قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

تتفق علوم التربية والتنشئة ان البيت هو الخلية الأولى التي تتشكل فيها أنماط سلوك الفرد والقيم والتوجهات التي تؤثر فيما بعد في سلوكه العام وعلاقاته مع الآخرين ونظرته تجاه كل شيءفي الحياة. وتبرز أهمية البيت في عملية التنشئة التربوية والاجتماعية في ان الطفل يكتسب خصائص شخصيته وانماط سلوكه من خلال طرق التربية والتصرفات والمواقف التي يتعرض لها او يسمعها او يراها في البيت. فالأب، بحجة حماية العائلة والمحافظة عليها يتسلط على الجميع "الزوجة والعيال - اولادا وبناتا". والزوجة في غياب الأب، تتسلط على العيال، والأولاد بدورهم يتسلطون على البنات. وبعض الآباء، وربما الأكثرية منهم، هم من يقررون لأولادهم ما يأكلون وما يشربون وما يلبسون. هذا النمط التربوي السائد في البيت العربي يحرم الطفل من التدرب على التفكير الحر والمستقل، ويقتل فيه روح الإبداع، وتضعف ثقتهفي نفسه وفي قدراته على تحمل المسؤولية.

بعد البيت، يأتي دور المدرسة في تشكيل شخصية الفرد العربي وفي تكوين ثقافته العامة. وبدلا من ان تقوم المدرسة بالعمل على تغيير القيم وانماط السلوك التي تعلمها الفرد العربي في البيت، فإنها في الواقع والحقيقة تعمل على تعزيزها وتجذيرها في عقله ونفسه عن طريق ما تغرسه من قيم وانماط سلوك وتوجيهات مشابهة لها او ربما أسوأ منها. فنظام التعليم العربي قائم على أساس التلقين في اتجاه واحد. المدرس يلقن والتلميذ يحفظ تلقائيا من دون ان يكون هناك أي مجال للحوار والنقاش، وتمارس عملية التلقين في أجواء من علاقات التسلط والإذعان التي إعتاد عليها الفر العربي في البيت. فسلطة المدرس لا تناقش، وآراؤهصحيحة لا يمكن الاختلاف معها، واخطاؤه لا يسمح بالكشف عنها وإثارتها، لإن عواقبها وخيمة ونتائجها معروفة مسبقا، أي رسوب الطالب. هذا النمط التعليمي الخاطئ ينتج عنه غياب الفهم والإدراك الحقيقي السليم لما يتعلمه الفرد العربي، ويكرس في عقله وقلبه روح الامتثال والطاعة العمياء لمن هو في موقع السلطة.

وعندما ينتقل الفرد العربي الى الجامعة لمواصلة تعليمه الجامعي، فإنه لا يعيش مناخا متغيرا، ولا يعامل بأسلوب مغاير لما تعود عليه في البيت والمدرسة. فالجامعات في الدول العربية التي من المفروض ان يكون هدفها الرئيسي هو تعليم الطالب وتدريبه على التفكير المنهجي العقلاني، وتشجيعه على النقاش الجاد والحوار الحر، وتعويده على احترام آراء الآخرين وتقبل النقد البناء والرأي الآخر المخالف.

هذه الجامعات، منذ اكثر من عقدين من الزمن، هي عبارة عن مدارس للتعليم العالي، يمارس فيها التعليم بواسطة التلقين كما في المدارس الابتدائية حتى الثانوية العامة. لقد اصبح الهدف الأساسي لهذه الجامعات هو حشو عقل وفكر الطالب بكم هائل من المعلومات التي ينسى اغلبها بعد سنوات قليلة من مغادرة الجامعة، بدلا من تعليمه أساليب واصول البحث العلمي التي تمكنه من إعداد البحوث والدراسات والتأليف في المستقبل. أصبحت الجامعات العربية تخرج موظفين وكتبة بدلا من القادة وأصحاب الرأي والفكر القادرين على إدارة الدول ومؤسساتها في القطاعين العام والخاص، كما هو الحال في جامعات الدول المتقدمة والمتحضرة.

وفي مؤسسات العمل الحكومي والقطاع الخاص تظهر ثقافة التسلط بوضوح، فهذه المؤسسات هي عبارة عن مجتمعات مصغرة تضم اغلب شرائح المجتمع. فالرؤساء التنفيذيونيتسلطون على معاونيهم، والمعاونون بدورهم يتسلطون على الموظفين الذين يعملون تحت إمرتهم، وهكذا تدور الحلقة. اغلب الرؤساء التنفيذيين لا يؤمنون باللامركزية الإدارية التي تقول بتوزيع المسؤوليات على رؤساء الأقسام، وتفويض النواب والمساعدين في اتخاذ القرارات الإدارية الروتينية لتسيير دفة العمل اليومية كل في مجال تخصصه ومسؤولياته. بل يصرون على ان يكونوا على علم بكل شاردة وواردة، وأن يرجع اليهم في كل صغيرة وكبيرة، والبعض منهم يزرع الجواسيس من كبار وصغار الموظفين لينقلوا له الأخبار والأحاديث المتداولة بين رؤساء الأقسام. لهذا يغيب الإخلاص والإبداع في هذه المؤسسات، وتسود ثقافة المجاملة والكذب والنفاق.

ولا يختلف الوضع في مؤسسات المجتمع المدني، من أحزاب سياسية ونقابات واتحادات مهنية وتجمعات ثقافية وأندية رياضية واجتماعية، والذي عادة ما يكون العمل فيها تطوعيا، فحتى هذه المؤسسات يسودها تسلط رؤسائها. حدثني احد معارفي ان رئيس مجلس النادي الرياضي الذي ينتمي اليه يفرض على أعضاء مجلس الإدارة الموافقة على القرارات التي يريد هو شخصيا الموافقة عليها حتى لو لم تكن في صالح النادي، ويلقي عليهم المحاضرات في علم الإدارة وما يحق لهم ان يفعلوه وما لا يحق لهم ان يفعلوه، وكأنهم موظفون في مؤسسته الخاصة، ناسيا او متناسيا انهم أعضاء متطوعون ومنتخبون مثله من قبل الجمعية العامة. لا استغرب هذه السلوكيات فالجميع تربى على ثقافة التسلط في البيت والمدرسة والجامعة، ومارسها بشكل او بآخر في مكان ما.

إن نمط التربية والتنشئة في العائلة العربية القائم على ثنائية التسلط والخنوع هو شكل من اشكال السيطرة الأبوية التي تولد صراعا نفسيا واجتماعيا لدى الطفل، وتنتقل هذه السيطرة من البيت الى المدرسة والجامعة ومؤسسات العمل والمؤسسات الاجتماعية التطوعية، وينتج عنها شعور بالذل والهوان والخضوع يحول الأفراد الى مجرد متلقين للأوامر وجاهزين للتنفيذ دون نقاش، حيث تمسخ شخصياتهم وتغتصب حقوقهم وتمتهن انسانيتهم ويفقدون الثقة والاحترام المتبادل مع الآخرين. ولا يمكن الانعتاق من هذه الثقافة التي تتوالد في المجتمعات العربية إلا بتغيير نمط التربية والتنشئة السائد منذ عقود، واستبداله بنمط يعتمد على الحوار والحرية وإبداء الرأي والقبول بالرأي الآخر ابتداء من البيت والمدرسة والجامعة.