قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

التصور الغالب وربما الأوحد في نظر الجميع، أن قبضة النظام المصري الحالي القوية هي العقبة الوحيدة أمام د. البرادعي، سواء في طريق ترشيحه لرئاسة الجمهورية، أو في تحقيق ما ينشده وتنشده معه الجماهير التي تناديه من تغيير.. لكننا بدون أن نقلل من أهمية وخطورة هذه العقبة الكأداء، نرى على أرض الواقع عقبات ربما لا تقل عنها خطورة، وربما كانت هي الأكثر استعصاء على المعالجة.. هي عقبات قد توقف تماماً مسيرة التغيير المرتجى، وقد تتحول بها عن طريقها، لتدخل بنا في في واحد من أكثر من نفق مظلم!!
المشكلة الظاهرة للعيان، هي النظام السياسي الحالي، بتشريعاته وشخوصه، لكنها ربما في الحالة المصرية تحديداً، ليست مشكلة مستقلة، أو واقع رديء مفروض على شعب يستحق ما هو أفضل.. فالأمر لو كان هكذا، لكانت معالجته يسيرة، أو على الأقل أيسر منالاً.. الواقع أن الحالة أو المعضلة السياسية ما هي إلا ثمرة لواقع حال أمة، لم تعد تملك من مواصفات مفهوم quot;أمةquot; إلا بعض المظاهر والقشور، وبقايا متناثرة من حقائق واقعية، لم تصل إليها يد العبث والتدمير بعد.
يعني هذا أمران، أولهما أن محاولة البدء بتأسيس تشريعات ونظام سياسي حديث وليبرالي، لن تؤدي للنتيجة المرجوة، بل وقد تتسبب في كارثة من باب صناديق الاقتراع، كما حدث مثلاً في غزة البائسة.. وثانيهما أن أي محاولة لما يشبه ثورة تغيير، تتجه وجهة حداثية، ستواجه بتيارات شعبية (وليست حكومية وبوليسية) تعصف بها ذات اليمين وذات اليسار.. مواجهة السلطات وأدواتها العسكرية والبوليسية الجهنمية، أهون مرات من مواجهة مثل هذه التيارات الشعبية.. نعم القطاع الأكبر من الشعب المصري بريء، وسينصاع راضياً لتوجهات التحضر والتحرر، لكن الفاعل والجدير بالاعتبار هنا هو القطاع الناشط من المجتمع، وهم الذين يؤثرون جدياً في المعادلة الوطنية، التي يتحتم على أي حركة تغيير أن تتوصل إليها.
نعم كما قال د. البرادعي وقيل عنه، أنه ينبغي أن يكون رئيساً توافقياً، يجمع إليه الأمة باختلاف مكوناتها، ليتوصل معهم إلى قواعد مشتركة للعمل الوطني، وإلى توجه وطني يستقيم خطونا في السعي نحوه.. لابد بالفعل أن يكون ذلك كذلك.. لكن هنا أيضاً يكمن الخطر الأكبر، الذي يهدد الآمال التي يعلقها دعاة الحداثة والحرية، على المسيرة التي يأملونها مع شخصية عالمية وليبرالية كشخصية د. البرادعي!!
إذا كنا متفقين على أن ما يعرف quot;بالأغلبية الصامتةquot; هي في موقف حيادي بين مختلف الفرقاء، وأنها غير قادرة على تمييز quot;الحمرة من الجمرةquot;، خاصة في ظل ظروف وملابسات غاية في التعقيد.. وكنا متفقين أيضاً على أن النسبة المتوقع تنشيطها وتفعيلها من هذه quot;الأغلبية الصامتةquot; نسبة ستظل ضئيلة الحجم والتأثير، حتى في أكثر الاحتمالات تفاؤلاً.. لن يتبقى أمامنا جدير بالاعتبار والنظر، غير ما يعرف بالنخبة، والشريحة الجماهيرية المتأثرة بها.. تلك التي نستطيع استعراضها حالياً في أربعة أقسام رئيسية:
القسم الأول والأحدث تكويناً هو ما يصح تسميته quot;شباب الفيسبوكquot;.. فقد أتاحت ثورة الاتصالات والإنترنت لملايين الشباب أن يكون لهم صوت، وأن يتواصلوا مع بعضهم البعض، فكان أن وجدنا هؤلاء الشباب هم أصحاب الصوت الأعلى في استدعاء د. البرادعي، وفي الرد على أبواق السلطان التي تجردت من الحياء قبل أن تتجرد من المنطق وعقلانية المعالجة، فراحت تهاجم الرجل، بما يكفي لأن يزداد الشباب إيماناً به، وبالضرورة الملحة لقيادته لمسيرة التغيير المصرية.. هذه الآلاف المؤلفة من الشباب على موقع الفيسبوك، يمارسون السياسة للمرة الأولى، ويقدم قطاع كبير منهم نفسه بأسماء حركية أو وهمية.. قطاع كبير منهم أيضاً غير مستعد لأكثر من تدوين بضع عبارات على صفحات افتراضية، دونما نِيَّة أو مقدرة أو متسع من مشاغله اليومية للنزول إلى العالم الحقيقي، ليمارس النضال السياسي على أرض الواقع.. بالطبع لن يظل الحال على هذا طويلاً، فلقد انكسر جدار الصمت والتخوف الذي سجن المصريين خلف قضبانه طويلاً، وتهلهل ستار التعتيم والتكتيم الذي تمارسه الدول الشمولية على شعوبها.. سوف تبدأ تجمعات العالم الافتراضي الشبابية في التجرؤ على النزول إلى الشارع، ليكونوا هم روح مصر التواقة إلى الحرية والحداثة، والساعية بجد لمستقبل أفضل، فالمطروح على مائدة البحث هو مستقبل هؤلاء الشباب، وليس مستقبل عواجيز الستينات والعروبة وجنات الخلد.. نستطيع إذن أن نقول أن هذا القسم من النخبة هو السند والأمل الحقيقي للثورة الخضراء المتوقع من د. البرادعي أن يقودها، لكنها حتى الآن في دائرة الإمكان أو الوجود بالقوة، أكثر منها واقعاً حقيقياً وراسخاً يمكن الارتكان إليه.
القسم الثاني من الصفوة، هم الليبراليين من الكتاب والمفكرين والإعلاميين والمتأثرين بهم.. هم حتى الآن أفراد تكاد لم تبتل أقدامهم بمياه المحيط المصري المتلاطم، وكأنهم كائنات رهيفة رقيقة، لا تقوى على النزول إلى الشارع، لئلا تتسخ ياقاتهم البيضاء بغباره، والذي لا يليق بالطبع بقاماتهم الرفيعة!!.. الشك كبير في أن يتقدم هؤلاء أي مسيرة، أو يحاولوا اقتراف الفعل العملي، وليس فقط أحلى الكلام وأدق التحليلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. المفترض في هؤلاء أن يكونوا قادة ورواداً للقسم الأول المكون من الشباب، فهل يفعلونها يوماً، هل يفعلونها الآن، ليكونوا في الصف الأول من مسيرة البرادعي الخضراء؟!!
القسم الثالث أغلب اليساريين والناصريين والقومجيين، الذين يعيشون معارك ستينات القرن العشرين، ويتحركون بمفاهيمها في الألفية الثالثة.. هم مسكونون بنظرية المؤامرة والعداء للعالم الحر والمتحضر، ويركبون الآن أغلب وسائل الإعلام بمختلف أنواعها.. هؤلاء بالتحديد هم الأشد خطراً في حالة انضمامهم للمسيرة المنتظرة.. هم كفيلون بتخريبها، وتحويلها لمحاربة طواحين الهواء.. يخلقون بيئة معادية للآخر، خانقة ومانعة للاستثمار والرأسمالية، مفضلين اشتراكية الفقر والإفقار.. أما في حالة ما اذا تلمسوا نهجاً ليبرالياً من د. البرادعي ومن معه، فسوف يقفون كالأسود شاجبين منددين مخونين، وهم كفيلون بإصدار من الضوضاء ما يكفي لإفشال محاولات إيقاظ الشعب المصري من غفوته الأزلية.. لا تعني تلك الكلمات رفضاً منا لهؤلاء، ولا تتقصد تهميشهم أو استئصالهم، بل هي دعوة وتحفيز لهم ليلتحقوا بالعصر، مخلفين ورائهم ما تجاوزه الزمن من علاقات وقضايا ومفاهيم، وما ثبت بطلانه وفشله من أيديولوجيات ودعوات!!
القسم الرابع والأخير أشهر من أن يحتاج إلى تعريف، وهو تيار الإسلام السياسي، ذو الدعاوى والأفكار العنصرية، والذي يعني الإصلاح في مفهومه العودة إلى قيم وقوانين أربعة عشر قرناً مضى.. هؤلاء يعني التوافق معهم، أي مقابلتهم في منتصف الطريق، أن يكون تحركنا محلك سر.. فالنظام الحالي يقيم الآن هذا التوافق معهم، متقاسماً السلطة على الشعب المقهور والغائب.. هم أشبه بفيروسات لا يمكن تجاهل وجودها، ولكن أيضاً يجب التعامل معها عن بعد، حتى لا يعيدون تكرار ما فعلوه مع نظام الحكم الحالي، إذ تسللوا إلى كافة أعضائه ومفاصله، فكان له الاسم، ولهم الفعل والفاعلية.. لقد ركب أقران هؤلاء الثورة الإيرانية، وعلقوا بعد نجاحها شركاءهم الليبراليين والشيوعيين واليساريين على أعواد المشانق.. لو كررنا نحن مثل تلك التجربة، سنكون بالفعل quot;كمن يستجير من الرمضاء بالنارquot;!!
هكذا ونحن ندعو د. البرادعي أن يبدأ مسيرته معنا من الشارع المصري، فإنما ندعوه إلى أصعب المهمات وأكثرها تعقيداً.. هي معركة تهون بجانبها كل ما يمكن أن نواجهه من السلطة وأجهزتها المهيمنة.
مصر- الإسكندرية
[email protected]