قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

nbsp;نعيب زماننا والعيب فينــــــاnbsp;nbsp;nbsp;nbsp; ومـــــا لزماننا عيب سوانا
ونهجوا ذا الزمان بغير ذنبnbsp; ولو نطق الزمان لنا هجانا
وليس الذئب يأكل لحم ذئبnbsp;nbsp; ويأكل بعضنا بعضا عيانا
(الإمام الشافعي)

لماذا هذه الرؤية؟
ليس هذا quot; المقال quot; مقدمة في فيزيائية الزمن، أو ورقة علمية أو فلسفية مجردة، بل إنها مجرد إثارة للتفكير في طبيعة الزمن وأهميته وقيمته في حياة الإنسان، خصوصا وقد وجدت أن الزمن وقيمته يتلاشيان في تفكير الناس في اغلب مجتمعاتنا، وان الملايين من البشر إنما يضيعون أوقاتهم سدى من دون أي عطاء أو إنتاج، بل ويقتلون زمنهم في القيل والقال واللعب والمقاهي وبكل الوسائل المتاحة.. إن سوء تربية وتكوين قد رافق نشوء الأجيال الجديدة التي وجدت نفسها في مجتمعات اتكالية سواء كانت مدينية أم ريفية.. إن مجتمعاتنا قاطبة تعاني من ضياع حقيقي للزمن، بل وانها لا تدرك قيمته.. إنها لا تعرف البرمجة ولا جدولية الساعات أثناء النهار.. ولا تدرك قيمة المتعة وحدودها.. إنها تعاني من ارث كسيح تعلمت منه كيف تعتمد على الآخرين.. إن مجتمعاتنا ودولنا معا، لا تدرك ما الذي يمكن أن يفعله الإنسان إن كان في مكانه الطبيعي وهو يستنفذ كل ساعات عمله الخلاق في اليوم الواحد.. إن مجتمعاتنا في الأعم الأغلب قد اعتمدت على سياسات دولها في انعدام ضبط قيمة الزمن، وكانت السياسات التربوية خاطئة جدا في زرع روح الاتكالية وترويج القدرية وترك الأمور للمجهول.. كلها قد خلقت في الجيلين الأخيرين نزعة طغيان الذات ليس على الموضوع حسب، بل على زمنهما معا.. لقد كانت أجيال الأمس أفضل حالا، إذ يتملك الإنسان شعور بقيمة الزمن في كل مجالات الحياة.. كانت مجتمعاتنا منتجة ومشهورة بإبداعاتها الحرفية ومنتجاتها الزراعية وقوتها التجارية.. ولقد كان التنظيم الاجتماعي والإداري والتربوي أفضل حالا من اليوم.
نعم، كان للسياسات الكاذبة والإعلاميات المدجنة والتربويات السيئة والفورة النفطية.. أسبابا في صنع قطيعة بين المجتمع وزمنه، وقد كرست سياسات الدول أهدافها في ذلك، بحيث لا يجد الإنسان في حياته إلا ثلاث أهداف: النوم والأكل والتناسل.
ربما كانت مجتمعاتنا متعبة ومهمومة وكسيحة بسبب المشاكل المستفحلة فيها، فلا يجد الإنسان أي فسحة كي يفكر تفكيرا سليما، ناهيكم عن القمع بمختلف صنوفه، اذ لم تكتف الأنظمة السياسية بذلك، بل أخذت السلطات الاجتماعية تمارس نفس الأساليب، بحيث احتكرت الحياة ومن معها من البشر، تحت واجهة دينية او يافطة طائفية او شعارات وهمية أو مواعظ إنشائية أو خطب عنترية!

مجتمعاتنا سحقت نفسها بنفسها ولم تزل!
إن مجتمعاتنا قد سحقت نفسها بنفسها، ولم يسحقها الزمن، فالزمن يزدهي من خلال ما يمنحه المجتمع إياه.. إن الفكرة الخاطئة، وكثيرا نصف أنفسنا، أننا نعيش في زمن موحش وكئيب.. من دون أن نسأل أنفسنا: من صنع الآخر؟ هل صنعنا الزمن؟ أم نحن الذين صنعناه؟ وما الذي يمكن أن يؤديه المرء للزمن، وبالتالي المجتمع بأكمله نسوة ورجالا.. هناك مجتمعات في منطقتنا، كانت تحاول أن تنهض بقوة، فانتكست انتكاسات مريرة جراء السياسات الفاشلة التي أودت بها إلى الخراب! وثمة مجتمعات أخرى لم تكن أصلا بمنتجة ولا بمبدعة، ولكن سحقتها الفورة النفطية التي غدت وبالا عليها، بحيث جعلت المجتمعات لا تعرف الا تدفق المال من دون عناء! وثمة مجتمعات هي كسيحة في الأصل، ولم تقو يوما على الحياة، والمشكلة ان لديها كل المقومات، ولكنها تضّيع زمنها بتوافه الأمور، وتراها منشغلة بالهياج السياسي، أو البكائيات المقدسة، أو الهيام الديني، أو أكل القات، أو الابتذال الفني.. الخ
إن مشكلة مجتمعاتنا وتفكير اغلب الناس فيها، أنها ترى نفسها على صواب دوما، وان العالم كله على خطأ! إنها لا تحترم ذاتها ولو لمرة واحدة وهي ترى مجتمعات أخرى تعمل ليل نهار كخلايا نحل كي يفرضوا أنفسهم في سوق العالم، أو ثقافة العالم، أو إبداع العالم، أو إنتاج العالم.. في حين تجد مجتمعاتنا نفسها في رؤية معاكسة، فهي تنتظر من يطعمها، وتنتظر من يعطف عليها، وتنتظر من يحل لها مشاكلها.. وتنتظر من يساعدها بالغذاء والدواء.. وتنتظر من يخلصها من جحيم الحياة الصعبة.. وتنتظر من يتعاطف حتى مع أوهامها! إنها واقفة تنتظر دون أي استقامة في الشوارع، أو جالسة تستمع لخطيب منبري يهذي.. أو تجتمع لتسمع الأشعار الحماسية لتقطع حناجرها في ترديد الهتافات الجوفاء.. أو تجتمع لتغني وترقص على وصلات تافهة من أغان هابطة.. إن ما يعجب حقا أن ملايين الناس في مجتمعاتنا لم تعد البرامج التلفزيونية الجوفاء تكفيها لضياع زمنها، بل راحت تستخدم الانترنيت في ضياع زمن اكبر.. وعلى أشياء تافهة، علما بان أدوات العصر الإعلامية والمعلوماتية، هي من أهم الوسائل المتطورة في بناء الإنسان إن أراد أن يتعلم منها جملة هائلة من الأشياء.
لا تتهموني أنني انتقد أوضاعنا بمرارة، ولكن ليحاول المرء أن يجيب على أسئلة أثيرها دوما: هل عرفت مجتمعاتنا قاطبة أن تنظّم حياتها؟ أو زمنها؟ أو مؤسساتها؟ أو دواوين الدولة فيها؟ هل تعلمت مجتمعاتنا بعد هذا الزمن الطويل من الانفتاح على العالم.. كيف تحترم إرادة الآخرين، قبل أن تجعل من نفسها واعظة لهم، وهي لا تملك ما يمكن تقديمه للعالم؟ ربما برز عمالقة من المبدعين وجماعات من نخب الرائعين في مختلف مجالات الحياة المعاصرة.. أولئك الذين أدركوا قيمة الزمن، ولكن العملة الرديئة دوما ما تطرد العملة الجيدة من السوق ـ كما يقول الاقتصاديون ـ!

متى يشتغل العقل؟
كثيرا ما يرتبط عمل المؤرخ بعناصر الزمن، ولا يمكن لأي فلسفة من ركائز حية، إلا إذا اعتمدت الزمن والتفكير فيه من مهامها الأولى.. بقي الزمن في التفكير البشري حالة مطلقة حتى اكتشاف اينشتاين حالة البعد الثالث ليقول بنسبية الزمن.. ولم يزل الإنسان لم يتملكه الوعي بهذه النسبية في حياته اليومية، أو تصرفاته التقليدية. إن العقل يقول بأن الإنسان ينبغي أن يتبادل إدراكه مع الزمن، وان أثمن شيء في تفكير العقلاء هو الزمن، ولا شيء آخر سواه.. الزمن هو الوقت، والوقت متداول لا يتوقف.. انه يتكون من ثلاثة أجزاء: الماضي والحاضر والمستقبل.. ويتمركز الإنسان مع واقع يرتبط أساسا باللحظة الراهنة.. إننا نفكّر في الماضي بعد أن خرج من وجودنا بكل حقائقه الدامغة.. في حين أن المستقبل يبدو وهميا أو تغشاه ضبابية حتى في ظل تطبيق برامج وخطط لعشرين سنة قادمة أو أكثر في مجتمعات عاقلة، فكيف يكون الأمر في مجتمعات لم تزل تعيش أوهام العصور الوسطى؟.. فكل التفاصيل لا يمكنها أن تنضج إلا اثر الاقتراب منها، وأنها تتشكّل إلى واقع ملموس مع اللحظة التاريخية للحاضر.. وستصبح بعد أن يمر الإنسان عليها ( تاريخا ) عند من يعرف التاريخ وقيمة الزمن، و( ماضيا ) عند من لم يعرف ذلك كله. ولقد وصف بول دافيس الزمن بـ quot; تدفق الغامض quot;

أين نحن من سيرورة الزمن؟
نحن إزاء ثلاث كتل زمنية تنشؤها الطبيعة الكونية، وهي كتل متداخلة، ولكن لابد من الوعي بتمفصلاتها، كي نعرف ما الذي يمكن عمله في الحياة:
أولا: أمور الماضي Eternalism، وتجد مجتمعاتنا لم تزل تعيش في خضم منتجاتها، وهي تسيطر على الوعي والتفكير وتمنعهم من الانتقال إلى الحالتين التاليتين.
ثانيا: تشيؤات الحاضر Presentism، وتجد مجتمعاتنا لا تستطيع العيش من دونها أبدا، وهي كل ما أنتجه الحاضر من وسائل وأدوات ومخترعات وماديات.. ولكنها لا تعترف بقيمتها الحقيقية وتفوق أهميتها على مخرجات الماضي وآثاره.
ثالثا: المستقبليات Futurism، وتجد مجتمعاتنا من ابعد البشر عن التفكير بها، وبما ستفعله بالإنسان والحياة ايجابيا وسلبيا.. فإذا كانوا لا يفكرون بمستقبلهم، فكيف يمكنهم التخطيط له وفق معايير تتصادم مع ركائزهم ومعتقداتهم؟

في معبد الماضي البعيد!
إن المعضلة الأساسية تتمثل بالماضي، وليس بتاريخ الماضي، علما بأن التاريخ لا يمشي معنا أبدا.. انه مسيطر علينا فهو فوقنا دوما، وليس من السهولة جعله يتساوق معنا اليوم ليمشي معنا، كما أحب القول أن مجتمعات أخرى جعلت الماضي والتاريخ معا من تحتها، فهي التي تسيطر على ماضيها لا هو المسيطر عليها.. هي التي تستفيد منه تاريخيا، لا هو الذي يجعلها منقادة له.. إن متغيرات هذا العصر لا نجدها في كتب الماضي. وعليه، فلابد من حصول إدراك متبادل بين مجتمعاتنا ومتغيرات العصر، فالماضي سوف لا يطعمنا أو يسقينا، وهو لا ينقذنا ولا يحيينا.. قد يحفزنا ويعلمنا.. يرشدنا ويهدينا، ولكن أن يصبح دكتاتورا علينا، فهذا ما سيضرنا كثيرا.. إننا لا نعالج الأمر بأن ننفي دراسته وتدريسه في مدارسنا وجامعاتنا، بل ينبغي معرفته لا للاندماج معه، بل للاستفادة منه! إن أحياء اليوم لا تنقذها عظام الماضي، ولكن أجد أن هناك من يؤمن بذلك إيمانا جارفا من دون أي شعور بالذنب أو حتى التقصير.. ولا اعتقد أن أحدا سينتقدني إذا علم أن هناك من لم يزل حتى يومنا هذا يؤمن بالتعويذات والأضرحة والبكائيات ورقص المشعوذين وسخافات وعاظ السلاطين.. الخ هناك من يختزل تاريخنا بهذا من دون أن يعلم أن حياتنا بحاجة إلى فقه جديد، والى مصالح مرسلة جديدة، والى تربويات جديدة.. بل والى تغيير جوهري كبير في التفكير الجمعي والوعي العام للحياة.

وأخيرا: ما العمل؟
دوما ما ننادي منذ زمن طويل بتغيير مناهج ليس الدراسة حسب، بل مناهج التفكير عند الأجيال الجديدة.. ودوما ما نطالب أن يكون رجال المعرفة هم في المقدمة.. ودوما ما نسأل عن القطيعة الفكرية، وان تؤخذ الأمور على جزئياتها لا على عمومياتها، فتضيع القضايا الجوهرية في تكوين وعي جديد وتفكير جديد.. إن فلسفة الزمن لابد أن تكون مادة دراسية يتعلم منها الإنسان الجديد كيف يتصرف في زمنه.. كيف يملأه.. كيف يتمتع به.. كيف يستفيد منه.. كيف ينتج من خلاله؟ كيف يبدع فيه؟ لنحترم تاريخنا، ولكن لا يمكن أن نبقى نتهدج أو نتنهد أو نتعبد في أروقة الماضي القديمة! علينا أن نعيش اللحظة التاريخية المعاصرة لنا بكل صعوبتها أو سهولتها، ولكن ينبغي أن نعترف أين نحن من قوتها؟ وما الذي فعلناه في أن نكون جزءا منها في هذا العالم؟ علينا أن نبقى مؤمنين بالحياة الأبدية أو الأخروية، ولكن شريطة أن نفكّر في مستقبل أولادنا وأحفادنا في حياتنا الدنيوية هذه.. فهل وعينا الدرس؟ أم أننا بحاجة ماسة للمزيد من ضرب الأجراس؟ اعتقد إننا بحاجة كبرى إلى المزيد من قرع الطبول.

www.sayyaraljamil.com

nbsp;