قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قديما قال الشاعر quot;وكم ذا بمصر من المضحكاتquot;. واليوم يصح القول: quot;وكم في العراق من مضحكات الحكام ومآسي المواطنين!quot;
هؤلاء الذين تطاردهم أجهزة الأمن وتغتالهم المليشيات الظلامية الدموية بتفجير رؤوسهم، لم يسرقوا فلسا واحدا من أموال الشعب، ولم يطالبوا بسيارات مصفحة ستكلف الدولة 50 مليون دولارا [مع كميات كثيرة من السلاح]، والتي ستعطى لنوابنا المحترمين- الذين لهم فوق كل هذا أفراد حراساتهم المدفوعي الأجر من أموال الشعب. وهؤلاء المطاردون، المتهمون بعبادة الشيطان ومص الدماء، لم يزورا الشهادات المدرسية والجامعية للحصول على مناصب كبيرة، ولم يفجروا قنبلة تقتل الأبرياء، وليسوا ممن سبق وطاردوا المسيحيين والصابئة الأيزيديين، و كانوا- من قبل- في فدائيي صدام، ثم انخرطوا -فيما بعد- في جيش المهدي بزعامة من هو اليوم طرف أساسي في السلطة، والذي يستعد لتنظيم مظاهرات احتجاج باسم quot; يوم المظلومquot; في ذكرى حرب إسقاط النظام الصدامي؛ ويا ترى من هو الظالم ومن المظلوم؟!
quot;جريمةquot; شباب [ الإيمو] هؤلاء أنهم اختاروا عادات تبدو نشازا في بلد تحول إلى بلد المناحات وشج الرؤوس والدق على الصدور، ونهب الأموال. لقد اختاروا أنواعا من الموسيقى والغناء والملابس كهواية وكاحتجاج على التهميش والوضع المأساوي العراقي- كما قال عدد من الكتاب العراقيين. ولكن الغناء والموسيقى صارا، في بلد حضيري وزهور حسين والقبنجي وحسين نعمة والأخوين بشير وسلمان شكر وغيرهم، حراما في حرام- على وزن quot; باكو حرامquot; في نيجيريا، وهم من القاعدة بامتياز. وخطيئة شباب الإيمو، المهددين من الحكومة والمليشيات معا، أنهم اختاروا طرازا جديدا من العيش قد يكون شاذا ولا تقبله غير أقلية، ولكنها الحرية الشخصية التي لا تشكل عدوانا على أحد، ولا تنتهك الدستور، الذي ينتهكه يوميا الطرف الممسك بالسلطة كلما لم يعجبه أن يطبق من هم quot;غير مرغوب فيهمquot; هذا البند أو ذاك من بنوده.
في عراق اليوم أعاجيب، ولكنها تنذر بالمزيد من الكوارث القادمة. وإن القبضة البوليسية تزداد قسوة وتضييقا على الحريات الشخصية والعامة. وبينما يتركز هم المسئولين والبرلمانيين على تحقيق المزيد من الامتيازات، فإن عدد من هم تحت خط الفقر يبلغ حوالي ثلث السكان، يضاف إليهم من هم في أوضاع معيشية صعبة، مع، أو فوق خط الفقر بقليل، ناهيكم عن البطالة المستفحلة، ومشاكل الأرامل واليتامى. وهذا فيما مياه الرافدين تجف تدريجيا بفعل نهب إيران وتركيا، والفساد في منأى عن المساءلة، وعمليات الإرهاب اليومية تتصاعد وهي تنسب دوما للقاعدة وحدها، التي يقال إنها غادرت لسورية في نفس الوقت التي تستطيع معه أن تنفذ عشرين عملية في يوم واحد في أنحاء العراق!
شباب الإيمو، وهم أقلية صغيرة من الشباب المحب للموسيقى والموضة الغريبة، صاروا هم الخطر الأكبر مع القاعدة، أما ميلشيات بدر وجيش المهدي وكتائب اليوم الموعود وكتائب أهل الحق وحزب الله العراقي، فهم في صميم quot; العملية السياسيةquot; المحترمة! والغريب ان وزارة الداخلية- التي يشرف عليها السيد المالكي- تعتبر أن القضية ليست في عمليات الاغتيال البشع لفريق من الشباب المسالم -[ قتل لأسباب اجتماعية وثأرية كما يزعمون]- وإنما القضية في فضح الصحافة والكتاب لهذه الجرائم وإدانتها، واعتبار أن هذا [ أي ممارسة حرية الصحافة والتعبير] هو ما يهدد أمن البلاد!ا
وهكذا، سوف يعقدون القمة العربية ليقدموا للعرب والعالم النموذج الأرقى من الدولة المدنية الديمقراطية، ومن انسجام الطبقة الحاكمة، ومن الاهتمام المركز بمشاكل البطالة والأرامل واليتامى ومكافحة الفساد، ومن مقاومة الهيمنة الإيرانية، وليعطوا دروسا في كل هذه الميادين لغيرهم من الحكام العرب!
أجل، وكم ذا في العراق...!!quot;

ملاحظة: بعد كتابة المقال قرأت في الشرق الأوسط مقالا لكاتب عراقي يدافع عن إجراءات الحكومة ويعتبرها quot; تهذيبية نابعة من غايات نبيلة تراعي الانتماء الإسلامي ألخquot;!!! وينتقد الصحف والكتاب الذين أدانوا مطاردة هؤلاء الشباب. ولا نعرف كيف يكون السجن ونشر الأسماء للتشهير، وصولا للقتل وتفجير الرؤوس تهذيبا! كان خير الله طلفاح يدافع هو الآخر عن quot; الفضيلة والانتماء الإسلاميquot; في السبعينات حين كانت الشرطة تطارد الفتيات بحجة أن ملابسهن قصيرة، ثم تصبغ أرجلهن وهن مرعوبات وإحداهن توفيت. ويحدثنا الكاتب عماد رسن عن فترة الثمانينات زمن صدام أيضا بمطاردة بعض الشباب الذين كانوا يلبسون سراويل الكاوبوي العريضة، ويصففون شعرهم بشكل مختلف، ويجتمعون معا للرقص على أنغام البربك دانس. وقد أنيط بوزير الداخلية ملاحقة هؤلاء وسجنهم. أما حكام اليوم ومليشياتهم، فقد تجاوزوا إجراءات تلك الفترة quot; التهذيبيةquot; إلى العقاب الجماعي، وحتى إلى الموت الوحشي! ويا له من تطور إنساني وديمقراطي! ولكنها ثقافة العنف المهيمنة حتى في التعامل مع تلاميذ الابتدائية.