت أو من يستقبلك بحرارة دون مصلحة ولا تكلّف ! لكن في النهاية نجد أنفسنا منهكين، خالين من المشاعر حتى أن عددا كبيرا من الأثرياء الجدد من الشباب يصرفون أموالهم على موائد القمار، وعلى بنات التّعري في النوادي،،،صحيح أن العُرف الدارج بيننا هو تخصيص 10% من راتبنا سنويا للأعمال الخيرية، لكننا نستيقظ كل صباح وحيدين نفتقد معنى الأحاسيس والمشاعر.

التعامل مع الحسابات والسكتة القلبية

التعامل مع الحسابات المالية قد يصيب الإنسان بأمراض عديدة نظرا للهمّ الذي يحمله والخوف من الوقوع في أي خطأ حسابي قد يكلفه مئات الآلاف من الجنيهات من راتبه الخاص، ولا أزال شخصيا مصدوما من وفاة (جولي) جراء سكتة قلبية في الأسبوع الأخير من العام الماضي، (جولي) كانت تمسك بجميع الحسابات المالية للشركة التي أتعامل معها وهي من أصل كراييبي، ولكم أن تتصوروا الروح المرحة التي يتمتع بها هؤلاء الناس وروح النكتة والدعابة والابتسامة التي لا تفارقهم. (جولي) كانت محبوبة من كل زملائها ولم يخطر ببال أحد أن هذه المرأة التي لا تتعدى الأربعين والتي توزع النكت والابتسامات أنها تعيش همّ الحسابات وعواقبها وتفارقهم دون رجعة.

والمثل الإنكليزي يقول: المال لا يشتري السعادة.