: آخر تحديث

الوسط الثقافي السوري من حروب الفتات إلى حرب التمويلات الكبرى.

عانى معظم الكتاب السوريون، إضافة للمشتغلين بالحقل الثقافي لزمنٍ طويل، من تهميشٍ مزمن،  تهميش متعمد من النظام، كل من لم يستطع تدجينه أو شراء صمته تم تهميشه، أعني الكتاب المشتغلين الذين يأخذ نتاجهم علامة النجاح على الأقل، أما الكتبة والأبواق فهم خارج السياق. 
الجزر المعزولة في بحر المخابرات
ترك النظام في بعض الأحيان جزراً صغيرة، عقمها سياسياً وتركها حقلا مفتوحا لاشتغال ثقافي جدي، كوزارة الثقافة في عهد نجاح العطار وأنطون مقدسي، تحديداً في قطاع التأليف والترجمة والنشر، إضافة للمسرح في بعض الأحيان. كان هناك اتفاق معلن، غير مكتوبٍ بين العاملين في الوزارة والمشتغلين معها، ينص بشكل صارم على تجنب التعبير السياسي المباشر الناقد للنظام [وليس المعارض فقط] والتساهل في التعبيرات النقدية الفكرية والإبداعية. 
 النظام الذي ألحق كل مؤسسات الإعلام بشكل مباشر بالمؤسسة الأمنية، وأخضعها لسلطتها المباشرة، ترك أيضا بعض العاملين في هذه المؤسسات ممن ليس لهم سجل ناصع في موالاة النظام، أو لديهم حد مقبول من الإستقلالية. وفي حالات نادرة من ضحايا سجونه من المعارضين، تركهم في الحقل الثقافي تحديدا في وسائل الإعلام والمطبوعات. 
كذلك احتكر  النظام كل مؤسسات تمثيل المشتغلين بالثقافة والإعلام وجعلها أوكاراً للبعث الذي يكون فاعلاً عندما يصب في قدر المخابرات الكبير الذي كانت تطبخ فيه البلاد. اتحاد الصحفيين، اتحاد الكتاب، نقابة الفنانيين؛ ومنع تشكل أي تجمع مستقل مهما كان هامشياً ومحدوداً. 
كان تغول النظام كاملاً في مؤسسات "الدولة"، فلم يترك أي هامش بينه وبين هذه المؤسسات، كما في بلدان عربية أخرى [مصر على سبيل المثال]، وعليه لايمكن الحديث إلا تجاوزاً عن "مؤسسات الدولة"، ووفقاً للمعنى الواقعي فمصطلح مؤسسات الدولة لم يكن يفضي إلا إلى مؤسسات ملحقة كليّاً بالنظام. وبعيداً عن جلد ممن عمل في هذه المؤسسات لم يكن أمام المشتغلين بالثقافة والإعلام خيار آخر. 
كان وضع الكاتب السوري والمشتغلين بالثقافة والفن، الأكثر بؤساً على امتداد الخارطة العربية، الأكثر بؤساً ليس فقط على مستوى حرية التعبير فهذه يتشابه بها مع أنظمة عربية كثيرة، بل على المستوى المعيشي، وعلى مستوى تحقيق الذات والإنجاز المعتبر في النشاط الثقافي العام. 
حروب الفتات
ترك النظام بعض الفتات في حقل الثقافة والفن؛ وعلى هذا الفتات كانت تدور حروب طاحنة بين المشتغلين بالكتابة و الثقافة والفن، استخدمت فيها كل الأسلحة لإقصاء الآخرين بما فيها الاستقواء بالمخابرات واللجوء إليها لتصفية الخصوم، الذين لا يصلون إلى درجة الأعداء. كانت مقاهي دمشق الثقافية وحلب بدرجة أقل، مسرحاً خلفياً لهذه التصفيات المعنوية، وكان الهدف منها تحقيق حصة أكبر من هذا الفتات.  
لم يكن هذا الفتات يتعلق بمنح تفرغ كما في دول عربية أخرى أو معونات لمشاريع ثقافية أو جوائز ذات قيمة مادية عالية، بل كانت تدور حول النشر في المطبوعات التي يصدرها النظام، وطباعة كتاب في وزراة الثقافة أو اتحاد الكتاب، أو المشاركة في نشاطات المراكز الثقافية للحصول على مكافأة هزيلة، إضافة  لتبني المسرح القومي لإنتاج مسرحية، أو فيلم في المؤسسة العامة للسينما ذات الإنتاج الهزيل، أو إعداد برنامج في التلفزيون أو تقديمه؛ وكذلك حول التدرج الوظيفي في المؤسسات الاعلامية والثقافية والفنية التي ترك فيها النظام هامشاً لغير الملتصقين بجلده الأمني. 
حول هذا الفتات نشأت "شلل" و "جماعات" غير ثابتة وغير مستقرة العدد والأشخاص، وشهدت انتقالات من هذه الجماعة إلى تلك، وكان هدف ومعيار التجمعات والشلل هذه، تحقيق المصالح الشخصية والجماعية لأعضائها، وتبادل المنافع بتحقيق حصة معتبرة من هذا الفتات. 
المعارك المستمرة على الفتات هذا، كان أحد أدواتها استخدام النتاج الثقافي والابداعي للإشخاص المشتركين في هذه الحرب كوسيلة لتصفية الحسابات، فقد استخدم "النقد"، واستعراض الكتب الصادرة، والكتابة عن النشاطات التي تخص هؤلاء الأفراد واستعراضها في وسائل الإعلام [ضمن الحيز المتاح] كأدواتٍ في هذه الحرب. استخدم الكتاب والصحفيون"الكلام الكبير" في التغطية على الأسباب الحقيقية لهذه التصفيات، وحاولوا تحويل حروب الفتات هذه إلى سجالات ثقافية وفكرية عامة. 
كان هذا يحدث أيضا على المستوى "السياسي"، على مستوى التجمعات والأحزاب "السياسية"؛ حيث تغطى الأسباب الحقيقة الشخصية  للإنشقاقات والمعارك بخطاب عام يتوسل أسبابا عامة و "وطنية" وقضايا تخص "الجماهير" والموقف منها. 
مسيرة الحروب خارج الحدود
حدثت تطورات في العقود الأخيرة على مسارح عمليات حروب الفتات، فقد فتحت الصحف اللبنانية والخليجية المحلية منها والدولية أبوابها وصار النشر فيها يقدم فتاتاً أكثر قليلاً من فتات النظام المتغول في "الدولة".  نقل السوريون شللهم هذه وتجمعاتهم وتحزباتهم، وآليات تعاملهم البينية، إلى هذا الحيز الجديد.  فاحتكرت جماعات وشلل وأفراد قنوات المرور والنشر في هذه الصحف، عبر التقرب من "رئيس الفرع " المسؤول عن النشر في هذه الجريدة أو تلك، ليصبح صديق رئيس الفرع هو المقرر في من ينشر له أو من يكون مروره مستحيلاً إلى هذه الصحف. 
احتكر طريق النشر هذا والترشيح له كتاب مستقلون عن النظام وبعضهم معارض أصيل له، إلا أنهم مالوا إلى الأدوات السورية نفسها المستخدمة في معاركهم الداخلية. فاستخدموا هذا الحيز الجديد في بناء "النفوذ" في الوسط الثقافي السوري، وبناء شبكة تقوم على الإستتباع والإستزلام لديهم، خصوصاً للقادمين الجدد إلى الإشتغال الثقافي. هنا لايدور الحديث في العماء ولا في مجالٍ عام واسع، إذ يمكن تحديد الصحف والأشخاص والعلاقة التي كانت تربطهم برؤساء فروع النشر في هذه الصحف. أما المراسلون المعتمدون لهذه الصحف ووسائل الإعلام الناطقة بالعربية التي تكاثرت لاحقاً، فكان تعيينهم يمر عبر بوابة المخابرات؛ مع استثناءات قليلة ونادرة يمكن ذكرها بالاسم حافظت على مهنيتها وعلى حد أدنى من الإستقلالية؛ مع عدم القدرة على تجاوز الخطوط الحمراء التي يقيدهم بها النظام بشكل صارخ. 
استخدمت المهرجانات الثقافية والفنية المحلية والعربية أيضاً، كأداة في حروب الإقصاء؛ ففي المهرجانات المحلية التي كانت ذات امتداد عربي استخدم الأشخاص المسؤولون عن هذه المهرجانات أو من لهم تأثير عليها، بعد أن خاضوا تصفياتهم الداخلية، مسألة الدعوات لتعزيز نفوذهم وحضورهم لدى نظرائهم العرب في شبكة تبادل الدعوات والمنافع من هذه المهرجانات المتشابهة عربياً عموماً. فكان يندر أن يخترق هذه الشبكة كاتب لأنه كاتب يستحق الدعوة لحضور مهرجان ما في حقل يتخصص فيه، دون أن يكون له أذرع في الشبكة الداخلية. وكان آخر النشاطات العامة التي قام بها النظام وشهدت هذه التصفيات هي احتفالية دمشق عاصمة للثقافة العربية في العام 2008. 
ولا يحتاج المرء لجهودٍ مضنية ليكتب قائمة بالاشخاص المشتغلين بالثقافة والفن الذين كانوا دائما على قائمة المدعويين للنشاطات العربية والدولية. 
الحرب الإلكترونية
التطور الثاني حدث في مجال النشر الإلكتروني والمواقع الإخبارية، وهذه وإن انطبق عليها ما ينطبق على النشر في الصحف الورقية، في خطوطها الحمراء واستتباعها أمنياً، إلا أنها جاءت بتطورٍ مهم، إذ أنها قلصت كلفة بناء "وسيلة إعلام" إلى حدودٍ مقدور عليها من الغالبية تقريباً، فقام بعض المشتغلين في الوسط الثقافي ببناء مواقع الكترونية وحصلوا من خلالها على تمويلات "شبه" مشروعة في بعض الأحيان، إلا أن الأهم هو كعكعة الإعلانات التي كانت تمر عبر المخابرات وبدعم منها، والتي كان يمولها شركاء النظام التجاريين في الفساد؛ تلك الإعلانات التي لم تكن تقوم على أسسٍ تجارية حتى. وخيضت حروب رخيصة في هذا الحيز، وما يجعلنا لانتوقف كثيراً عند هذه المواقع في عهد النظام، أن غالبية أبطالها كانوا كتبة وصحفيين أمنيين ماعدا قلة قليلة. 
الجوارح والكواسر والبواسل
الباب الأهم "مالياً" هو الذي فتحته الداراما للوسط الفني السوري، وبعض كتاب السيناريو، حيث بدأت شركات انتاج عربية الاستثمار في الدراما السورية، بعد شيوع عصر الفضائيات؛ كذلك فتحت شركات محلية للإنتاج من أموال الفساد وشركاء الفساد، في هذا الحيز كانت الحرب أعنف، لأن ما تقدمه لم يكن فتاتاً بل أموالاً حقيقية. وفي هذا الملف أجد أن هناك من هو مؤهل أكثر مني للحديث عنه. 
من عهد النظام إلى عهد الثورة 
عندما قامت الثورة السورية انتقلت جموع من الكتاب والصحفيين السوريين والمشتغلين بالثقافة والفن، من فتات موائد النظام إلى جانب الثورة، بعضهم معارض آصيل وبعضهم كان معارضاً صامتاً وبعضهم وجد أن موائد الثورة صارت أدسم! حتى أنه عندما أنشئت رابطة الكتاب السوريين، دافع بعض الكتاب الذين انضموا لها، عن بقائهم في اتحاد كتاب النظام تحت يافطة الحفاظ على حقوقهم ومكتسباتهم في ذلك الاتحاد! 
بعد قليلٍ من التعفف والطهرانية والعمل التطوعي المخلص، الذي وسم العمل للثورة في بداياتها من قبل غالبية المشتغلين بالثقافة والفن، جاءت المكاسب والامتيازات، وهذه المرة لم تكن كفتات النظام بل رواتب بالدولار في المؤسسات "الثورية" الناشئة، وتمويلات صغيرة وكبيرة، وتكريس ظهور وحضور يودي إلى بناء نفوذ في الفضاء العام الذي خلقته الثورة يترجم آنياً أو لاحقاً إلى مكاسب. 
هنا كانت الحرب ليس أعنف فقط، بل استخدمت فيها وسائل جديدة، أيضاً، منها "الشبيحة" الذين استخدموا بكثافة على شبكات التواصل؛ إضافة لنقل المشتغلين بالثقافة والفن ليس فقط أدواتهم السابقة في بناء علاقاتهم ببعضهم وبالثقافة، بل خبراتهم التي اكتسبوها من خلال حروبهم السابقة في ظل النظام، إلى فضاء الثورة ومؤسساتها الناشئة، خصوصاً مع بزوغ عهد التمويلات العربية والدولية التي لم يعرفها الوسط الثقافي السوري في تاريخه. وصارت الشلل والجماعات والتيارات تحظى أو تتدثر بغطاءات "سياسية"، لتبرير هذه المعارك والخصومات بعيداً عن السبب الحقيقي وهو اقتسام كعكعة الثورة. 
كعكعة الثورة المغمسة بالدم
يمكن حصر الكعكعة التي أتاحتها الثورة للمشتغلين بالوسط الثقافي والفني "والإعلامي"، بالتوظيف في المؤسسات الثورية الناشئة سواء كانت عامة أو خاصة؛ التوظيف في مؤسسات التمويل الدولية أو المنظمات الدولية التي فتحت لها الثورة السورية باباً واسعاً للعمل في الفضاء السوري، تمويل إنشاء المؤسسات والمنظمات والصحف والمواقع الإخبارية ومراكز الأبحاث، والمشاريع الثقافية والفنية، هذا التمويل الذي يتدرج من دولارات بسيطة إلى ملايين الدولارات. وكذلك بدرجة أقل احتلال المواقع "السياسية" في مؤسسات التمثيل التي انبثقت عن الثورة. وفي كل ما ذكر لم يعمل معيار الكفاءة والاختصاص سواءً في التوظيف أو التمثيل أو في الحصول على التمويل، بل اعتمد معيار العلاقات والقدرة على الوصول والانتهازية والاستزلام لاحتلال هذه المواقع والحصول على التمويلات. 
المغربلون الجدد 
تحت تسمية "ناشط" اجتاح فضاء الثورة، بما فيه الوسط الثقافي والإعلامي والفني "المغربلون الجدد"، وهم جماعة من الغوغاء، رأسمالهم صفحة على الفيسبوك أعطوها اسماً كبيراً، ظهروا بموجبها، أو بموجب علاقاتهم الشللية مع العاملين في القنوات الإعلامية بداية كشهود عيان، ثم تحولوا تدريجيا إلى ناشطين إعلاميين، ثم محللين استراتيجيين، وبعضهم صاروا يعتبرون أنفسهم ليس صحفيين وأعلاميين فحسب بل كتابا وفنانيين. ساعدهم في ذلك التغطية الطويلة للثورة السورية، والتركيز عليها من كل وسائل الإعلام العالمية والناطقة بالعربية على وجه الخصوص. كان جواز مرورهم في بعض الأحيان الرغبة في استثمارهم من هذه القنوات، ونسبة ما تريد قوله القناة على ألسنتهم، وكانوا لا يتورعون عن شيء بما فيها فبركة الأكاذيب والفيديوهات والصور لأنهم كانوا مجرد نكرات ليس لديهم رأسمال رمزي أو معنوي يمكن أن يخسروه. أيضا سهل مرور المغربلين أحياناً التيارات السياسية الناشئة، التي لم يكن لها حضور على الأرض، وأبرزتهم في حروبها البينية، في محاولة لسد عجز هذه التيارات على الأرض، مما اقتضى أن يكون لكل تيارٍ مغربله. 
وفي أحيانٍ أخرى مروا من ضعف مهنية وسائل الإعلام والاستهتار في التحقق من المصادر والاخبار في الشأن السوري، الذي كانت لديها ذريعة جاهزة للتبرير وهي منع النظام لوسائل الإعلام من العمل في سوريا، وكانت وسائل الإعلام التي تحتاج ملئ ساعات طويلة من البث المخصص للثورة السورية حتى لو كان بـ "العلك". 
قدم "المغربلون" إلى الوسط الإعلامي بشكل أكبر، لضعف الجهد المبذول فيه، وسهولة اختراقه بالحكي الإنشائي الذي لا يحتاج تدقيقا في كثير من القنوات الفضائية. كتلة المغربلين صارت الأكبر في الثورة السورية واستولت على المشهد الإعلامي تقريباً، وتتشكل بشكلٍ أساسي من "تنسيقيين" جاؤوا من مهن مختلفة؛ سائقي تكاسي، وعمال باطون وكشاشي حمام ... وقلة من المحترفين الذين نقلوا  تهافتهم وحروبهم القديمة معهم إلى الثورة، ويعتبر المغربلون الجدد أحد أكبر الكوارث التي واجهت السوريين بعد الكيماوي والبراميل وتسرب أكثر من مليوني طفل من التعليم.
لم يستول "المثقفون" على مشهد الثورة وأموالها وجوائزها من صناعها الحقيقيين؛ أي الناس؛ فقراء سوريا منهم على وجه الخصوص والتحديد الذين دفعوا وما زالوا يفعون الكلفة الأفدح في الثورة السورية، دماً وجوعاً وتهديم بيوت، وتشرد، بل في بعض الأحيان سرقوا منهم المواد الخام، أفلام، تقارير، صور، حكايات... ونسبوها لأنفسهم. 
 

أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر ايلاف تسبب ملاحقه قانونيه


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.