قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&
لقد فعلتها أنا لكن ليس لبضع دقائق بل لأكثر من نصف ساعة. كنت في إحدى المقاهي الشعبية في جدة. في حي العمارية تحديدا بالقرب من المنطقة التاريخية. عندما دخلت المقهى في هذه الظهيرة القائضة، اخذت موضعا بالقرب من الباب. طاولة خشبية عتيقة وكرسي شبه متماسك فعل الزمان ما فعل بقوائمه. كان الذباب أكثر من مرتادي المقهى. طلبت كأسا من الشاي مع الكثير من النعناع. وضع العامل سكرا في كأسي يكفي لإطعام ذباب الأرض. لم أكن أنتظر أحدا. ولا شيء أعمله اكثر من جولة في المنطقة التاريخية لم أكملها وقد أعيتني شمس الظهيرة. فوجدتني اتأمل في الذباب الغير مدعو الى طاولتي. تضجرت أول الأمر. وفكرت ان اغادر. لكن ذبابة واحدة، لفتت انتباهي. وبدل ان انهض مغادرا، دفعت كرسي العتيق اكثر باتجاه الطاولة، وملت قليلا أتأمل في تلك الذبابة التي ملكت جرأت ان تغوص داخل كأس الشاي خاصتي فيما اكتفى بقية الأشقاء من الذباب بالبقاء على الحواف. خرجت الذبابة بعد ان تأملتها ما يكفي. لعل فضولي أزعجها. فغادرت. لكنها لم تلبث ان عادت. وفي الموضع ذاته. عدت أتأملها وأتحقق إن كانت هي ذاتها الذبابة الأولى. لكن كيف لي أن اعرف؟ حينما غاصت في ما تبقى من كأسي، اطبقت على الكأس براحة يدي، وأسرتها بالداخل. علتني ابتسامة نصر كبيرة وكأني هزمت الجيوش النازية والأمريكية واليهودية. اقتربت اكثر اتأمل في الذبابة التي انصرفت عن مسألة الأسر الى لعق السكر من داخل الكأس وكأني غير موجود. بقيت مطبقا على كأسي اكثر من خمس دقائق حتى تألمت راحة يدي. نزعتها ببطء خشية ان تهرب. لكنها لم تفعل. بل ولم تهتم حتى بالنظر إلي. أما كيف عرفت انها لم تنظر إلي فذاك واضح من خلال التواصل الروحي الذي خلقته بيننا. فأنا أتأملها، وهي تتجاهلني، عمدا او عن غير عمد، وقد كانت أسيرتي لبضع دقائق، شاءت أم أبت. وهذا في حد ذاته نوع من التواصل. بعد لحظات ارتقت هي الى حافة الكأس، ثم عادت وهبطت الى قعره. أطبقت ثانية على حواف الكأس ودفعتها الى ما تبقى من شاي في كأسي ردا على غرورها الصارخ. فرأيتها تفرفر بجناحيها. كبرت ابتسامتي وقد تحول النصر الى سيادة مطلقة. بعد ان أعياها كل نداء استغاثة، سكبتها مع الشاي على المنضدة الخشبية الدبقة. لم تغادر، بل عادت تكمل مهمتها وكأني ليست موجودا. وكأني أنا الحشرة لا هي. لقد عجزت تماما عن كسر كبريائها. بعد قليل، انضم لها جمع من الذباب، فما عدت أميز ذبابتي بينهم. وتساءلت في سري، ألم تكن هناك فرصة ان أحدد ما يميز ذبابتي عندما كانت اسيرتي؟ لون العينين مثلا، لون الأجنحة، لون الشفتين، أو أي علامة تجعلني لا أتوه بينها وبين شقيقاتها؟ لم أفعل ذلك للأسف، ففقدت ذبابتي الجريئة. وعوضا عن أن اكتفي بهزيمتي، قررت أن انتقم لكبريائي، فطلبت كأسا آخر من الشاي وعدت أرقب عودتها. لكنها لم تفعل. هل لأنها اكتفت، أم لأنها باتت تميز سجانها الخالي من أي هدف في الحياة سوى مراقبتها تعمل؟ أم أنها من الذكاء بحيث لا تضيع ثانية واحدة في مراقبة حشرة مثلها، باحثة عن فرصة طعام آخر بمذاق آخر على طاولة أخرى؟ مضت سنين على تلك القصة، وذات يوم تسائلت ماذا حدث يا ترى لذبابتي..؟ أعلم أنها ماتت.. لكن كيف؟ هل كانت وفاة طبيعية، ام صعقتها منشة كهربائية، ام غرقت في كأس شاي؟ يا ترى ماذا يفعل أحفادها الآن؟ ماذا يفعل أحفادها الآن يا تري؟ إن لم يهاجروا الى مقهى آخر, فالعلم عند الزبون الذي جلس مكاني.
&