قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

من مفكرة سفير عربي في اليابان

nbsp;
تذكرني تجربة السنة الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، بالمسرحية العربية المصرية، مدرسة المشاغبين، التي كتبها الأستاذ علي سالم، ومثلتها الفنانة المبدعة سهير البابلي، مع زملائهاnbsp; عادل إمام وسعيد صالح ويونس شلبي وهادي الجبار وحسن مصطفى، والفنان أحمد زكي رحمه الله. وتتلخص أحداث هذه المسرحية، بتجمع خمسة من الطلبة المشاغبين، في فصل مدرسي، ليفقد المدير السيطرة على تصرفاتهم، فتبعث إدارة المنطقة بمدرسة للتعامل مع شيطنتهم. وقد قامت المدرسة بعدة محاولات فاشلة ومضحكة لتهذيبهم، ولكنها استطاعت، في النهاية، السيطرة على مجرى الأمور. فكأنما تحاول هذه المسرحية، أن تقارن بين الواقع المثالي الذي نتمناه لأطفالنا في مدارسهم، والواقع الحياتي الذي سيعانوا منه بعد تخرجهم. ويبدو لي بأن تجربة الرئيس أوباما في السنة الأولى من إدارته، قريبة من تجربة هذهnbsp; المسرحية. فبعد أن عاش طفولة ومراهقة مضطربة، حاول أن يخلق الانضباط والالتزام في حياته، ليصبح رئيسا مؤمنا بمثاليات كهولته، ليصطدم بالواقع الحياتي لمدرسة مشاغبي السياسة الأمريكية والعالمية، والتي تجلت بخلافات الكونجرس على مشروع قانون الرعاية الصحية، وصراع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي على مشروع سلام شامل وعادل في الشرق الأوسط. والسؤال لعزيزي القارئ: كيف نقيم تجربة السنة الأولى للرئيس بارك أوباما؟ وهل سيستفيد العرب من تقييم هذه التجربة لمعالجة تحديات القرن الواحد والعشرين؟
nbsp;من أجمل ما قرئت في تقييم إدارة السنة الأولى للرئيس الأمريكي باراك أوباما، تعليق للصحفي الأمريكي الأفريقي الأصل، وخريج جامعتي هارفارد وأكسفورد، مارك وايتاكر، بصحيفة اليابان تايمز، في الخامس من شهر يناير الجاري، والذي يقول في مقدمته: quot;في محاولة لفهم تجربة السنة الأولى للرئيس أوباما في السلطة، وسبب كفاءة عمله، وقلة سحره على الأمريكيين، قرأت كتابه، أحلام من والدي.quot; فقد راجع الكاتب مذكرات الرئيس الشخصية للتعرف على طبيعة طفولته، التي شملت والد لامع ومضطرب، والذي أهمل عروسته المراهقة وطفلها. وأم طليقة أخذت طفلها مع زوجها الثاني لاندونيسيا، وبعدها أرسلته لهاوي ليعيش مع جده، ليترافق كل ذلك بإحساس الاغتراب لشاب أسمر، نمى بين قلة من أصدقاء الفريقين.nbsp; وتساءل الكاتب: quot;ومع معاناته بالرفض والإزاحة في شبابه، فهل كان من الغرابة أن يستثمر في الانضباط في كهولته؟ فقد كان طفل بدين، ومراهق منفلت، ولكنه طور شخصيته بانضباط هائل، شمل حتى تمارينه اليومية، وتعففه في الأكل والشرب، وليحول مدينة شيكاغو لموطنه الجديد، وليبحث عن الاستقرار في الزواج والأبوة. بل وطمح بخلق الانضباط لما حوله، فنظم العمل المجتمعي في مدينته، وخلق بيئة السلام بين زملائه طلبة قانون بجامعة هارفارد، حينما كان رئيسا لتحرير مجلتهم، وعمل في السياسة ليبني الجسور بين البيض والسود، وبين الديمقراطيين والجمهوريين.quot;
ويعتقد الكاتب بأن انضباط الرئيس بارك أوباما، والتالف والتناغم الذي خلقه من حوله، ساعده الانتصار على منافسيه لكرسي الرئاسة، والذي كان الأمريكيون في أمس الحاجة إليه، مع الانهيار العاطفي والمالي، في الأيام الأولى من أزمتهم الاقتصادية. وكما يقول الفرنسيون، كلنا نحمل أخطاء فضائلنا، فالرئيس الذي طور دفاعاته المنضبطة ضد طفولته المضطربة، تركته غير مستعد لمواجهة بيئة التهكم والغرور والطمع، الموبوءة بها واشنطن والوول ستريت ومسرح السياسة العالمي. ففي الأزمة الاقتصادية، كانت تحليلاته صائبة بالحاجة لأفكار الاقتصادي البريطاني كانز، للدعم الحكومي للنظام المالي، ولكنه أخطأ في معرفة مسرحية الأحداث التي تلتها. فلم يتوقع أن يستغل الديمقراطيون الفرصة، فيدفعوا بمشاريعهم اللبرالية المكلفة والغير مجدية اقتصاديا، ليعطوا الفرصة للجمهوريين، ليتهموه بأنه مبذر لأموال الدولة، ومتطرف في تأييد quot;حكومة كبيرة.quot;
وقد كرر خطئه مرة أخرى حينما وثق بمسئولي المؤسسات المالية، فأفترض بأن مسئولو المصارف الذين ساعدوا في خلق الأزمة، سيشعرون بالمسئولية لحلها والوقاية من تكرارها مستقبلا. وبالعكس، لم يبدي مسئولو الوول ستريت أية رغبة في المصلحة الوطنية، بل كانت جهودهم مركزة في الاستفادة من الدعم الحكومي لتحقيق مصالحهم الشخصية، ولم يهتموا بما سيحدث في المستقبل. كما أخطأ بثقته بمستشاريه، حينما أعتقد بأنه يستطيع أن يتدارس معهم حرب افغانيستان بسرية، ليتجنب فيتنام أخرى، ولم يتوقع تسريباتهم، ليبدو أمام منتقديه كأنه رئيس متردد. وحينما حاول تجنب أخطاء الرئيس كلينتون في مشروع الرعاية الصحية، فوض الكونجرس لوضع قانون جديد للرعاية الصحية، ولم يتوقع مرة أخرى بأن يختطف نواب الكونجرس هذا القانون، لكي ليزيدوا من شهرتهم، ويدافعوا عن مصالح اللوبيات التي تغطي تكلفة انتخاباهم، لا عن مصالح المواطنين.
ويستنتج الكاتب بتعليقه: quot;ولن نفترض بأن الرئيس لم يتعلم من إرهاصات السنة الأولى من حكمه، فالجزء الثاني من كتابه، أحلام من والدي، يوضح إمكانية مراجعة أوباما أخطاءه، وتطوير شخصيته. فقد استفاد من ذلك سابقا لكي يكون شخص وكاتب وسياسي أفضل، وقد تكون إجازته في هاواي، فرصة للمراجعة لكي يكون رئيس مؤثر. وقد يستوعب الدرس، بأن ممارسة السلطة تحتاج لأكثر من خطابات بليغة وعمل متناغم. وقد قالها رونالد ريجن بأن الرئاسة تحتاج للمهابة والغموض، وأكد لندون جونسون بأنها تتطلب موهبة مخفية من التملق والتخويف، وأثبت جون كندي بأنها تحتاج لتفهم ساخر لدوافع البشر وغرورهم. وكمثل آخر للطفولة المضطربة، أخبرنا الرئيس كلينتون، بأن الحقيقة ليست في خلق الانضباط في العالم الذي يحيط بنا، بل في أن نحب جنون الحكم قبل أن نتقنه.quot;
والسؤال لعزيزي القارئ: هل فعلا يحتاج العالم لقيادات، تتدارس تجارب العالم السابقة لتتجنب تكرار أخطائها، وتحترم الانتقاد لتستفيد من سلبياته، وتجمع شخصية بين المهابة والغموض، وموهبة مخفية من التملق والتخويف، وتفهم ساخر لدوافع البشر وغرورهم، ومعرفة حقيقة الحكم بأنه ليس في خلق الانضباط في العالم، بل في حب جنون الحكم قبل إتقانه؟ ولنا لقاء.

سفير مملكة البحرين في اليابان