قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في خطبة رنانة القاها على مسامع اعضاء حزبه في (مصيف صلاح الدين \ اربيل) قبل ايام، تحدث مسعود بارزاني و البهجة تعلو محياه و الابتسامة تحتل شفتاه، عن انجازاته العظيمة في تقدم وعمران مدن و اقضية و نواحي كردستان، و قد ركز على مدينة حلبجة بإعتبارها خير دليل و مثال على صحة كلامه، و قد قال ايضا في معرض حديثه بإن اهالي مدينة حلبجة يحبونه و هو يبادلهم نفس الشعور، و لا أدري كيف تجرئ مسعود ان يتحدث عن تقدم مدينة حلبجة عمرانيا و خدميا وهو لم يزرها منذ سنوات كثيرة خلت الا مرة واحدة و لعدة ساعات و قد قاطعه حينها اهالي المدينة و لم يحتفوا بحضوره و طردوه بصورة ضمنية غير مباشرة، و في وقتنا الحالي ربما يكون مسعود معذورا لعدم زيارته مدينة حلبجة، لإن رحلاته و سفراته الى تركيا و لبنان و البلدان الاوربية للإستجمام و الترفيه عن نفسه باتت كثيرة، مما جعله ينسى حلبجة الا في الحالات و المواقف التي يصب الحديث عن هذه المدينة في صالحه و منفعته.

و اغلب الظن ان حديث مسعود عن تقدم حلبجة عمرانيا و خدميا اتى من التقارير التي ترفع له من قبل اعضاء حزبه المتواجدين في هذه المدينة و ما أدراك من هم هؤلاء الاعضاء ؟ أعاذنا الله من المخبرين الكاذبين.

الى مسعود بارزاني و الى اعضاء حزبه الديمقراطي الكردستاني كافة سيما اللذين تحدث اليهم مسعود قبل ايام، و اليك صديقي القارئ هذه السطور من احد ابناء مدينة حلبجة حيث عاش فيها ردحا طويلا من الزمن قبل ان يبتعد عنها غصبا عنه، و مع هذا هو في اتصال دائم مع احبائه و اصدقائه، و لديه حنين دائم لمائها و ترابها و روعة جبالها و اوديتها الفاتنة و خضرة بساتينها و حقولها و ضلال اشجارها الوارفة و عذوبة مياه جداولها و عيونها الغزيرة.

بعد أن أباد الديكتاتور صدام حسين مدينة حلبجة (260 كيلومتر شمال شرقي بغداد) و قلب عاليها واطيها، و دمر قراها و قتل خمسة آلاف أنسان بريء من نساء و أطفال و شيوخ لا ذنب لهم و لادخل في أي نشاط سياسي و عسكري في ثمانينيات القرن المنصرم، نرى اليوم نفس السيناريو يتكرر لكن بصور أخرى و على أيدي مجرمين و مرتزقة أكراد.

فأهالي حلبجة يقتلون و يموتون يوميا عندما يجدون ملايين الدولارات التي تأتيهم من التبرعات و الهبات الخارجية و الداخلية تذهب سودا و لا تصرف في الإعمار و المشاريع المفيدة لهم، و المدينة على حالها منذ أن قصفها صدام، و لم يصلها إلا النزر اليسير من الخدمات و كانت من نصيب المسؤولين و الأشخاص الحزبيين و هم قلة.

زيارة واحدة لحلبجة كافية كي يصاب المرء بداء (الربو) و الإختناق من جراء استنشاقه الهواء الملوث بغبار الشوارع و الطرق الترابية صيفا، و غرقه في الاوحال و بركات المياه شتاءً، فضلا عن جبال القمامة المتوزعة في الحواري و الازقة متسببة بإنتشار أمراض و أوبئة تفتك يوميا بإرواح و أجساد السكان، و الحمد لله لايوجد سوى مركز صحي واحد لا يفي بالغرض و ليس بمقدوره أستيعاب الآلاف من هؤلاء و من اللذين لاتزال أثار الكيمياوي و الغازات السامة بائنة عليهم جسديا و نفسيا.

مدينة حلبجة أستطاعت عن طريق مظلومية سكانها أن تعرف القضية الكردية بالعالم و تساعد إلى حد كبير في أن يصل كل من مسعود و جلال إلى ما وصلا إليه، لكن مع الأسف الشديد مواطنوها لايزالون يُضطهدون و يُظلمون و هم يفتقرون إلى أبسط حقوقهم المدنية، فلا تزال شوراع المدينة غير مبلطة و الكهرباء أصبحت مثل الذهب لا يستطيع أحد الحصول عليها إلا إذا كان غنيا أو مقربا من حزبي جلال و مسعود، ( تأمل في 2011 و في ظل العمران و التقدم اللذان يدعي مسعودا إنه حققهما في حلبجة خاصة و كردستان عامة، يجب أن تتوسط كي تحصل على أبسط حقوقك التي تشعرك بأداميتك، اللهم زد و بارك).

و بالرغم من مرور زهاء عشرين سنة على انتهاء الحرب العراقية الأيرانية، لاتزال أثارها باقية على مدينة حلبجة و سكانها، حيث إن معظم أراضيها باتت غير صالحة للزراعة بسبب تواجد كميات كبيرة من الالغام و العبوات المتفجرة، و تلوثها بالمواد االكيمياوية السامة التي تمنع أخضرار أي زرع و نبات.

و سكانها اللذين نجوا من ضربات القنابل الكيمياوية، فلحوا بالحياة لكن بعاهات مستديمة لا زلت بهم لحد وقتنا هذا، فمنهم اللذي فقد بصره أو ساقه أو يده... ناهيك عن إصابة البعض الآخر بأمراض جلدية مستعصية و أورام سرطانية خبيثة و خلل في وظائف الجهازين الهضمي و التنفسي.

جدير بالذكر ان عشرات المنظمات الإنسانية الاقليمية، و ذوي الخير و الأحسان من رجال الاعمال و التجارة، وهبوا المدينة من الاموال ما يكفي اعمارها و علاج امراض سكانها و يزيد، لكن لا أحد يعلم أين ذهبت و فيما صرفت كما ذكرنا، و المرضى يلتون من الالم و المدينة تشكو من أنعدام الخدمات، و سيظل الحال كذلك ما دام المفسدون يحكمون صائلين جائلين حسب مزاجهم الفردي الذاتي.

يا مسعود و يا جلال، تتشدقان في كل حين بإن حلبجة مدينة مزدهرة و لا ينقصها أي شيء و سكانها في بحبوحة من العيش، بدوري أتسأل أي عيش رغيد مع وجود أكثر من أربعة آلاف عائلة لا مأوى لها و لا سكن؟ و هي في تسكع مستمر بصورة ذليلة لاتليق بالبشر بين بيوت الايجار الطينية.

و جيل المستقبل من التلاميذ و الطلاب يتلقون تعليمهم في مدارس لا تصلح حتى لتربية الحيوانات حيث ان سقوفها من طين وأرضياتها من الحصى، في الصيف تصبح تنورا لشدة الحرارة و في الشتاء ثلاجة من شدة البرد، علاوة على هذا فإن كل ستين طالب يدرسون في غرفة لا تسع سوى عشرين طالب، مما يدفعهم أن يتناوبوا الجلوس و الوقوف فيما بينهم، أما مسؤولي المدينة فإنهم يرسلون أبنائهم و بناتهم إلى السليمانية و أربيل و دهوك كي يتلقوا التعليم على أعلى مستوى و في أنسب الاجواء و أحسن المدارس الخاصة.

و المصدر الوحيد الذي يمد سكان حلبجة بالمياه القليلة جدا هي الآبار و الينابيع الطبيعية و شلال يقع في إحدى القرى الجبلية المجاورة للمدينة، و هذه المياه متلوثة بقاذورات الصرف الصحي و روث البهائم و الحيوانات و الابقار، و قد أدى هذا الى إصابة عدد كبير من الأطفال و النساء بالفشل الكلوي و مشاكل صحية أخرى في الامعاء و الإفراز.

يا مسعود تلقى سكان حلبجة آلاف الوعود منك و من حليفك جلال بتطوير المدينة و إعمارها و كانت جميعها فقاعات مائية، فضلا عن تقديمهم مئات الطلبات للسلطات المحلية بدون أن يتلقوا جوابا عليها مما أفقدهم الثقة بحكمك و حكم حليفك جلال، فلا تستغربن و تستعجبن طردك و انت وصديقك جلال من قبل اهالي المدينة ماضيا و حاضرا و مستقبلا.

و أرجو من منظمات حقوق الإنسان و المؤسسات المدنية الدولية، أن تزور هذه المدينة المقموعة المنكوبة كي ترى و تتفقد جزءا من المآسي و المتاعب الحياتية المذكورة في هذه السطور، و يستمعوا إلى آهات الفقراء و المساكين و يرفقوا بهم و يوفروا لهم أبسط حاجاتهم و حقوقهم في العيش الكريم لإن طغاة و مستبدي كوردستان لا يوفرونها لهم، و ما ذكرناه قطرة من بحار معاناة اهالي مدينة الشهداء حلبجة معاناة لا حدود لها.


[email protected]