قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مشاكل عديدة وحلول اقل وظروف متفاوتة

عبد الجبار العتابي من بغداد: وانا.. احاول ان ادخل من الباب الرئيس لاحد المستشفيات في بغداد، اثارت انتباهي مشادة بين شرطي مكلف بواجب التفتيش وبين مواطن، سمعت الصياح وانتبهت اليه، فقد كان بسبب علبة سكائر كانت بحوزة المواطن الذي اراد دخول المستشفى لزيارة مريض يخصه، فقد انتزعها الشرطي انتزاعا وهو يقول ان التدخين ممنوع داخل المستشفى، وعلى من يحمل علبة سكائر ان يتركها في الباب لحين خروجه !!، فيما كان المواطن يستشيط غضبا ويعترض بشدة، لا اخفي ان المشهد استفزني، لا سيما ان الشرطي كان هادئا ولم يرد على هجوم المواطن، بالاضافة الى ذلك.. هو فعل جديد تمارسه المستشفيات من اجل راحة المرضى الذين يؤذيهم بالطبع التدخين، ولا مجال للمريض كي يعترض مجاملة للزائر.

هذا الموقف اثارني حقا وهو امر جديد في المستشفيات العراقية التي وجدت ان استطلع احوالها واتعرف إليها عن قرب، لذلك كنت ادور بينها دون ان اعلن عن هويتي، ارمي شباكي في لجة المكان، وما كنت احصل منها الا على نتف من هنا او هناك لا ترضي فضولي الصحافي، ولكنها تجعلني اضع نقاطا وافكارا، وحين احاول ان اكشف عن هويتي فالصمت المطبق هو الذي يسيطر على المكان، وفي اغلب المستشفيات كانت الكاميرا من الممنوعات، وكنت اسمع كلمات (لا تصور وممنوع التصوير) بشكل مباشر وواضح، او ان علي ان اتركها في الاستعلامات، بل انني تسللت في احد المستشفيات الى غرفة الصيدلية وحاولت ان احصل من الصيدلانية الشابة على معلومات عن الادوية، المتوفر منها وغير المتوفر، ولكنها حين سمعت انني صحافي حتى اختفت ابتسامتها ومن ثم اعتذرت وقالت انها متدربة ولا تعرف شيئا، وكذلك غيرها من العاملين في المستشفيات كانوا يعتذرون عن الادلاء بأي حديث، لذلك كنت ادخل واخرج بدون اي فائدة، والحجة في الاغلب هو انني لا احمل تصريحا من وزارة الصحة، وان لديهم تعليمات لا تجيز لهم التحدث دون موافقة، وحتى حين حصلت على التصريح فلم اسمع الا ايجابيات ولم يذكر احد لي سلبيات اللهم ما عدا الشكوى من عدم وجود تكييف في بعض المستشفيات لا سيما ان الصيف ما زال ملتهبا بحرارته، فهنا المريض والعامل في المستشفى سيان في الشكوى من عدم وجود تبريد على الرغم من ان هواء باردا نفحني في بعض الاماكن الادارية، كما ان هناك تفاوتا في مستوى الخدمات المقدمة حسب اماكن المستشفيات، فوسط بغداد افضل من اطرافها طبعا، والمناطق ذات الكثافة السكانية اقل رعاية ومستوى من سواها في المناطق ذات القلة السكانية، كما ان هناك مستشفيات تمثل نوعا من التميز للان تقع في مركز العاصمة.

لكنني توغلت ابحث في الارجاء على الرغم من شعوري بصعوبة المهمة، فكنت اتمنى ان اجد عفوية في الحديث ولم اعرف سر الخوف من الحديث، لكن احدهم قال لي :( ليس هنالك من يضحي بوظيفته بسبب تصريح لا يعجب المسؤولين !!!)، او ان الظروف الامنية تمنع اي طبيب من تصويره او التصريح بأي حديث وقد وجدت الاغلبية يتخوفون من الظهور في الفضائيات وان كان الامر للنصائح والتعليمات الطبية والصحية، فالجميع اتفق على خطورة مهنة الطبيب، وقد تعرض العديد منهم الى القتل والاختطاف، وكانت رحلتي هذه مليئة بالاعتذارات عن ذكر الاسماء والتقاط صور شخصية.

العدد الكبير للزائرين للمستشفيات، اي الذين يزورون مرضاهم، في اي وقت يشاؤون على مدار الاسبوع وليس في الاوقات المحددة لثلاثة ايام، وفي ساعات محددة ايضا، وكنت استغرب من هذه الاعداد التي تربك عمل العاملين وتخلق نوعا من الفوضى، ترى ناسا تصعد وناسا تنزل، ناسا تدخل وناسا تخرج، والطرقات والممرات في المستشفيات مكتظة وكل ذلك بلا نظام طبعا، والمستشفيات التي فيها مصاعد كهربائية فهي تتحمل ضغطا لا نظير له، وترى تجمعات غريبة تتدافع نحو المصعد، كنت اعتقد ان كل هؤلاء مرضى ولكن لا بل انهم مراجعون وعليك ان تتصور لو ان كل مريض جاءه زائران فكيف يكون الحال ؟، هذا بالاضافة الى عدم الاستغناء عن عادة حمل الطعام الى داخل المستشفى رغم التحذيرات ولكن، من يجرؤ على المنع، سواء منع الزائر من الدخول او منع الطعام، فالامر ينتهي بمعركة وصراخ وما شابه ذلك، سألت احد العاملين عما يسببه هذا العدد فقال : ( انهم يسببون المشاكل الاكثر للمستشفى، هؤلاء المراجعون الذي يأتون خارج اوقات الزيارة على الرغم من التعليمات والتوجيهات، وكثيرا ما حدثت مشاكل تصل الى حد العراك، لا نستطيع منع احد لان الحال لن تنتهي على خير، ثم ان هذه عادات متوارثة تتعلق بالكرم، وهناك الكثير لا يستطعم اكل المستشفى ).

حاولت الا اضع في بالي هذه المسألة فربما هي ابسط المشاكل، ولكنني ومن خلال المعلومات التي حصلت عليها عرفت انها كبيرة جدا وتتسبب في اذى لا يمكن تصديقه وربما تفوق المشاكل الاخرى، وقد علمت ان احدى الطبيبات تعرضت الى طعنات بالسكين من احد الاشخاص على احد سلالم مدينة الطب وكادت تقفد حياتها، وسوف اجمل بعض هذه المشاكل:
* التدخل في شؤون الطبيب، كنوع من الفضول، فالزائر يفرض رأيه على الطبيب في ان يعطي المريض هذا النوع من العلاج، يجادل الطبيب احيانا في توصيف الدواء، والطبيب هنا لا يعرف كيف يتصرف ازاء هذا.


* في حالة وفاة مريض، يتعرض كل شيء في الردهة الى الكسر، الزجاج والنوافذ والاشياء المختلفة، ويتم الاعتداء على الاطباء بشكل سافر ضربا وسبابا وصولا الى التهديد بالقتل، والعديد من الحوادث من هذا النوع حدثت وتلقى الاطباء ضربا مبرحا من قبل اهل المريض المتوفى، احدهم قال لي : انا موظف ولست طبيبا او ممرضا وذات مرة مات مريض ولم اشعر الا بهجوم ضدي بالضرب والسباب، فقد اعتقدوني طبيبا وانني تسببت في وفاة المريض لانهم شاهدوني مع مدير المستشفى عندما قام بزيارة للردهات.
* كثرة الزائرين تؤثرفي عمل العاملين في المستشفى، فالذهاب والاياب مستمر في الممرات والردهات وهذا لا يجعل العاملين في حالة من الاستقرار والتركيز على خدمة المرضى.
* على الرغم من ان التدخين ممنوع الا ان البعض لا يحلو له الا التدخين في الردهة التي تضم عددا من المرضى، وبعضهم يرمي عقب سكائره اينما شاء.

كان علي ان ابحث اكثر في مشاكل المستشفيات ومعاناة المرضى ومستوى الخدمات المقدمة لهم، في تجوالي اعجبتني صور النظافة التي صارت عليها المستشسفيات الان، وثمة اشخاص يرتدون البدلات المميزة لعمال التنظيف يعملون طوال الوقت، وبأيديهم ادوات التنظيف وان لم يعجبني رواحهم ومجيئهم طوال الوقت في الممرات، ادهشني قول قاله عامل هناك واستوقفني كثيرا : قال : في زمن النظام السابق كنا لانهتم بالنظافة، كأن ذلك الوضع يدعونا الى عدم تنظيف الامكنة، اما الان فصرنا نخجل ان نرى مكانا وسخا، ونحرص على نظافة المكان، ربما الحالة نفسية، هكذا فسر هو الحال !!، وعرفت ان السبب يعود الى المستشفيات تعاقدت مع شركات تنظيف يعمل عماله على مدار 24 ساعة ويتعرضون للمحاسبة والعقاب ان تم الاخلال بشروط النظافة، وان كان العاملون في المستشفيات يرون ان تعيين ملاك خدمي افضل من الاعتماد على هذه الشركات لان المستشفى بإمكانه تدريب هؤلاء وتطويرهم بالاضافة الى وجودهم بشكل دائم، كذلك بالامكان تكليفهم للقيام بأي خدمة على عكس عمال الشركة الذين يعتقدون ان عملهم محدد، وقد وجدت ان المستشفيات تستعمل مادة (الديتول) و(التايد) للتنظيف وهي كما علمت غير كافية، وهناك مستشفيات تشكو من عدم توفر الماء بنوعيه (الصافي والخابط) للشرب والتنظيف، واخبرني احدهم ان بعض خزانات الماء (التانكيات) في اعالي سطوح البنايات قديمة ومستهلك بعضها، ومع ذلك فهناك تفاوت بين مستشفى واخرى.

احد القائمين على احد المستشفيات قال لي : هل تريد ان تعرف اكبر مشكلة نعاني منها ؟، قلت له : اريد بالتأكيد، قال : مشكلة الجرحى من الارهابيين او قوات الجيش والشرطة !!، استغربت وطلبت منه التوضيح فقال : في مسألة الجرحى الارهابيين، فعندما يأتون به يكون معه حراس عسكريون وتكون الحراسة مشددة وهذا يؤثرفي عمل العاملين طبعا كون الردهة او الممر الذي يضم عدة ردهات يغلق تماما، وليس لدي الا مستشفى واحد سجن او ما شابه، وهذا يعني ان المستشفيات الاخرى تتأثر بذلك وعليها ان تجري اللازم، وفي مسألة جرحى قوات الجيش والشرطة، فالمعاناة نفسها، حيث إن عددا من زملاء الجريح يظلون معه كمرافقين وبطبيعتهم لايهدأون، ومعهم بالطبع اسلحتهم على الرغم من التوجيهات من الوزير بعدم ادخال السلاح والتي معلقة على جدران المستشفى، ولكن من يمنع من ؟، فثمة معارك بين شرطة المستشفى والعسكريين تصل الى حد يرثى له، والغريب كما عرفت انه لايوجد مستشفى عسكري حاليا بعد معسكر الرشيد الذي صار في خبر كان، وهناك قسم في مستشفى في الكرخ مخصص للعسكريين وكان هذا حديثا، ولكن لا يوجد مستشفى خاص كما كان معسكر الرشيد، نحن لانرفض معالجة الجرحى العسكريين ولكن من المفروض عندما تستقر حالته ينقل الى مستشفى اخر.

وعرفت ان المستشفيات تشترك في قواسم مشتركة منها الاجور : حيث إن المستشفى يتقاضى فقط اجرة (وصل الدخول) الذي ثمنه (500) دينار فقط اي اقل من نصف دولار، وهو يعتبر اجرا رمزيا، اذ إن التكاليف كافة مجانا من ضمنها اسعار العلاج والطعام وكل ما يحتاجه داخل المستشفى، والطعام اصبح على غير ما كان عليه،حيث كان يقدم في اوان مكشوفة (صواني)، والملاحظة عليه انه صار يقدم (مسلفنا) وبأصناف متنوعة وجيدة، كما ان المطابخ اصبحت اكثر نظافة من ذي قبل واكثر تنظيما، اما الادوية فقد علمت انها متوفرة بنسبة 90%، وهناك ادوية غالية الثمن لا تصرف الا وفق ضوابط معينة وتعليمات، وهذه الادوية بعض المستشفيات تشتريها بنفسها ولا تحصل عليها من وزارة الصحة، كما تشترك المستشفيات بقلة الكوادر الطبية بسبب هجرة العديد من الاطباء الاختصاص الى شمال العرق وخارج العراق، لاسيما في اختصاص الجراحة حيث هاجرت الاغلبية خوفا من الظرف الامني او للاغراءات التي قدمت لهم من مستشفيات شمال العراق، والوزارة حاليا تحاول ايقاف هذه الهجرة بإجراءات معينة، كما هنالك نقص في الكوادر التمريضية والفندقية التي تتعلق بترتيب الاسرة والشراشف وما الى ذلك، وكما قال لي احد المرضى : (ان صوتك يبح حتى يأتي من يبدل لك الشرشف مثلا )، المرضى طبعا يتفاوتون في شكواهم من الاهتمام والرعاية، وكما قالت احدى الطبيبات ان ذلك يعود الى الحالة النفسية للمريض فكلما كان يشعر باليأس كلما اشتكى واعترض وضجر، وهي حالة طبيعية.

علينا ان نعرف ان العديد من مستشفيات بغداد قد تعرضت للسلب والنهب وكان لابد من جهد جهيد لاعادة الاجهزة والمعدات التي سرقت لكي تستعيد المستشفى عنفوانها وعملها، وهناك علمت ان بعض المستشفيات لم تتكمن من اعادة كل ما سرق وما زالت تحاول ذلك مع وزارة الصحة وعبر شركات عالمية، ويحاول الاطباء فيها من ايجاد البدائل، ولكنهم يصطدمون بمنغصات اخرى تتمثل في تعرض الاجهزة للتلف وكذلك المواد لان الوقت المحدد قليل لاستعمالها وهي تصل متأخرة جدا لاسباب روتينية معروفة.