قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

(الحلقة الأولى)

بالرغم من إننا نحاكي التطور التاريخي دون أن نبلغ نقاط التمركز الأساسية له، فإن هذه المحاكاة تسعفنا أحياناً في كشف الغبن عن بعض المفاهيم الحالية، وأعتقد أن هذا يصدق تماماً في العلاقة ما بين الهيمنة والسياسة من خلال مفهوم الدالة الفارغة. لذلك يحق لنا التساؤل عن العلاقة الجدلية ما بين الهيمنة والسياسة. وكيف يتدخل مفهوم الدالة الفارغة في ذلك. واين موقع مضمون القمع في كل هذا؟

إن هذه المقولات الثلاثة ( القمع، الهيمنة، السياسة ) تبرز بصورة جنينية لدى أرنستو لاكلاو الذي يؤكد، إن مقولة الهيمنة هي المقولة المركزية في فهم السياسة، وهي بالتأكيد كذلك، لكن فهم السياسة نتيجة إدراك مقولة الهيمنة شيء ذي خصوصية، وتبعية مقولة السياسة لمحتوى الهيمنة شيء أدق وأرهف، وتبعية مقولتي السياسة والهيمنة لمقولة القمع شيء أكثر دقة ورهافة. لذا يجب عدم الوقوف عند مستوى أستقلالية السياسة عن الهيمنة، ولاعند ما تتضمنه السياسة من هيمنة بمقدار ما ينبغي الوقوف، على صعيد المعطيات التاريخية وفحوى الأسبقية الزمنية لمقولة الهيمنة على مقولة السياسة، عند الأسبقية الموضوعية لمقولة القمع على المقولتين الهيمنة والسياسة. لذلك لامحيص من تبيان النقاط التالية. النقطة الأولى: إن المفارقة ( بارادوكس ) ما بين مقولتي الهيمنة والسياسة تتضمن من الأنسجام والتناغي أكثر مما تتضمن من الهروب التناقضي، لذلك تقترب من المفارقة في المجاز التعسفي الذي يسميه الناقد نورثرب فراي الإسقاط الوجودي في خطاب فوكو. النقطة الثانية: إن الإستجابة والتحاكي ما بين مضمون السياسة والمضمون الإجتماعي ينبغي ألا تفسر كتتابعية ( دياكرونيك ) أو كظاهرة أو كأثر من آثار العلاقة ما بين مفهوم الهيمنة ومفهوم السياسة، إنما يجب أن تفسر على أساس تزامنية ( سينكرونيك ) المضمون الإجتماعي للهيمنة أصالة كفيزياء التاريخ، ثم للسياسة بالتبعية، تماماً وعلى غرار، لكن عن بعد، لمفهوم عالم اللغات السويسري فردنان دي سوسير، لدى معالجته اللغات عن طريق المتزامن ( سينكرونيك ) دون المتتابع ( ديانكرونيك ) الذي ألتزم به سابقوه من لغوي القرن التاسع عشر.

النقطة الثالثة : إن المفهوم التسلسلي الذي يترآى في العلاقة ما بين مقولتي الهيمنة والسياسة يجب أن يفسر ضمن فكرانية التطور التاريخي لأنه يتفارق عن المفهوم التسلسلي ndash; إخضاع الجزء للكل ndash; لدى أرسطو الذي بصدده أرتبك القديس توماس الأكويني في معرض دفاعه عن لاهوتيات الكنيسة. إن تفهم هذه النقاط يقربنا من المنطق الذي نريده في العلاقة ما بين المقولات الثلاثة بعيداً عما هو مغروس في المادة المدركة الواعية ( العقل لدى التيار الإسلامي ) سيما إذا أدركنا التفارقية ما بين التجمعات البدائية والمجتمعات البدائية، فإن التجمعات البدائية، بعكس ما يتوهم البعض ( إريك فروم، محمد سعيد رمضان البوطي ) تمتلك علاقات أعظم من التي نصطبغها عليها عادة، لإنها إذا أمتازت بالبساطة والوضوح، فلايعني ذلك إنها بحكم المعدوم أو الندرة، خاصة إن إقرار مبدأ العلاقات يكفي من هذه الناحية، تماماً مثلما يقصد جون سترول ( بالقراءة الكامنة )، التي يمكن أستخلاصها من مجموعة العلاقات القائمة ( الكامنة ) في النص نفسه بعكس ( القراءة المتعالية ) التي تتجه نحو خارج النص، أو الذي أسميه ( بالقراءة المشاغبة ) تلك القراءة التي تبدو مستنطقة، لكنها قد تكون خطيرة مثل إدعاء الأنتروبولوجيين بإضفاء الوصف الدقيق والشامل على شعب واحد من الشعوب. وحتى إذا ما أتجهنا نحو مرحلة ما قبل التجمعات البدائية، فثمت علاقات في غاية الدقة والنوعية وبكثير من البساطة والوضوح، على غرار ما يعتمل في عقل المولود، تلك العلاقات التي يوسمها أستاذنا الدكتور أحمد حسن في كتابه تاريخ النظم بالعلاقات غير المعقدة، والتي أسميها بالعلاقات ما قبل المعقدة. زد على ذلك إن هذه العلاقات يمكن تشبيهها على صعيد الفرد الواحد، بمبدأ أرسطو ( الوجود بالقوة والوجود بالفعل )، ولتوضيح ذلك نأخذ مثال البذرة والشجرة، فالشجرة موجودة بالقوة في البذرة التي إذا ما أنتشت، تحولت إلى غرسة وثم شجرة، فإن هذا التحول التدريجي هو ما يسميه أرسطو الوجود بالفعل. وهذا ما يتأتى بالتناسب مع مفهوم الفرد، الحال، العلاقة، كيمائية التاريخ، من خلال مفهومين. المفهوم الأول : عدم أستكفاء الفرد ذاتياً من الناحية الجنسية مرده خاصية طبيعة الجنس حصراً، وإذ كما قلنا في مجلة الناقد اللبنانية ( سطوة الجنس ) إن الأصل في ماهية الجنس : التعددية وعدم وجود رقابة أو ضابط على الممارسة، ولكن السؤال يكمن في التفاهم التالي، ما علاقة هذا العامل بالقمع أو الهيمنة، نستطيع أن نوضح ذلك من خلال هذا المثال : إذا وجدت أنثى كلب مع زوج من الذكور ( كلبان ذكران ) فأننا سنكون إزاء إنطلاقة ( القمع ) من البذرة ( الوجود بالقوة ) إلى تحصيل وتحقيق الديمومة ( الوجود بالفعل ). بل أدق من ذلك، إذا وجدت أنثى كلب مع كلب ذكر فسنكون إزاء أنتعاش نواة ( القمع ) وبداية تحولها من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل، وبذلك نحن نعتمد على قرينة مفهوم الأستبعاد ( الكامن ) حيث إن مجرد أستئثار الذكر بالأنثى يستبعد بقية الذكور عنها حتى لو لم يتواجدوا بالفعل. لكن هذا الأستئثار الذي يتم عن طريق الأستعباد الكامن الماقبل القمعي الفعلي يضفي إلى ذاته مضموناً إجتماعياً يغرس في المادة المدركة الواعية للكلب المستأثر ولبقية الكلاب أيضاً مفهوماً يبرز في حيثياته الأستبعاد بالقمع، الأستبعاد بالهيمنة، الأستبعاد بالسياسة. وهذه القضية لم يدركها ماركس على حقيقتها السوسيولوجية، إنما أقترب منها ( رايموت رايش ) على صعيد جنس التاريخي، فهاهو يؤكد في مؤلفه النشاط الجنسي وصراع الطبقات، إن مراحل تطور التاريخ الجنسي هي ثلاثة، المرحلة الشرجية، المرحلة الفموية، المرحلة القضيبية، والمرحلة الأولى لديه تتجاسد في بداية ما قبل التاريخي وبدايات التاريخ من ناحية ترقب التجمعات لذواتها وما يتضمن ذلك من الإنطواء نحو الإستبطان والنزوع نحو التجمع. والمرحلة الثانية تناسب المرحلة الإقطاعية من ناحية العاطفة الجياشة والأنسياب الأسترسالي المتعالي الترانسندنتالي مع أستحواذ التعملق ( مرحلة التعملق )، والمرحلة الثالثة نوائم المرحلة الرأسمالية من ناحية مصدر وقوة التصرف السلبي ( نيجاتيف أكشن ) ومن الناحية النفسية في عملية الإستفراغ والشحن التابعان لعملية الضغط النفسي ( ستريس ).

المفهوم الثاني: عدم أستكفاء الفرد ذاتياً من الناحية الإقتصادية، إن ضعف هذا العامل في بدايات التاريخ لايعني استئصال أو أنتفاء البذرة، ثم بمحدودية المنتجات الإقتصادية الطبيعية والصناعية من حيث المصدر، وبالنزوع الماقبلي للفرد نحو الإستملاك والإستحواذ، أمسى هذا العامل عملاقاً له دوره الأكيد، وبصورة مستقلة عن العامل الأول، في تأصيل فكرة القمع، الهيمنة، السياسة، في التجمعات البدائية وحتى قبلها. ولكي تكتمل الدائرة التأصيلية لامحيص من إضافة محتوى ( المعتقد ) إلى مفهومي ( الجنس، الإقتصاد )، فهو يمثل البنيان الفوقي للبنى التحتية للجنس والإقتصاد، وإذا كان الأخيران يمثلان الركنين الأساسيين للقمع، والهيمنة، والسياسة، فإن المعتقد يماثل، بل هو شرطها الوحيد، وهكذا يحق لنا أن نحتسب الثالوث ( الجنس، الإقتصاد، المعتقد ) بذرة مقولة القمع، والحياة قمع وإستئصال وإلغاء للآخروي وللذات، ثم هيمنة وسياسة، وهذا هو التأصيل الفعلي لمقولة الهيمنة لدى التجمعات الإنسانية الأولى، لذا أسمي هذا بما ورائيات الهيمنة ( ميتا دومينانس).

[email protected]