صور المذبحة التي بثها التلفزيون اليمني لعملية القاعدة الارهابية في مستشفى العرضي، أعادت الجدل بخصوص تبرؤ القاعدة من عمليات سبق وأن تبنتها، فالبشاعة التي يظهر عليها الانتحاريون، عادة ما تدفع بالتنظيم إلى تحميل مخابرات عربية وغربية مسؤولية ما يرتكبه.


زايد السريع من الرياض: مع صباح يوم الأحد الموافق في الثلاثين من شهر مايو في العام 2004، بث فرع تنظيم القاعدة في جزيرة العرب بياناً أكد فيه أن نفراً منهم يقتلون الآن الكفّار في مجمع الواحة السكني، والمجمع يضم عمالاً ومهندسين في شركات البترول والتعدين وغيرها، وقالوا في بيانات متلاحقة تبثها مواقع تابعة لهم إنهم ينفذون وصية قائد الجهاد أسامة بن لادن في مهاجمة المصالح الغربية في الجزيرة العربية.

وفي تلك الأثناء كانت السلطات السعودية في حالة استنفار، وسط حسابات معقّدة تمليها كيفية الخروج من هذا الحدث بأقل الأضرار الأمنية والسياسية أمام شعبها والعالم.

يوم مضى وبعده، انجلى غبار المعركة وفاحت رائحة الدم، كانت الحصيلة أكثر من 22 قتيلاً بعضهم قضى نحراً، بينهم من اليابان وسويسرا والهند وإيطاليا، وعشرات الجرحى، أما القاعدة فأعلنت انتصارها في تلك المعركة رغم نجاة نحو 41 حررتهم السلطات السعودية.

لم تكن هناك كاميرات تسجل الحدث في جميع مخارج ومداخل المجمع، ذلك لأن العملية تمت في مبنى فندقي يتبع المجمع في يوم يعتبر عطلة للرعايا الأجانب، وكذلك للمواطنين الذين يتبع نظام عملهم نظام المجمع.

الزمن الآن يعيد تكرار الحدث، ولكن الحدث هذه المرة وقع على بعد أكثر من ألفي كيلومتر جنوباً، حيث مستشفى العرضي في صنعاء عاصمة اليمن قبل خمسة أيام، فما الذي تغيّر في الحيثيات، وما الذي استجد لتجد القاعدة نفسها محرجة جداً أمام الرأي العام وتعلن عبر سلسلة من أذرعها الإعلامية عن عدم مسؤوليتها عن الحادث وتحميله لجهات أخرى مثل الحوثيين والاستخبارات اليمنية؟

في يوم حادث مستشفى العرضي أصدر تنظيم القاعدة بياناً يتبنى فيه العملية، ولكنه قال إنها موجهة لوزارة الدفاع اليمنية، وحمّل الوزارة ووزيرها المسؤولية لتعاونهم مع quot;الأميركيينquot; لقتل المسلمين، وأكد بيانهم أنهم لا يقتلون المسلمين، (بغض النظر هنا عنمَن هم المسلمون في أدبيات القاعدة).

وربما من يقرأ بيانهم مع توارد الأنباء الأولية عن مقتل العشرات من المدنيين يكتشف أن هناك ورطة ما وقعت فيها القاعدة مع كوادرها الذين أسرفوا في القتل على كل من قابلوه في ردهات المستشفى العسكري بحسب الفيديو المعروض، لكن الضربة القاضية كانت من خلال فيلم طويل بثته القناة اليمنية الرسمية ويظهر خلالها مسلحون يرتدون زياً عسكرياً وهم يقتلون بدم بارد وبطريقة غير مسبوقة على شاشات التلفزيون كل من صادفوه، مواطنًا أو أجنبياً، طفلاً أو امرأة، عسكرياً أو مدنياً.

أخطاء القاعدة الاستخباراتية كثيرة ومتعددة، واضطرت خلال بعضها إلى التزام الصمت، وفي أخرى إلى الهروب إلى الأمام، وغالباً تقوم بتحريك كوادرها النائمة على الانترنت لتحمّل المسؤولية لجهات واستخبارات عربية وأجنبية.

في العام 2004 أيضاً، أخطأ قائد القاعدة في جزيرة العرب عبدالعزيز المقرن واعتقد أن مبنى المرور في الوشم وسط الرياض هو منصة انطلاق العمليات ضدهم من الاستخبارات السعودية والغربية، فاستهدف بانتحاري المبنى، وحين ظهر الخطأ اضطر المقرن إلى أن يصدر بياناً صوتياً حاول خلاله تغيير نبرة صوته يبرئ القاعدة من العملية ويقول إنه من تنظيم يدعى quot;كتائب الحرمينquot; ويتبنى العملية نصرة للقاعدة دون أدنى مسؤولية على الأخيرة.

وبالعودة لحادثة العرضي التي راح ضحيتها أكثر من 50 قتيلاً وعشرات الجرحى، فإن الخطأ هذه المرة كان مصوراً من كل الاتجاهات، وطوال وقت العملية، وهذا لم يتح للقاعدة أن تكذّب بيان القتلى والجرحى الذي أصدرته الحكومة اليمنية، ولكنها اتخذت الطريقة الأخرى وهي تحريك كوادرها على الانترنت لنفي المسؤولية وتحميلها للاستخبارات اليمنية والحوثيين دون أن تصدر هي بياناً رسمياً حول هذه التداعيات.