قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إن ما حدث في العراق ومازال يحدث فيه وفي المنطقة العربية والشرق الأوسط ككل، لم يكن مفاجئاً للولايات المتحدة الأمريكية أو خارجاً عن سيطرتها وتوجيهها وتخطيطها، إذ كانت قد درست وحللت ذلك وتوقعته منذ العام 1973، إثر تجرؤ العرب التفكير مجرد التفكير ليس إلا في استخدام سلاح النفط الخطر والمؤثر على المصالح الحيوية لهذا الوحش الكاسر المسمى الولايات المتحدة الأمريكية. ولقد وضعت عقول أمريكا الإستراتيجية خططاً كثيرة لمواجهة كافة التوقعات والسيناريوهات والاحتمالات، وحملت إحدى تلك الخطط عنوانquot; غزو العراق للكويتquot; كما ذكر ذلك المحلل الاستراتيجي الفرنسي آلان جوكس في كتابه أمريكا المرتزقة الصادر سنة 1990، وجاء في الكتاب أن من وضع تلك الخطة هو الجنرال شفوارتزكوف الأب سنة 1973 ونفذها نورمان شفوارتزكوف الإبن في عهد رئاسة جورج بوش الأب في حرب الخليج التي حررت الكويت من الاحتلال العراقي إلا أن الرئيس الأمريكي ارتأى آنذاك، وبتدخل وإلحاح من قبل حكام الخليج وعلى رأسهم السعودية والكويت، إبقاء صدام حسين على سدة الحكم لأكثر من عقد من الزمن وسحق انتفاضة الشعب العراقي المجيدة التي حررت 14 محافظة من مجموع 18 من قبضة الطاغية، والتي حرض عليها الرئيس الأمريكي نفسه، بعد أن سمح لصدام حسين استخدام السلاح الثقيل والطيران والآلة العسكرية الجبارة، المتمثلة بالحرس الجمهوري، والتي لم تمس أثناء الحرب، حيث نجح صدام في ذبح مئات الآلاف من الثوار العراقيين المنتفضين ضد حكم الاستبداد وتمكين هذا الحاكم المستبد من رقابهم. ومن ثم جاء جورج دبليو بوش الإبن ليكمل مشوار أبيه ويستكمل مشروع تدمير العراق وإرجاعه إلى الوراء نحو نصف قرن وتركه ضعيفاً وعرضة للأطماع والابتزاز من قبل القاصي والداني حيث صار يتجرأ عليه وعلى سيادته حتى أضعف الدويلات علب الكبريت المسماة دول والتي كانت ترتعب من مجرد تعكر مزاج الحكام العراقيين على اختلاف مشاربهم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وصارت اليوم تتحكم بمصير دول عربية كبيرة كمصر والعراق وسورية والجزائر.

جاءت أحداث 11 أيلول 2001، التي من المؤكد أن للإدارة الأمريكية السابقة ضلع فيها على نحو مباشر وسري أو غير مباشر من خلال تجاهل التحذيرات التي وصلت إليها من الدوائر الإستخباراتية الدولية قبل وقوع الكارثة، لتتخذها ذريعة لشن هجوم شبه صليبي، على حد توصيف العديد من المراقبين والمحللين الدوليين، على العالمين العربي والإسلامي، وقد بلور الرئيس الأمريكي وعصابته اليمينية مفهوم quot; محور دول الشر، وهي العراق وإيران وكوريا الشمالية، وكان ينوي وضع سورية بديلاً عن كوريا الشمالية لكن مستشاريه نصحوه بعدم المبالغة واستعداء واستفزاز العرب والمسلمين الذين سيبدون وكأنهم هم وحدهم المقصودين بهذه الهجمة. منذ تلك اللحظة وضعت بغداد على مرمى الإصابة الأمريكية حتى في خضم الاستعدادات العسكرية الأمريكية التي كان يعدها جورج دبليو وبوش ونائبة المتشدد والقوي ديك تشيني ضد القاعدة وطالبان في أفغانستان، إذ كان العراق حاضراً في كل خطوة وفي كل لحظة وخطة، بل هناك تأكيدات اعترف بها مقربون عسكريون وأمنيون نشروها فيما بعد في مذكراتهم، تؤكد أن العراق كان هو الذي يحظى بالأولوية في كل النقاشات والتحضيرات السياسية والعسكرية والإستراتيجية والاقتصادية في أمريكا إلى حد الهوس.

كان الأمريكيون ينتظرون من حلفائهم في الغرب، وبالأخص في أوروبا، دعماً وتأييداً كاملاً وغير مشروط على الصعيدين الدبلوماسي السياسي والعسكري، بينما كانت باريس تنظر بعين أخرى ولها نظرة مختلفة لما تحضره واشنطن في الخفاء للمنطقة الشرق أوسطية وعلى رأسها العراق لأنه يمثل رأس الثعبان كما كان يصفه وزير الدفاع الأمريكي السابق دونالد رامسفيلد.

كان الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك ووزير خارجيته آنذاك دومينيك دوفيل بان يرون بأن شن هجوم عسكري على العراق أمر غير مبرر وغير ضروري من وجهة نظر القانون الدولي. وقالا بضرورة الفصل بين المسألة العراقية وملفي القاعدة وأفغانستان، لأن المغامرة العراقية تنطوي على مخاطر كبيرة يصعب التكهن بتداعياتها ومن العسير إدارتها أو السيطرة عليها. فالمشكلة كما رأت باريس لا تكمن في الحرب بحد ذاتها بل بما سيحدث بعد الحرب وكانت نظرة باريس هي الصائبة. فالأمريكيين لم يفكروا بعواقب الغزو والاحتلال وما سيتمخض عنهما من مشاكل وتعقيدات مأساوية سيدفع ثمنها المدنيون الأبرياء والعزل، في حين كانت فرنسا بماضيها الاستعماري وما خاضته من حروب شنها الثوار من أجل التحرر الوطني في المنطقة، تدرك ذلك جيداً، وهذا ما يذكرنا بخطاب الجنرال ديغول في بنوم بنه عندما حذر أمريكا من عواقب ومخاطر الانزلاق في فيتنام وكان محقاً في تحذيراته فكلنا يعرف ما حصل للفيتناميين وللأمريكيين على حد سواء من كوارث ودماء وتضحيات وهدر للثروات وآلاف الضحايا والمعوقين.

بلغ التوتر الدفين بين باريس وواشنطن أوجه في أروقة الأمم المتحدة في 14 شباط 2003 حيث كان العالم يحبس أنفاسه بانتظار نتائج المبارزة الدبلوماسية بين باريس وواشنطن بشان الملف العراقي والجميع يتابع وعلى الهواء مباشرة من داخل صالة مجلس الأمن الدولي تفاصيل هذه المعركة، عندما نزع رئيس الدبلوماسية الفرنسية قفازه وأعلن صراحة وبلا مواربة وبجرأة نادرة أن فرنسا يمكن أن تسحب دعمها لواشنطن التي تحضر لعمل عسكري غير قانوني وكاد أن يسميه عدوان عسكري، وكان يصفه بهذه الصفة في جلساته الخاصة للإطاحة بصدام حسين المشتبه بحيازته ترسانة من أسلحة الدمار الشامل. وفي الجهة الأخرى من ساحة المواجهة أو المبارزة الفرنسية الأمريكية، كان يقف وزير الخارجية الأمريكية في ذلك الوقت وهو الجنرال السابق كولن باول، الذي كان رئيساً للأركان إبان حرب تحرير الكويت في 1990 1991 من القرن الماضي، ويعتبر العنصر الأكثر اعتدالاً في الفريق الأمريكي الحاكم في إدارة جورج دبليو بوش الأولى، والذي غدا محرجاً أمام رئيسه لأنه كان يدافع بضراوة عن ضرورة التنسيق مع المجموعة الدولية قبل خوض المعارك والحصول على الغطاء القانوني للحملة العسكرية، ولكن ها هو يرى كيف ارتسمت أمامه ملامح خيانة باريس وبالتالي كان لا بد أن يتصدى لها مدافعاً، رغماً عنه وعلى العكس من قناعته، عن مواقف بلده على الجبهة الدبلوماسية من خلال معركة كلامية قاسية تحول فيها صديقه الفرنسي دومينيك دوفيل بان إلى خصم شرس.

بدأ الوزير الفرنسي المعركة الدبلوماسية بخطاب ذو أسلوب شعري وأدبي محبوك وغير مألوف في الدوائر الدبلوماسية أكد من خلاله موقف فرنسا المبدئي في احترام القانون الدولي ومعارضتها للحرب على العراق قائلاً :quot; إن استخدام القوة العسكرية ضد العراق غير مبرر قانونياً وإن بلدي قد يضطر لاستخدام حق النقض الفيتو لمنع صدور قرار عن مجلس الأمن يخول واشنطن باستخدام القوة العسكرية quot; جاءت كلماته هذه لتثير إعجاب البعض الذي صفق لها كثيراً، وامتعاض البعض الآخر. ثم واصل خطابه قائلاً :quot; في معبد الأمم المتحدة هذا، نحن حراس المثال الأعلى، نحن حراس الضمير الجمعي، فالمسؤولية الثقيلة الملقاة على عاتقنا والشرف الكبير العظيم الممنوح لنا، يجب أن يقودانا إلى أن نعطي الأولوية لنزع السلام في إطار السلام وليس الحرب. إن بلداً شيخاً هو فرنسا، في قارة عجوزة هي قارتي أوروبا، هو من يقول لكم ذلك بعد أن عشنا الحروب والاحتلال والبربرية، بلد لم ولن ينسى، ويعرف بماذا يدين، للمحاربين من أجل الحرية الذين جاءوا من أمريكا ومن غيرها من البلدان لتحرير بلدي من الاحتلال، والذي لم ينفك أن يقف شامخاً أمام التاريخ والبشر، مخلصاً وأميناً لمبادئه ويريد أن يتحرك اليوم بحزم وصرامة برفقة باقي أعضاء المجموعة الدولية، وهو يؤمن بقدرتنا في أن نبني معاً عالماً أفضلquot;. بدا هذا الخطاب وكأنه موجهاً للجمعية العمومية بأعضائها الـ 191 وللمراقبين الدوليين وللعالم أجمع وليس فقط لثلة من الدبلوماسيين الذين يمثلون خمسة عشر دولة 15 مجتمعين حول طاولة مستديرة في مجلس الأمن. لقد أثار ذلك الخطاب موجة من الغضب داخل أروقة الدبلوماسية في كل من واشنطن ولندن ومدريد ووارشوا وغيرها من العواصم المؤيدة لواشنطن والمتجمعة في ما سمي بالتحالف الدولي الطوعي. ومقابل ذلك وقف وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية كولن باول جاذباً الأنظار واهتمام وسائل الإعلام العالمية وهو يعرض في مجلس الأمن، بالصور والخرائط، quot; المزورة طبعاً quot; إمكانيات النظام العراقي السابق التدميرية المفترضة وحيازته لأسلحة الدمار الشامل، رغم قناعته الشخصية الداخلية بعدم جدوى هذه الحملة العسكرية المكلفة والخطرة، فهو ضد الغزو إذا لم يحظ بمباركة ودعم وتأييد الأمم المتحدة والمجموعة الدولية كما كان الحال في حرب 1990 ضد صدام حسين نفسه. لكنه بعد أن لمس بما لا يقبل الشك عزم فرنسا عرقلة جهوده وتعطيل هذه المحاولة ومنع صدور قرار من مجلس الأمن يبارك الحرب، ارتد إلى معسكر الصقور في الإدارة الأمريكية بقيادة ريشارد تشيني ودونالد رامسفيلد واستسلم لقرار رئيسه بشن الحرب منفرداً وبدون موافقة دولية ولا غطاء قانوني دولي. ومن ثم صار ينشط من أجل العمل العسكري الأمريكي في العراق معللاً موقفه بما لديه من أدلة وهو يعرض للجميع علبة دواء صغيرة فيها سموم كيميائية أو جرثومية قال أنها كافية لإبادة آلاف الأرواح البشرية إذا كانت بين يدي مجرم مثل صدام حسين الذي سبق له أن استخدم الأسلحة الكيميائية ضد الإيرانيين، بل وحتى ضد شعبه الكردي، وهو يمتلك الكثير من الأسلحة الكيميائية والجرثومية الفتاكة مثلما يمتلك القدرة على إنتاج المزيد منها وربما القدرة على إنتاج السلاح النووي أيضاً لذا لا بد من إطاحته والتخلص منه لصالح البشرية والأمن والسلم العالميين حسب خطاب باول. وهكذا انقسم العالم إلى مؤيد للحرب بقيادة واشنطن وبتأييد جزء من بلدان أوروبا الغربية والشرقية سابقاً وعدد كبير من البلدان العربية، ومعارضة روسيا وفرنسا وألمانيا وإلى حد ما الصين وجزء صغير من الدول العربية. كانت العاصمتان، باريس وواشنطن، قد أعدتا بعناية بالغة هاتين المسرحيتين الدبلوماسيتين إلا أن الأمر وقف عند هذا الحد بالنسبة لباريس بعد أن صرح رامسفيلد مهدداً، بأنه يجب تجاهل ألمانيا ومسامحة روسيا ومعاقبة فرنسا، إذ لم تتجرأ باريس في المضي إلى ابعد من ذلك بينما واصلت واشنطن تنفيذ مخططاتها الموضوعة منذ عقود والتي بدأت بالعراق منذ العام 1980 عندما ورطته في حرب الثمان سنوات العبثية مع إيران لاستنزافه عسكرياً وسياسياً ومادياً واقتصادياً وبشرياً إلى حد الدمار الكامل حيث خرج منها مثخناً بالجراح والآلام ومفلساً اقتصادياً. ثم أغرته للانزلاق في فخ غزو الكويت بخدعة حاذقة لجره لمغامرة مميتة حيث قامت بتدمير ما بقي لديه من بنى تحتية مع الحفاظ على النظام في السلطة لأكثر من عقد من الزمن إثر توسل دول الخليج بها لإبقائه ضعيفاً مقصوص المخالب في السلطة ومنع وصول الشيعة للسلطة العليا لأنهم يشكلون عليهم خطراً يفوق خطر صدام حسين عليهم. وانتظر الأمريكيون سنة 2003 لاستكمال مشروع تدميره الكامل وإخراجه من معادلة الشرق الأوسط الإستراتيجية وإغراقه في المشاكل والمخاطر الداخلية والتهديدات أو التدخلات الخارجية في شؤونه الداخلية من جانب إيران وتركيا والكويت والسعودية ودول الخليج والأردن وسورية وتعريضه لمخاطر التقسيم والصراعات الطائفية الداخلية والحروب الأهلية والفتن الطائفية وإغراقه في فوضى عارمة والتخبط في سياسة المحاصصة واللبننة إلى أبد الآبدين. وبعد خراب البصرة هيمنت أمريكا بكل آلتها الحربية الفتاكلة على كل مفاصل الحياة في العراق ولم تفعل شيئاً لانتشاله من مأساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بل ارتكبت أخطاء فادحة حين نصبت في السلطة رجالها المخلصين والتابعين المنفذين لأوامرها وهم معروفون من قبل الشارع العراقي فتاريخ كل واحد منهم معروف ومفضوح لذلك حرص المخلصون من بين هؤلاء السياسيين، ممن لم تربطه علاقات سابقة بواشنطن، النأي بنفسه من تهمة العمالة لأمريكا، وكلنا يتذكر جملة رئيس الوزراء العراقي الأستاذ نوري المالكي الشهيرة في بداية عهده والتي أطلقها على الملأ علناً قائلاً:quot; لست رجل أمريكاquot; وهو قطعاً ليس رجل إيران كما يتهمه الكثيرون وأنا أعرف شخصياً طبيعة العلاقة التي تربطه بإيران وهي بعيدة كل البعد عن أن تكون علاقة تبعية وخضوع، وهاهو مرة أخرى وفي قلب واشنطن يقول للأمريكيين أنه ممتعض من مناوراتهم غير المقبولة وتدخلاتهم التي تنتهك سيادة العراق واستقلاله بعد أن رفض التمديد لقواتهم بالبقاء في العراق والتمتع بالحصانة والعمل خارج القوانين العراقية، وقد سبق له أن واجههم بشجاعة عندما انكشف سر تفاوضهم مع قوى وجماعات مسلحة عراقية خارجة على القانون من بقايا حزب البعث المنهار والمنضوية تحت غطاء ما يسمى المجلس الوطني للمقاومة العراقية وكانت تلك المفاوضات السرية قد حدثت في أنقرة في تركيا وربما بعلم من بعض القيادات العراقية في القائمة العراقية والتي يوجد لبعض القادة فيها علاقات حميمة مع تركيا كنائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي أو غيره حتى قبل تفجر فضيحة ممارساته التي أدت إلى إصدار مذكرة إلقاء القبض عليه بعد اعترافات حمايته الشخصية في عمليات إرهابية بتوجيه شخصي منه. لقد اعترف الأمريكيون كعادتهم البراغماتية بذلك ولم ينكروه بل لم يشعروا بأي حرج ولم يقدموا أي تفسير لائق ومقبول للسلطة العراقية الشرعية المنتخبة.

بعض القيادات العسكرية الأمريكية لم تكن ترغب بالاعتراف بأنها سوف تخرج من العراق إلى أن تحقق ذلك عملياً في 31 ديسمبر 2011 ولم يعد لها كلمة مسموعة في بلاد الرافدين ولن تستطيع إملاء أوامرها أو تمرير مخططاتها بسهولة وبدون إعتراض من قبل بعض القيادات والقوى السياسية العراقية الوطنية. لذلك بات على الأمريكيين أن يفهموا ويتقبلوا أن العراق لم ويعد ولاية تابعة لهم يتحكمون بها كيفما يشاءون لأنهم اعتدوا بلا مبرر قانوني وبذرائع واهية وبلا تفويض من قبل الأمم المتحدة، على بلد عضو مؤسس لهذه المؤسسة الدولية، صحيح أنهم ساعدوا الشعب العراقي على التخلص من الطاغية وحكمه الاستبدادي والوحشي لكن هذا لا يمنحهم الحق بالتحكم بمصير هذا البلد ومستقبله، وهم لم يفعلوا شيئاً جدياً لإخراجه من وصاية الأمم المتحدة وتخليصه من براثن البند السابع، كما أن الشعب العراقي لم يطلب منهم شن الحرب على العراق وتدمير بناه التحتية ومؤسساته، وقد تكون الإيجابية الوحيدة للتدخل العسكري الأمريكي هي إطاحة الطاغية وتسليمه للعراقيين لمحاكمته ومعاقبته على جرائمه التي لاتعد ولاتحصى، في حين تحول وجودهم كطرف محتل إلى مصدر للاضطرابات والفوضى والعنف والقتل العشوائي ومبرراً للعمليات الإرهابية بحجة محاربة المحتلين والتي أعلنها وتمترس خلفها كل من هب ودب من مجرمي الحرب من أتباع الدكتاتور المقبور أو من أتباع تنظيم القاعدة الإرهابي ومن لف حولهم أو تعاون معهم من عتاة المجرمين والقتلة الذين كلما سيطروا على منطقة حولوها إلى مقبرة جماعية وبقعة أحزان وبؤس وكتلة من المحرمات تسودها الحياة البائسة التي تفتقد لكل مظاهر الفرح والبهجة ومظاهر الحياة السعيدة ويوسمها الانغلاق والحداد الدائم والبكاء والسواد والكآبة وكأنها غارقة في القرون الوسطى حيث يهيمن عليها العنف والتخلف والمحاكم الإسلاموية الشهيرة الموسومة بقطع الرؤوس وذبح الضحايا كالخراف وإخماد الأصوات المعترضة بقوة السلاح والنار.

إذا كان الاستقرار الأمني هشاَ فلأن الأمريكيون أرادوه أن يكون هكذا لكي يبقى العراق معتمداً عليهم في كل شيء يخص أمنه واستقراره وعافيته ولم يقوموا بأية خطوة جدية في طريق تجهيز وتسليح وإعداد وتأهيل الجيش العراقي وقوات الأمن والشرطة والاستخبارات العراقية لكي تقوم بحماية البلد ومنع القوى الإرهابية وعصابات المجرمين من أن تعيث بالأرض فساداً وتقوم بانتهاك القوانين وإشاعة الفوضى وممارسة جرائمهم بحرية وبلا رادع ولا خوف من عقاب أو عواقب.. فهم يأملون أن يعود العراق إليهم صاغراً ويطلب منهم من جديد إعادة قواته وهذه المرة بتغطية تكاليفهم من الخزانة العراقية وعلى حساب ميزانية الشعب مع منحهم بالطبع الحصانة لكي يرتكبون جرائمهم بلا خوف أو تردد بحجة محاربة الإرهاب الذي جلبوه هم معهم عند غزوهم للعراق.

بقي العراق مكشوف الظهر والرأس وبحاجة لسلاح متطور وحديث سيما السلاح الجوي والطائرات والرادارات وأجهزة ومعدات مكافحة الإرهاب وكشف العبوات الناسفة الخ..، بغية مواجهة المخاطر التي تتربص به داخلياً وإقليمياً ودولياً، علماً أن بإمكان العراق بالطبع الحصول على هذا السلاح من سوق السلاح الدولية ولا حاجة به للاعتماد على السلاح الأمريكي المقيد بشروط تعجيزية وبارتفاع أثمانه، فطائرة الأف 16F التي ستبيعها الولايات المتحدة الأمريكية للعراق لا تشبه في شيء، ولا يمكن مقارنتها بنفس الموديل الذي يباع لإسرائيل إضافة إلى زرع فيروسات في نظامه الالكتروني يمكن تنشيطها في أية لحظة من داخل واشنطن لتعطيل عملها وفعاليتها وتحويلها إلى كومة من الحديد، فبإمكان العراق شراء الأسلحة من فرنسا وبريطانيا وألمانيا وروسيا والصين إلا أنه يتعرض لضغوط مكثفة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وما قصة المفاوضات السرية مع فصائل متمردة ومسلحة، والتلميح لبعض القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية والمختلفة مع الحكومة المركزية أن بإمكانها التصرف كيفما تريد حتى لو استخدمت القوة ضد السلطة المركزية العراقية، وأن أمريكا لن تتدخل لحل النزاعات بين الأطراف المتنازعة حتى لو تطورت إلى مجابهات مسلحة لا سمح الله، ليس سوى رسائل مشفرة ووسائل خبيثة لبعث رسائل ملغمة للعراقيين لكي لايخرجوا عن خط الطاعة للقيادة الأمريكية.

[email protected]