قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

عشر سنوات مرّت على زيارتي الأولى إلى مخيّمي صبرا وشاتيلا للاجئين الفلسطينيين، كنت وقتها ضمن مجموعة صحفيين لبنانيين وعرب شاركنا في ورشة تدريب على صحافة السلام.

عندما أبلغنا المنظمون أننا سنزور المخيمات شعرت ببعض التوجس بسبب النمطية السائدة حول المخيمات، من أن دخولها ليس بالأمر السهل إلى ارتباط بعضها بالسلاح والجريمة وبأحداث يغلب عليها الطابع السوداوي. ولكن شعوري بالقضية الفلسطينية وشغفي الصحفي خلقا في داخلي حماسة قوية لأتعرف إلى فلسطين في لبنان، وتحديداً إلى مخيمي "صبرا وشاتيلا" المشهورين.

أذكر وقتها الحماسة في أعين زملائنا القادمين من فلسطين لرؤية المخيمين، وأذكر جيداً ذلك الوجع والخيبة في عيني زميلتنا رانية عندما جالت في المخيم... قالت لي وقتها: "لم أكن أتخيّل أنهم يعيشون هكذا"... وأنا مثلها صُدمت من الحياة في الداخل. مقابر بين البيوت، وأزقة ضيقة جداً يسبقك الصرف الصحي الدرب فيها، والأولاد يلعبون في تلك الأزقة بين تلك القاذورات! هذه عينة عن مأساوية الوضع.

القصة لا تقف هنا اذ أخذ سامر، منسّق الزيارة، يخبرنا عن شغفه بمهنة الطب وكيف أنه ممنوع من مزاولتها في لبنان. ومهنة الطب مثل 36 مهنة أخرى محظور على الفلسطيني ممارستها في لبنان. وكان عدد المهن أكبر، إلا أنه في العام 2005 أصبح اللاجىء الفلسطيني قادراً على العمل بما يقارب سبعين مهنة كانت ممنوعة عنه بسبب حصرها باللبنانيين.

أذكر وقتها كم ضايقني الأمر، صرت أتخيّل نفسي مكان سامر،أن أكون مهجّرة قسراً من وطني ولا أستطيع العودة إليه أبداً، ألوذ إلى بلد آخر وأُحرم فيه حتى من أن أحلم بممارسة مهنة أحبها...إنسانياً، المسألة مؤلمة!

ولكن على المقلب الآخر اذا نظرنا إلى ردات فعل فلسطيني المخيمات الناقمة على قرار وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان لتنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان مؤخراً، من حرق الدواليب إلى طباعة علم فلسطين على العملة اللبنانية، فهي الأخرى مجحفة بحق هذا البلد الصغير الذي ينوء تحت كاهل انهياره.

وهنا، وللموضوعية، سأورد بعضاً مما كتبته زميلة فلسطينية من أبناء مخيم برج البراجنة على صفحتها على فايسبوك، تعليقاً على القرار وتبعاته:

• "القانون قديم. الجديد هو أخذ القرار بالتشدّد بتطبيقه

• لوزارة العمل كل الحق بالقيام بما يلزم لحماية اليد العاملة اللبنانية وتنظيم اليد العاملة الأجنبية.

• لبنان بلد صغير وموارده محدودة وعليه عبء كبير فوق طاقته، ولكن أيضا هناك فساد وهو السبب الرئيس في تردي الأوضاع المعيشية والاقتصادية...

• استصدار إجازة عمل للفلسطيني، يحمي بالدرجة الأولى حق العامل، وهي مطلوبة من رب العمل أو المشغل الذي سيتحمل تكاليفها

• على الشارع الفلسطيني ضبط النفس والتحرك بمنطق وعقلانية. شهدنا تحركات فيها من الإبداع والفعالية والجدوى والتأثير أكثر بكثير من أي أعمال تخريب أو حرق دواليب (يعني بنفعش غير نحرق دواليب؟! هوي إحنا ناقصنا تلوث وقرف وأوبئة وأمراض.. إرحمونا وإرحموا أولادنا..."

هذه مقاربة من فتاة فلسطينية تعيش في مخيم لللجوء في لبنان، نعم كان لديها مآخذها وهذا حقها الطبيعي، ولكنها في نفس الوقت تعاطت مع القرار بمنطق.

لنعود إلى ردات الفعل في الشارع من الجانبين اللبناني والفلسطيني.

تفيد الدراسات الأخيرة في علم الأعصاب أننا نحن البشر نأخذ قراراتنا بعاطفتنا ونطلب من عقلنا أن يصدّق عليها. وهذا ما يحصل غالباً في كل شيء، يرى الناس الأمور من زاوية عاطفية علماً أنهم اذا أحكموا العقل، يروون الواقع بشكل مختلف، يرونه بوضوح أكثر ومنطق أكثر.

اذا راقبنا ما يحصل على الأرض، نجد أن بعض الأطراف اللبنانيين يتعاطون مع اللجوء الفلسطيني بعنصرية، وعلى الجانب الفلسطيني نجد أيضاً من يتعاطون مع اللبنانيين بحساسية مفرطة وغضب وأحياناً ميل إلى الانتقام. كلاهما على حق من منظاره الشخصي البحت، ولكن كلاهما سيجد نفسه على خطأ اذا قارب الأمور من منظار احتياجيات الآخر، اذا تعاطى مع الواقع بإنسانية وليس بأنانية.

أذكر عندما خرجنا من المخيّم، وفي حديث مع أحد زملائنا القادمين من فلسطين، وكان رجلاً أربعينياً، قال لي وقتها والدمعة في عينيه يعلّمون أبناءهم التراث الفلسطيني ولا يزالون يحتفظون بمفاتيح منازلهم لأن لديهم أملاً في العودة يوماً ما... نعم لو كان الفلسطينيون قادرون على العودة فهذا مُناهم!

على المقلب الآخر، ضاق اللبنانيون درعاً بكل المشاكل التي يتخبطون بها سياسياً واقتصادياً وحتى معنوياً، وعليه ما عادوا قادرين على تحمّل مزيداً من الضغط النفسي والاجتماعي والاقتصادي.

لبنان بلد على حافة الإنهيار الاقتصادي، نسبة البطالة فيه مرتفعة جداً، وآلاف الشباب المتخرجين يهاجرون سنوياً لأن سوق العمل ضاق بأهله. وعليه المنطق يقول إنه من المفترض أن تنظّم العمالة الأجنبية، علّ هذا البلد الصغير يلملم نفسه وسط كل الأزمات التي تحدق به!

هذا لا يعني أن لا نرأف بمن فقدوا حضن الوطن، ولكن نحن يضيق بنا حضن وطننا، فليرأفوا هم بنا أيضاً!