&
لاشك أن الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة بدولة الامارات العربية المتحدة إلى الصين مؤخراً، واستغرقت ثلاثة أيام، ليست الأولى إلى هذا العملاق الآسيوي ـ العالمي، فهي تأتي ضمن استراتيجية إماراتية مدروسة تستهدف مزيد من الاندماج في الاقتصاد العالمي وتعزيز الدور الاماراتي في صناعة القرار الاقليمي والدولي بما يتناسب مع مكانة دولة الامارات وتأثيرها في الأحداث الاقليمية والعالمية، وبما يحفظ لها مصالحها الوطنية ويعزز فرص نجاح خططها التنموية المتعلقة بتطوير الاقتصاد والتوجه نحو اقتصاد المعرفة والابداع والابتكار.
استكشاف فرص جديدة للتعاون الثنائي المشترك مع الصين هو عنوان الزيارة بحسب وصف المراقبين والخبراء، وما يؤكد دقة هذا العنوان أن العلاقات الاستراتيجية التي تربط الامارات مع الصين تتنامى يوما بعد آخر منذ أن بدأت في عام 1984، لاسيما في مجالات الاستثمار والتمويل والدعم اللوجستي وغيرها من مجالات التعاون، وهي مجالات تحظى باهتمام البلدين وتمثل ركائز أساسية لعلاقات المصالح التجارية والاقتصادية المتبادلة بين الامارات والصين.
ومن يتابع الاحصاءات والارقام يلحظ أن علاقات التبادل التجاري بين الامارات والصين، والتي بلغت نحو 55 مليار دولار في العام الماضي، ويتوقع أن تلامس سقف المائة مليار دولار خلال السنوات القلائل المقبلة، تعكس بقوة حجم المصالح المشتركة، التي ترتكز بدورها على مشتركات وقناعات راسخة لدى البلدين، اللذين يؤمنان بأهمية تكريس دعائم الأمن والاستقرار الاقليمي والدولي، والحفاظ على قيم التعايش والاحترام المتبادل بين الدول والشعوب كأساس لبناء علاقات دولية مستقرة.&
ويدرك من يقرأ خارطة السياسة الخارجية الاماراتية جيداً منذ تأسيس الدولة في الثاني من ديسمبر عام 1971 على يد المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، أن هناك حرص والتزام ببناء علاقات متوازنة ومستقرة مع القوى والأقطاب الدولية كافة، ومنها بطبيعة الحال الصين، التي أصبحت في موقع المنافسة على قيادة الاقتصاد العالمي، والمؤشرات على ذلك كثيرة وعديدة، وآخرها اقتراب العملة الصينية (اليوان) من أن تصبح جزءا من العملات الرئيسية في العالم التي يستخدمها صندوق النقد الدولي، بعد موافقة إدارة الصندوق على هذه الخطوة مؤخرا، بحيث أصبح "اليوان" في موضع مساواة مع عملات دولية مثل الدولار واليورو والين والجنيه الاسترليني، حيث سيصبح "اليوان" العملة الخامسة في سلة العملات الاحتياطية العالمية، في اقتراب صيني واضح من عرش الاقتصاد العالمي، حيث يتوقع أن يتزايد الطلب على العملة الصينية والثقة فيها ستتزايد ما يترجم واقعياً مكانة الاقتصاد الصيني الذي يحتل المرتبة الثانية عالمياً في أسواق العملات العالمية، وتصبح عملة رئيسية في أسواق المال الكبرى، وهو انتصار سياسي ودبلوماسي للصين يؤكد مكانتها الاستراتيجية المتنامية في النظام العالمي.
مشتركات كثيرة تجمع دولة الامارات والصين، وفي مقدمتها الايمان بقاعدة الاحترام المتبادل في العلاقات الدولية، وهو مبدأ حيوي، يمثل ركيزة لبناء عالم مستقر وآمن، كما تؤمن الدولتان بضرورة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وهو أيضا أحد المبادىء والأسس ارتبطت بمفهوم السيادة الناشىء بموجب معاهدة وستفاليا عام 1648، ثم تم تقنينه دولياً عقب تأسيس الأمم المتحدة وصدور سلسلة من القرارات الواضحة في هذا الشأن ومن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2131 الصادر في عام 1965، والقرار رقم 103/36 الصادر في &ديسمبر 1981، الذي يعد من أهم المحطات النوعية على صعيد التقنين التشريعي الدولي لمبدأ عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول. ومن المعلوم أن الالتزام بهذا المبدأ في العلاقات الدولية بات يمثل مطلباً ملحاً للتخلص من العديد من مظاهر الاضطراب والفوضى السائدة في الكثير من مناطق العالم، وفي مقدمتها منطقة الشرق الأوسط، التي دفعت ـ ولا تزال ـ ثمناً باهظاً لعدم التزام بعض الدول الاقليمية باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ما فتح الباب على مصراعيه أمام الأزمات الساخنة ومظاهر الفوضى والارهاب التي تعاني منها المنطقة برمتها حالياً. ولاشك أن الصين طرف دولي وشريك فاعل في البحث عن حلول وبدائل لأزمات المنطقة من بوابة التسويات السياسية والحوار والتفاوض من أجل ايجاد حلول للأوضاع المضطربة في العراق وسورية وليبيا واليمن وغيرها من الدول العربية، التي تنظر دولة الامارات إلى مايحدث فيها بقلق بالغ جراء ما تدفعه شعوب هذه الدول من تكلفة غالية من أمنها واستقرارها ومكتسباتها ودمائها.
استراتيجية الصين الواردة في "الكتاب الأبيض" الأخيرة نصت على أن الصين "لن تهاجم ما لم تهاجم"، فهي تتمسك بمبادىء حسن الجوار والاحترام المتبادل في إدارة علاقاتها الدولية، كما أنها تركز كثيراً في علاقاتها مع دول الشرق الأوسط والخليج العربي على مصالحها الاقتصادية والتجارية، لاسيما في ما يتعلق بضمان احتياجاتها من موارد الطاقة، وهي تمتلك اهتماماً بالغاً ببناء علاقات قوية مع دول مجلس التعاون، وفي مقدمتها الامارات، خاصة أن نصف الواردات الصينية من الطاقة تأتي من منطقة الخليج العربي، كما يأتي هذا الاهتمام في ظل اهتمام مواز من الولايات المتحدة بتنفيذ استراتيجية "آسيا أولاً" التي تنظر إليها بكين بقلق بالغ، لاعتقادها بأن إدارة أوباما التي دشنت هذه الاستراتيجية تتبنى سياسة مناهضة لتنامي النفوذ الصيني في شرق آسيا والعالم.
الصين أيضاً قوة ناعمة لا يستهان بها على المسرح الدولي، فهي قادرة على التأثير الثقافي والحضاري والاقتصادي القوى كما أنها الدولة الأكبر سكانياً في العالم وصاحبة أعلى معدلات النمو الاقتصادي، ولها حضور سياسي ودبلوماسي ولكن ليس على قدر قوتها ومكانتها الاقتصادية، ومن ثم فإن تشجيع بكين على مزيد من الانخراط في الأزمات الاقليمية والدولية يمثل سياسة ذكية للاستفادة من هذا العملاق العالمي في إدارة الملفات الصعبة بما يضمن مصالح الدول العربية وشعوبها، وما يضاعف هذه الأهمية أن الصين قد حسمت مؤخراً موقفها في الأزمة السورية بدعم الموقفين الايراني والروسي، ما يتطلب بناء قنوات حوار فاعلة معها، حيث تحتاج التغيرات المتسارعة في المنطقة إلى تحركات فاعلة من الدول المؤثرة اقليميا، وفي مقدمتها الامارات بطبيعة الحال ـ من أجل الحفاظ على مصالح الدول العربية وشعوبها.
وإذا كانت التحليلات في معظمها تركز على الشق الاقتصادي والتجاري لزيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان إلى الصين، فإن البوصلة تتجه إلى تعميق علاقات التبادل التجاري القائمة على موروث من التواصل الثقافي والتجاري بين الشعبين الاماراتي والصيني، وقد تعمق هذا التوجه بانخراط الامارات ضمن استراتيجية «حزام واحد، طريق واحد» الصينية، التي يتبناها الرئيس شي جين بينغ والتي تساهم في تحفيز مبادرات التنمية والرفاهية الاقتصادية على امتداد دول يوروآسيا والشرق الأوسط، حيث يتيح موقع الامارات ومكانتها الاقتصادية أن تكون داعماً رئيسياً لهذه الاستراتيجية من خلال كونها بوابة للصين إلى المنطقة.
ولاشك أن تصريحات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان التي سبقت زيارته إلى الصين، والتي أكد فيها حرص دولة الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة " حفظه الله " على تطوير العلاقات مع الصين مضيفاً سموه القول "علينا أن نعيد بناء طريق الحرير ونجعل منه منصة وجسرا لتبادل العلاقات بين دول المنطقة"، هذه التصريحات تعكس الرؤية الاماراتية الحضارية للتعاون الدولي وتكرس بعداً جديداً في العلاقات الدولية قائم على إعلاء مبدأ التعاون والمصالح المشتركة للدول والشعوب من أجل هزيمة القوى المعادية للانسانية والأمن والاستقرار الاقليمي والدولي.
&