قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

وأنا أتجول في العاصمة الألبانية تيرانا، خلت نفسي أتجول في قرية كبيرة يشقها نهر صغير. وفي الشوارع المخربة، وعلى الساحات، والمباني، والمحلات التجارية، لا تزال علامات نظام أنور خوجة الشيوعي المتصلب واضحة للعيان رغم بعض المظاهر المحتشمة من فترة ما بعد انهيار هذا النظام في نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي.

على مدى النصف الأول من القرن العشرين، كانت ألبانيا بلدا" شرقيا" متخلفا في قلب القارة العجوز، فيها تعشش الأمية، والعشائرية التي تجيز القتل والانتقام "حفاظا على الشرف". فلما استلم الشيوعيون السلطة قبيل انتهاء الحرب الكونية الثانية، اختار زعيمهم أنور خوجه الذي كان قد درَسَ في فرنسا، وفي بلجيكا، المنهاج الأشد تطرفا وانغلاقا داخل المعسكر الشيوعي. وفي كل يوم، كان يمطر شعبه بخطب ثقيلة عن ماركس وانجلس ولينين، طالبا منه الاقتداء بتعاليمهم. وكان الشعب ينصت إليه صاغرا من دون أن يفهم شيئا مما كان يقول. وفي مطلع الستينات من القرن الماضي، وخلال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، دعا خروتشيف، السكرتير الأول لهذا الحزب، إلى ضرورة التخلص من السياسة المتصلبة لستالين، مطالبا بسلوك سياسة أكثر لينا واعتدالا تجاه الغرب الرأسمالي، وتجاه المعارضين للشيوعية. وفي الحين سارع أنور خوجة الذي يقود دولة لا وزن لها على المستوى السياسي والاقتصادي إلى قطع علاقاته وظمع ما كان يسمى الاتحاد السوفياتي، معتبرا قرارات المؤتمر العشرين "خيانة للمبادئ الماركسية –اللينينية". ولما تبنى الشيوعيون في الصين نظرية "العوالم الثلاث" التي ابتكرها دينغ سياو بينغ، لم يتردد أنور خوجه ولو لحظة واحدة في قطع العلاقة المتينة التي كانت تربط تيرانا ببكين. وانطلاقا من السبعينات، وحتى انهيار الأنظمة الشيوعية، ظلت ألبانيا بلدا مغلقا لا يكاد العالم يعرف عنه شيئا، ولا يعرف هو شيئا عن العالم. وظلت إذاعة تيرانا تكرر بلغات متعددة بما في ذلك العربية، خطب أنور خوجة، وتعاليمه الداعية إلى ضرورة الحفاظ على "نقاوة الماركسية –اللينينية"، وانتقاداته المقذعة ل"التحريفيين"، و "الخونة"، و"المرتدين". ومتوهما أن "حربا نووية" ستستهدف بلاده، قام أنور خوجة ببناء أقبية تحت الأرض، وفي الجبال لحماية شعبه من المخاطر التي تهدده.

ولما انهارت الشيوعية في مطلع التسعيناتـ خرج الألبان من النفق المظلم الذي ظلوا محبوسين فيه أزيد من أربعين عاما، ليجدوا أنفسهم غارقين في البؤس، والتخلف. ومعلقا على ذلك الوضع المرعب، كتب أحد الصحافيين يقول :"من يجرؤ على قول الحقيقة، كل الحقيقة للشعب الألباني الذي عاش كابوسا مرعبا على مدى عقود طويلة. من يجرؤ أن يقول له بإن الطريق طويل، وجد عسير للخروج من الوضع المأساوي الذي عاش ويعيش فيه راهنا. من يجرؤ أن يقول له هو المتعب، النازف دما أن الخلاص الحقيقي لن يتحقق إلاّ بيده. علينا أن نعجل بإغاثته قبل فوات الأوان. علينا أن نفعل ذلك حالا وإلاّ فإن الناس سوف يلجؤون إلى السلاح لحل مشاكلهم، وعلى الأرض المحروقة لن ينبت شيء. حتى اقتصاد السوق لن يكون له أي مفعول".

غير أن التحذيرات الصريحة التي أطلقها الصحافي الألباني لم تجد لها صدى قويا لدى مواطني بلاده. فقد ظن هؤلاء أنه يكفي اعتماد اقتصاد السوق لكي تتحقق الجنة على الأرض. وهكذا راحوا يدمرون قنوات المياه، ومزارع العنب، وحقول الزيتون متهومين أن فتح محلات لبيع أدوات الزينة، والمواد الألكترونية كفيل بأن ينقذهم من البؤس والتخلف. وبسبب ذلك، وجدوا أنفسهم مجبرين على استيراد المواد الغذائية. بالإضافة إلى ذلك، تعرضت صناعة النحاس التي كانت بمثابة العمود الفقري لاقتصاد البلاد في زمن الاشتراكية، إلى التدمير الممنهج. وفي المدن، أصبح النفوذ في يد أصحاب الثروة والجاه الذين راحوا يبنون العمارات الشاهقة، والفنادق السياحية غير مبالين بالأعداد الكبيرة من العاطلين المتكدسين في الشوارع الخلفية حيث الجريمة والسقوط الأخلاقي. وقد عبر أحد السياسيين الذين أفرزتهم فترة ما بعد الشيوعية عن هذا الوضع قائلا بإن ألبانيا "تحاول أن تكون قطارا سريعا لكن بمحرك من القرن التاسع عشر. أما المجتمع فهو "نهر حا عن مجراه". ويرى هذا السياسي أيضا أن الطبقة السياسية الجديدة عوض أن تلعب الدور المناط بعهدتها، أي اصلاح أوضاع البلاد، هي تخنق المبادرات، وتفجر الصراعات التي تفضي إلى الفوضى والعنف. لذلك لم تتمكن ألبانيا إلى حد هذه الساعة من تحقيق الانطلاقة الاقتصادية التي تخلصها من تبعات ماضيها الشيوعي الثقيل.

ويسعى السياسيون الألبان راهنا إلى حل مشاكل بلادهم عن طريق الانضمام إلى التحاد الأوروبي. غير أن بلدان هذا الاتحاد لا تزال تنظر إلى ألبانيا الجديدة بكثير من الريبة والحذر. كما أن تنتقد سياستها التي لا تزال متخلفة، تتحكم فيها النوازع العشائرية والقبلية. كما أن التقارير الصحافية تؤكد أن النساء لا يزلن يعاملن بقسوة وغلظة، وأن نسبة كبيرة من الألبان يحتفظون إلى حد اليوم بأساليب بائدة تعود إلى القرون الوسطى.