عندما نتحدث عن القطاع الاسود فإن هذا و بالضرورة يجرنا الى الحديث عن القطاع غير المهيكل، و نجد مجموعة من التعاريف لهذه الظاهرة المركبة كتعريف دو صوتو الذّي يعرّف القطاع غير المهيكل من حيث هو المجال الخارج عن القانون، بحيث ان من يشتغل في هذا القطاع هو بمثابة خارج عن التّقنين الحكومي (1) ، ولو امعنا التفكير كرونولوجيا لوجدنا هذه المهن ليست حديثة العهد بحيث يصعب التأريخ لها، رغم ان هذا المفهوم ظهر عمليا سنة 1973 في دراستين للمكتب الدّولي للشّغل حول التّشغيل في كلّ من كينيا وغانا، الا انه ولحدود الساعة لم تتم معالجة هذه الظاهرة بشكل فعال في الدول النامية بشكل عام و المغرب بشكل خاص، فالقطاعات الانية او العصرية التي تتأطر بقوانين تحمي الشغيلة يجعل منها قطاعا مهيكلا او منظما رغم ما يعتريه من مشاكل ذات طبيعة مركبة دائما ما تظهر على السطح.
كلما قمنا بتحليل نسقي لاقتصاد الدول العربية نجد انها تعتمد في منظومتها الاقتصادية على شبكة من الانشطة، يأتي البترول في مقدمتها بالنسبة للدول المنتجة له اما بالنسبة لغير المنتجة للبترول فبنيتها الاقتصادية و منذ عصر ما قبل العصر البلطمي ترتكز على الزراعة، لكن النشاط الزراعي تراجع لعوامل عدة خاصة تلك المتعلقة بمشكل الماء بالإضافة الى التأثير البالغ للتنافسية الخارجية،فارتفاع ثمن المنتوج المحلي نظرا لتكلفته رغم ما يحمله من جودة جعله يفقد مكانته لحساب المنتوج الخارجي، وهكذا اصبح النشاط الزراعي يفقد بريقه شيئا فشيئا، لكن معظم الباحثين في الاقتصاد العالمي و اقصد الباحثين المحليين بشكل خاص يرجعون سبب هذا التراجع للسياسات المعتمدة لأنها لم تحاول تحصين المنتوج المحلي.
ومع توالي الاحتجاجات على سياسات الدولة من طرف مكونات المجتمع المدني وجدت الدول العربية خاصة الغير مصنعة للبترول نفسها مجبرة على البحث عن مخرج للأزمة الداخلية التي اصبحت في تزايد وهي ظاهرة البطالة، فاعتمدت بذلك على سياسة الاستثمارات الأجنبية وتشجيع التجارة المحلية ـ الصناعة التقليدية ـ وهذه السياسة كانت وبدون شك الحل الامثل للتقليل من خطورة الوضع الداخلي والتخفيف من الضغط على المشتغلين في الحقل السياسي بالأساس حيث همهم الشاغل هو الاستقرار و الحفاظ على التوازنات، وبوجود استثمارات يقل حجم الفئة المعطلة، لكن الضرائب المفروضة على المستثمر جعلت من هذا القطاع يعرف منعرجات شكلت خطرا حقيقيا على المجتمع و اقتصاد الدولة ككل.
التهرب من الضرائب والبحث عن الية جديدة لتصريف الضغط على الشركة هو الهم الاكبر الذي شغل المستثمر الاجنبي، لدى تم انتاج قطاع جديد ـ القطاع غير المهيكل ـ بمعية من هذه الشركات حتى لا تقل ارباحها و لا تؤثر عليها الضرائب على اعتبار ان التراكم الرأسمالي هو عنصر رئيسي في الاستثمار(2) ، لكن هذا القطاع الجديد انتج جملة من المشاكل الاجتماعية التي اصبحت تهدد استمرارية ثقافة المجتمع العربي المتمثلة بالأساس في القواعد التي عمل على بنائها منذ زمن، ثنائية الثقة و المكر اصبحت متغيرات اساسية في العملية الاقتصادية، فالسمات التي تعارفت عليها الامة العربية في تنظيم عملية البيع و الشراء لم تعد غاية في ذاتها بل اصبحت مجرد وسيلة لا اكثر.
في الغالب الأعم نجد القطاع المهيكل يرقى الى مستوى التنظيم في عصر البيروقراطيات خلافا لما يعرفه القطاع الأسود، على أن مربط الفرس هنا وهو اشكالية الوظائف او الادوار بين الدولة والمواطنين، فبيير بورديو وفي معرض حديثه عن الدولة يرى بأنه لكي تكون هناك دولة يجب ان يرى المواطنون انفسهم كمسيرين من طرف وحدة فاعلة(3) ،فدور الدولة يتجلى في فعاليتها و ليس كمونها او جمودها، وضرورة تفعيل اجهزتها واجب عقلاني قبل ان يكون اخلاقي أي انه من بين العناصر الاساسية التي اطرت التعاقد الاجتماعي كما عبر عن ذلك المفكر الالماني جدامير، فالتغيرات الاجتماعية التي تشهدها الدول العربية تدعو الى تقنين هذا القطاع و جعله قطاعا رائدا ومساعدا في تنمية المجتمع.
عود الى بدئ فإنه من غير الصواب الحديث عن القطاعين معا ـ المهيكل و الغير المهيكل ـ بشكل منفصل، بحيث هناك تداخل وثيق بينهما في خلق تنمية مجتمعية، ففي القطاع الثاني هناك استثمارات كبيرة تقوم بها الشركات من اجل تطوير انتاجها كالعمل على تقديم منتوجات ضعيفة الجودة و رخيصة يلجأ لها البائع المتجول لأنها متاحة بالنسبة اليه، نستشف في هذه العملية ان هناك قراءة مسبقة لذهنية الاخر اي المشتري، لهذا فإن القطاع غير المهيكل يخدم القطاع المهيكل بشكل غير مباشر، كما ان صعوبة انشاء مصانع خوفا من الضرائب يجعل من البعض يفضل الاستثمار بشكل غير قانوني، فالباحث الالماني الفريد ويبر و من خلال نظرية التوطن الصناعي (4) يحيلنا على سياسة الاستثمار التي تشترط مجموعة من العناصر، لعل من أهمها توفر تجمعات سكنية تضم نسمة مهمة تخدم المستثمر حتى تكون التكلفة مساعدة على الاستثمار بالإضافة الى يد عاملة رخيصة...... وهذا ما نجده في الواقع المعيش حيث تواجد مكثف للباعة في الأماكن المكتظة بالسكان او التي تعرف حركة مهمة، وبهذه النظرية أصبح يشتغل المستثمر بشكل غير قانوني ويكون بذلك يخدم القطاعين معا.
القطاع الاسود ـ غير المهيكل ـ فرض وجوده في غالبية الدول العربية خاصة و ان البنى التقليدية لازالت حاضرة بامتياز متمثلة في البداوة المتحضرة، بالإضافة الى عامل الفقر الذي يساهم في تعاظم هذه الظاهرة، و رغم ما يقوم به للمجتمع المدني في سائر الدول العربية من محاولات جادة سعيا منه لتفكيك هذا المشكل و تقديمه للأجهزة الحكومية في شكل آفة تهدد استقرار المجتمع إلا انها في تزايد مطرد، ومن خلال ثنايا بعض الدراسات و الابحاث حول هذه الظاهرة في الجمهورية المصرية خاصة المدن الكبرى كالقاهرة و الاسكندرية، يتضح انها تعرف اشكالات كبرى في تدبير هذا القطاع الأمر الذي دفع الدولة الى سن قانون 105/2012 يهدف الى زيادة الإجراءات العقابية ضد الباعة المتجولين، مصر ليس وحدها من تعاني هذه الظاهرة بل العراق ايضا فقد سبق لأمانة بغداد إصدار تراخيص رسمية لعمل الباعة المتجولين في مدينة بغداد كمحاولة لتنظيم عملهم بالشكل الذي لا يشوه منظر وجمالية المدينة، المغرب هو الاخر من الدول التي تعرف تفاقما حادا في هذه الظاهرة.
فالحقل الاقتصادي من الرهانات الاساسية التي اشتغلت عليه المملكة المغربية منذ القدم لكن نتائجها او انجازاتها لازال يشوبها نوع من الغموض، فلو قمنا جولة في ارجاء المدينة العلمية فاس او العاصمة الادارية الرباط او اي مدينة كانت و عوضنا العين البيولوجية بالعين السوسيولوجية لايفارقنا حينئذ المشهد العجائبي للباعة الذين لا يتركون مجالا للمارة (متر او مترين لا اكثر) و صيحاتهم التي تجعلك تدخل في تفكير عميق و تحلل الكلمات التي تحمل في مضامينها فشل الدولة في مقاربة القطاع غير المهيكل، على أن اكثر ما اثار حفيظتي عند مرورنا بأحد الاحياء المعروفة بفاس ـ منفوري ـ و بالضبط شارع الكرامة ـ للحق لا كرامة للمواطن فيه ـ مرور سيارات الشرطة و القوات المساعدة وسط الشارع المملوء على اخره بالباعة المتجولين، لكنها في المقابل لا تقوم بمهامها و كأن العادة فرضت شروطها او سياسة غض البصر من طرف اجهزة الدولة، مجموعة من الجمل لم تفارقني لحدود اليوم : الجهاز المخزني يجب ان يلزم الصمت و الا ما حدث في تونس ومصر سوف يعاد انتاجه في بلد العجائب ـ المغرب ـ هذا ما يستشهد به بعض الباعة، وكأنه تهديد ضمني للجهاز الفولاذي ولكن مفعول هذا التهديد قوي، بحيث نجاحه يستدعي فقط القيام بجولة صغيرة في ارجاء المدينة، حينها ستجد ان الباعة فرضوا شروطهم على الجهاز الفولاذي.
المشكل الأعظم الى جانب الاختناق الذي يعرفه الشارع العمومي، هو المواد التي تباع، فلا رقيب و لا حسيب، ألن يستغرب المستغرق في الملاحظة إذا اكتشف ان النظارات الطبية تباع ب10 دراهم، و كأن شركات الزجاج و البلاستيك دخلت في غيبوبة طويلة الأمد أو في سبات عميق، او ان تلك المادة اصبحت رخيصة، هي مجموعة من الفرضيات يصح طرحها عند القراءة الأولية للمشهد، لكن عندما تسأل اصحاب الاختصاص يؤكدون ان استعمال تلك النظارات خاصة من طرف الاطفال الصغار و لمدة زمنية تقدر بحوالي 3 اشهر سيشكل خطرا حقيقيا عليهم، بالإضافة الى احد الزيوت المسمى بالأوكاندا وهو جد معروف بين الباعة بسبب كثرة الطلب، نظرا لمفعوله السريع في جعل الشعر اكثر كثافة من ذي قبل كما انه يباع بثمن بخس، هذا المنتوج و حسب الاطباء نتائجه جد وخيمة وهي سرطان الجلد..... وهذا ما يمكنه ان يهدد صحة المواطنين في المستقبل، بالطبع هذا مجرد مثال و الامثلة تكثر في هذا الجانب، أما فيما يخص التفاعلات بين البائع و المشتري، نجدها تنتهي في الغالب بالعنف الرمزي او الجسدي، مجرد نقاش بسيط حول ثمن قميص ازرق انتهى بكلمات جديدة في قاموس الاخلاق الفاحشة، لم يستطع المارة التدخل لأن البائع صنع لنفسه اسما تجاريا و اصبح سلطان فضائه، مع العلم ان عناصر الشرطة قريبين من الموقع، على بعد حي من الشارع العام، تلك التفاعلات ليست وليدة اليوم بل هي وليدة الثقافة التي يعاد انتاجها يوم تلو اخر، هي ثقافة القوي هو من يحكم، وهنا وجب التسائل حول دور وزارة الصحة و المقاربة الامنية التي هي من مهام وزارة الداخلية او كما يحلو للبعض تسميته بالجهاز الفولاذي، لان المراقبة الطبية لازمة اساسية عندما يتعلق الامر بمنتوج سوف يستهلكه المواطن، وعدم المراقبة هو اعلان ضمني على حق البائع في تسميم المواطنين.
كما ان ثمن المواد، لا يخضع لمعايير محددة، فلكل بائع ثمن خاص به لمختلف السلع المعروضة للبيع، الأمر الذي يوحي بغياب مراقبة الأثمنة و كيفية دخول السلع الى الاسواق، لان غالبيتها مهربة او جاءت بطريقة لا قانونية، فتلك السلع لا يوجد بها تاريخ محدد او مكان انتاجها، لأنه تم اتلاف معلوماتها، لسببين، الاول هو ألا يعرف الباعة الاخرين مكان استردادها، و الثاني حتى لا يسأل المشتري عن المعلومات، هو فن جديد عمل الباعة على تطوريه.
خلاصة القول ان العناصر التي تريح ذهن المواطن و تزيد من شعوره بالمواطنة شبه غائبة في غالبية الدول العربية ولعل هذا ما عجل من قيام تغييرات مهمة في بعض الانظمة التي كانت في الامس القريب تحكم بيد من حديد، بحيث ان حماية المستهلك هي من اكثر مطالب شعوب القرن 19 و نحن الان في القرن 21، فكيف سيشعر المواطن نحو الدولة وهي لا توفر له شروط العيش، مع ان الحقل الاقتصادي كما اسلفنا الذكر هو مركز الحقول على الاقل في مجتمعا، لكن القطاع غير المهيكل لم تظهر عليه معالم هذا الاهتمام، بحيث عوض ان تختفي هذه الفئة ـ الباعة المتجولين ـ شيئا فشيئا نجدها تتزايد و خير دليل انشاء سوق جديد في حي العمارات بمكناس. لهذا و حتى لا يصبح السؤال الذي طرحته الباحثة المغربية هند عروب في السوسيولوجيا هل نحن فعلا مواطنين ام مجرد رعايا لا تساهم في شئ و ليس لها حق في المطالبة بحياة افضل هو الهم الشاغل للباحث، نتمنى ان تختفي المقاربة الامنية في المغرب في مقابل العمل على تفعيل المقاربة التشاركية حتى يجد المجتمع المدني مكانا له ويضع بصمته في تسريع عجلة التنمية ويحقق المنشود وهو الحد من هذه الظواهر، و ان تعمل على ضبط هاته الفئة التي اصبحت تؤثر على المجتمع ككل، بدل الاشتغال فقط على المقاربة الامنية في مواجهة النخبة المغربية امام البرلمان في مجتمع القوانين و الحريات.

1 Do Soto, H, 1994, Lrsquo;autre sentier. La reacute;volution informelle. La Deacute;couverte, Paris.
2 د. عبلة عبد الحميد بخاري ،التنمية والتخطيط الاقتصادي: نظريات النمو والتنمية الاقتصادية الجزء الثالث صص 3 ،4
3 عن الدولة , دروس في الكلويج دي فرانس (1989 ـ1992) ، لبيير بورديو ،دار النشر سوي ، ص 670
4 Weber, A., ldquo;Theory of Location of Landsite,rdquo; Translated by Fridrich, Seventh
Impression, 1969.43 p

باحث في علم الاجتماع / الرباط