في ظل آمال وطموحات واسعة لشعب مصر، إنعقدت أول جلسة لأول برلمان مصري منتخب إنتخاباً ديمقراطياً حراً ونزيهاً رغم بعض المخالفات الشكلية،بل أول برلمان لم يشهد تزويراً فجاً وكريهاً كما كان يحدث من قبل،هي بالفعل لحظة تاريخية نادرة في حياة المصريين،تحتاج الي التوقف والتمعن في نتائجها الحالية وثمارها المستقبلية.

لم يكن أحد يحلم قبل الثورة بأن مجلساً ديمقراطياً يضم كل ألوان الطيف السياسي المصري سينعقد بمثل هذه الصورة، خاصة بعد أن سخر حسني مبارك في جلسة إنعقاد برلمان 2010 المزور من النشطاء السياسين ورموز المعارضة اللذين احتجوا علي التزوير وقرروا إنشاء برلمان موازي وقال عنهم بنبرة ساخرة : quot;خليهم يتسلوا quot; رافقها آنذاك قهقهة المزوريين من أعضاء المجلس.

إذا كنا بدورنا قد سخرنا نحن أيضاً من قول حسني مبارك في مجموعة من الشرفاء اللذين تصدوا له آنذاك، إلا أن اللحظة الفارقة الآن تستدعي منا أن ننظر بعين الإعتبار الي الأعضاء الجدد اللذين آتي بهم الشعب في هذه المرحلة الفارقة جداً من التاريخ المصري الحديث، نتطلع إليهم وننتظر منهم لحظة العمل ولحظة إتخاذ القرار وسن التشريعات التي تعيد للمصريين كرامتهم وحقوقهم التي ظلت محتجبة عنهم طيلة 30 سنة في ظل حكم الديكتاتور المخلوع الذي لم يفعل لشعبه شيئاً سوي الإمعان في إفقاره وتهميشه.

النواب الجددد أمامهم أختبار صعب للغاية،فهم أمام تركة ثقيلة من الخراب والدمار التي تركها لهم نظام مبارك، وربما أصدق تعبير عن تلك الحالة هو ما وصفه مبارك نفسة عندما سأله أحد الحكام العرب عن قضية توريث الحكم لنجله فرد عليه مبارك قائلاً: أورثه ماذا quot;خرابةquot; والخرابة كما يعّرفها المصريون هي المكان المهجور الذي يمتلئ بالحشرات وبقايا الفضلات، لذلك فإن الشعب يريد من النواب الجدد إحياء الخرابة وتنظيفها من الأفاعي والفئران بغض النظر عن اتجاهاتهم أو ايدولوجياتهم، ينتظر منهم نتائج وقرارات وتشريعات تصب كلها في صالح المواطن الفقير الذي كان مبارك دائم التأكيد بالقول البليغ انه منحاز له في وقت كان الجميع يضحك علي ذلك الكذب البين المشين.

لم يعد في معين المصرين مزيد من الصبر والإحتمال ولن يؤثر فيهم مشهد بعض النواب الشباب وهم يتشحون في جلسة البرلمان الأولي بأوشحة تحمل الشعارات البراقة التي تؤكد وقوفهم مع الثورة والثوار، فأمر إتخاذ القرار أصبح في أيديهم الآن، المصريون لن يستمعوا الي شعارات من بيده الفعل الآن،ولا لمن يقول اعطونا الفرصة، ولا لمن ورثquot; خرابة quot;، فمنذ إنطلاقة الثورة لم يتحقق شئ حتي الآن فقد فشل العسكر في سرعة إتخاذ قرارات رادعة حول الفاسدين،وحول أموال مصر المنهوبة في الداخل والخارج، والتي مازالت تهّرب، في نفس الوقت الذي راحت فيه الحكومة مرة أخري في طلب معونة من صندوق النقد الدولي رغم شروطها وهو الذي يعود ويطرح نفس السؤال القديم الجديد عن حقيقة الصناديق الخاصة التي ظلت مخفية عن ميزانية الدولة طيلة سنوات حكم مبارك والتي تصل الي تريليون جنيه مصري!

الشعب ينتظر سد الفجوة التي إتسعت في عهد النظام السابق وقسّمت المصريين الي أسياد وعبيد،فقراء وأغنياء، إختفاء كامل للعدالة الإجتماعية لهذا السبب كانت النتيجة التي حصل عليها الإسلاميين متوقعة، فواقع المصريين المهمشين والفقراء هو بلا مبالغة أشد بؤسا من البؤس نفسه، لذلك سارع الناس الي إعطاء أصواتهم الإنتخابية للإسلاميين، الذين وافقهم الصواب في كل تصريحاتهم عن العدالة الإجتماعية ووضع الفقراء والمهمشين والمحتاجين وضحايا الثورة علي أولويات عمل البرلمان في المرحلة المقبلة.
أمل كبير وتفاؤل أكبر يعيش فيه المصريون الآن مع أول جلسات هذا البرلمان الحر فهل سيحقق لهم طموحاتهم؟ وهل ستعود العدالة الإجتماعية؟ وهل سيشعر الفقراء لأول مرة بالانسانية التي انعم الله بها علي البشر غير أن الحكام الظالمين انتزعوها منهم عنوة وإفتراءً.

[email protected]