قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لايوجد ربما في علم النفس مصطلح الشخصية السوريالية، لكن وعلى مايبدو أن على النفسيين أن يبتكروا مصطلحا ً يفسر شخصية العقيد معمر القذافي يشبه إلى حد ما التصور السوريالي للحياة. فالسوريالية هي حركة حداثية ظهرت بعد الحرب العالمية الأولى كردة فعل على بشاعة تلك الحرب. لقد إنعكست أفكار هذه الحركة على الفلسفة والفن والأدب وفي الخصوص في فرنسا على يد آندرية بريتون الذي ركز على تأثير العقل الباطن في حركة الإنسان مستلهما ً نظرية فرويد حول تأثير اللاشعور على حياة الإنسان. ومن مدارس السوريالية المدرسة الدادائية والتي تعتمد في أسسها على إنكار كل ماهو منطقي ومعتاد في صياغة الأفكار. ومثلا ً على ذلك يمكن لأي فرد أن يقتطع جملا ً منفردة من جرائد متعددة ومن مواضيع مختلفة ليلصقها مع بعض بورقة بيضاء فتتحول إلى قصيدة. أما من رموز المدرسة السوريالية في الفن فهو الفنان سلفادور دالي والمشهور بلوحاته التي تتجاوز حدود المنطق في تصور الأشياء.فيمكن أن تجد كل شيء في لوحات دالي كالساعات الممدة على الأرض والمطوية على حافات الأشياء معشوشبة في إشارة إستنكار لمنطق الزمن الذي نصنعه نحن. ويمكن أن تجد رأس إنسان وقد تحول إلى شجرة في أشارة للجمود والتحجر الذي يسيطر على آلة التفكير. فالرمزية سمة من سمات السوريالة. فالسوريالية تستمد أفكارها من عصر الأنوار والحركة الرومانسية في الشعر والأدب والفلسفة. إذن، هي حركة منافية للمنطق متمردة على الواقع، حيث لايمكن إلا وضعها في سلة الحركات النقدية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى كمدرسة فرانكفورت. ورب سائل يسئل. ماعلاقة عقيدنا القذافي بالحركة السوريالية؟

أعتقد أن هناك شخصيتان للعقيد معمر القذافي. الشخصية الأولى هي الشخصية التي يريد أن يبدو بها أو يريد أن يراه العالم بها، فهي شخصية مصطنعة خلقها هو عن نفسه وأراد إقناع العالم بها. فهذه الشخصية هي الشخصية السوريالية. أما الشخصية الأخرى فهي شخصية البدوي العنيف، تلك التي تحترم القوة وتخاف منها، تتمرد على قوانين الحداثة في إنتماءها القبلي الضارب أطنابه في أعماق الصحراء حيث يستمد قيمه منها. فالشخصية الثانية هي الشخصية الطبيعية التي هي نتاج طبيعي للمجتمع العربي ذي الصبغة البدوية حيث النظام الأبوي الهرمي يسيطر على طبيعة العلاقات الاجتماعية.

ولنعود لشخصية القذافي السوريالية، فهي تعتمد في وجودها على نفيها للمنطق من خلال التمرد على القانون الدولي والأعراف الدبلوماسية. فمعروف على القذافي إنه دائم التذمر من الأمم المتحدة وقوانينها، وهو يرحل مع خيمته الغالية مخلفا ً أزمات دبلوماسية في طريقة التعاطي مع عاداته البدوية. وهو يرفض أيضا ً منطق الدولة ومؤسساتها حيث يؤمن بعصر الجماهير. فلامؤسسات يعتمد عليها في ليبيا منذ أربعين عاما ً. وهو لايريد أن يسمي نفسه بالرئيس بل الأخ القائد. فهو يظهر نفسه دائما ً بمظهر الحر الذي يريد أن يتخلص من عبودية الرأسمالية، لكن ليس على طريقة النضال الشيوعي ولا الجهاد الإسلامي، بل على طريقته الخاصة. أما ملبسه فهو لايمت لأي ثقافة محددة، فهو خليط من الثقافة العربية والأفريقية والأوربية، ليظهر في ملبسه رياضيا ً أوعسكريا ً، مدنيا ً أوبدويا ً أو ربما غربيا ً، فهو يريد صناعة هوية خاصة به لايشترك معه بها أحد، وهي خليط من كل شيء. فهي أشارة ذكية لعدم التقولب في قالب معين بل هو خصوصية رافضة لكل العادات المتعارفة في الملبس. ومن سمات هذه الشخصية هو إدعاءه الفلسفة وهو بعيد عنها كل البعد. فهو كمن يقرأ كثيرا ً ويعتقد أنه صار فيلسوف. ناسيا ً أن الفلسفة لابد أن تدرس وفق منهج محدد ومعين لمعرفة أصول الأفكار فيها. وعلى قول المسلمين القدامى من ليس له معلم فمعلمه الشيطان أشارة إلى أن الإنسان يضيع في بحر الأفكار مالم يعتمد على القراءة الممنهجة مستفيدا ً من خبرة المدرس فيها. فالقذافي أراد أن يكسر منطق الإلتزام بالمنهج المدرسي ليبدع كتابه الأخضر بطريقة فلسفية مبتكرة لاتشبه طريقة ميشيل فوكو في تمرده على أدوات الفلسفة منتجا ً طريقة البحث الأركلوجي في شرح الخطابات السائدة. لقد إنعكست هذه الشخصية في طبائعها في التخبط السياسي في المواقف بين التوجه نحو الغرب ومن ثم أفريقيا أو دول أمريكا الاتينية، ومن ثم التوجه الإسلامي أو العربي ومن الآن صار التوجه نحو الهند والصين والبرازيل كقوى صاعدة. إن من دفع ومازال يدفع الثمن لهذه المواقف هو الشعب الليبي من أمواله ومستقبل أبنائه.

لكن، وعلى حد قول المثل (حك الشيء يظهر معدنه الحقيقي)، أن الشخصية الحقيقية للإنسان تظهر في الأزمات. فقد ظهرت شخصية القذافي الحقيقية بإنتمائه القبلي حين يعرض ليبيا للفرقة ويدعو للحرب الأهليه داعيا ً أنصاره للدفاع عنه. ومن ثم كان سببا ً لهجمات وتدخل خارجي ربما سيغرق ليبيا في الدماء لسنوات عديدة. فالشخصية البدوية لاتؤمن بالإستقرار في مكان ما، فهي دائمة الترحال، أما مفهوم الوطن على الطريقة العصرية فلاتؤمن به، لذلك تنزعه في أقرب فرصة وأول أزمة. وكفاك مثلا ً ماقام به صدام حسين من قبل ويقوم به القذافي الآن من خلال إعطاء سبب لتدخل أجنبي معرضا ً الهوية الوطنية للتمزق. فلو كانوا يؤمنون بالوطنية الحقيقية لضحوا من أجل هذا الوطن وتنازلوا ولو كان في أنفسهم خصاصة. وحتى في شخصيته الثانية، يبدو أن القذافي لايريد التخلص من سورياليته حين تجاوز حدود العقل والمنطق بقتله المدنيين العزل وهم من أبناء شعبه.

http://www.elaphblog.com/imadrasan
[email protected]