قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

رحَلت صاحبة "العين الأكثر زرقة " وَعادت إلى البياض والنور بَعد أن أفنت حياتها في الدفاع عن شرائح المجتمع الأكثر قهرًا وتهميشًا في المجتمع الأمريكي أواسط القرن الماضي . فقد خسرت الأواسط الأدبية الأميركية مطلع أغسطس، الروائية العالمية المتوّجة بجائزة نوبل، توني موريسون، التي اشتهرت بوصفها أحد أبرز رموز الأدب الأمريكي المعاصر وبدفاعها عن حقوق الأقليات،حيث أثنت اللجنة الأكاديمية السويدية في قرار اختيارها موريسون إلى الطريقة "التي تستعمل بها اللغة نفسها، إنها لغة تريد تحريرها من قيود العرق".

لقد غاصت موريسون في عمق الإنسانية بأسلوب راقٍ حيث كان هدفها الأبرز عند انطلاقها في عالم الكتابة مقاومة العنصرية، إذ قالت في إحدى مقابلاتها : "عندما بدأت، كان هناك شيئ واحد فقط أردت الكتابة عنه: التأثير المدمر للعنصرية على المرأة السوداء والطفل، وهما أكثر وحدات المجتمعات التي لا حول لها ولا قوة وتفتقد للحصانة والحماية".

لقد آمنت موريسون كما كل المناضلين من أجل السلام بضرورة أن ينعم الانسان بالطمأنية والأمن ويتساوى الجميع  في الحقوق والواجيات ، حيث تناولت روايتها أثار العبودية و التاريخ الاجتماعي للأميركيين الأفارقةبأسلوب حمل شحنة شجن وكثافة عاطفية مميزة وغنائية سردية تقربها من لغة الشعر.

بيد أن صانعة الحب "موريسون" أغمضت عيناهَا خلال عاصفة من العنفالمحلي اجتاحت البلاد، فقد رحلت في أسبوع شهدت فيه الولايات المتحدة تنامي نزعة العدائية وتصاعد خطابات الكراهية، حيث اعتبر شهر أغسطس/آب شهرا داميا بالنسبة لحوادث إطلاق النار التي وُصف بعضها عن أنه ناجم عن "الكراهية"، ففي الأسبوع الأول منه قُتل 3 أشخاص على الأقل وأصيب 37 آخرون في حوادث إطلاق نار بمدينة شيكاغو الأمريكية، بعد أقل من 24 ساعة على حادثين مماثلين شهدتهما ولايتا تكساس وأوهايو.

ففي ولاية تكساس، وقع الحادث الأول بمدينة إل باسو ف متجر "ول مارت " الواقع في محيط مركز سيلو فيستا التجاري، وأسفر عن مقتل 20 شخصا وإصابة 26، ما يعد ضمن أكبر الحوادث من هذا النوع في تاريخ الولايات المتحدة. حيث قال جون باش، المدعي العام الأمريكي في المقاطعة الغربية بتكساس خلال مؤتمر صحفي : "نتعامل مع هذا (الهجوم) على أنه قضية إرهاب محلي." وأضاف أن الرجل قد يواجه اتهامات تتعلق بجرائم كراهية فيدرالية واتهامات تتعلق بالأسلحة النارية الفيدرالية . 

أما الحادث الثاني فوقع في مدينة دايتون بولاية أوهايو، أسفر عن مقتل 10 أشخاص وإصابة 16 آخرين.

إذن تزامن رحيل موريسون العاشقة للسلام  مع حادثة مؤلمة وقعت  في نفس الولاية التي أحبتها وانتمت إليها حيث قالت عنها  يومًا إثر تكريمها : "شعرت أنني مُمَثلة، شعرت أنني أمريكية، شعرت أنني أوهايوية (نسبة إلى أوهايو) شعرت أنني أكثر سوادا من أي وقت مضى، شعرت أنني امرأة أكثر من أي وقت مضى".

نعم في محاضراتها كانت تقرّ بأن وضع السود في أميركا اختلف كثيرا عمّا كان عليه في العصور السابقة لكنها كانت دائمة الخشية من الحاضر حيث قالت ، "لكنّ أميركا اليوم متوتّرة ومرعبة أكثر من أيّ وقت مضى" على حدّ وصفها . 

وحتى آخر أيام عمرها  ظلت موريسون وفيّة لقضيتها المحورية، ففي روايتها الأخيرة "ليكن الرب في عون هذه الطفلة" التي صدرت عام  2015 ، تروي قصة شابة جميلة عانت من سوء معاملة والدتها لها في طفولتها بسبب بشرتها السوداء الداكنة. 

عرفتُ توني موريسون من خلال محاضراتها ودعمها الانساني اللامحدود للفئات المهمشة ، حيث كانت تركز على مفهوم الخير وضرورة تسليط الضوء عليه ونشر ثقافة المحبة والتسامح بين الأجيال ، ففي إحدى المحاضرات التي ألقتهامنذ أعوام في مركز العلوم الإنسانية بجامعة "نورث إيسترن " قالت : "العنف مشهد يلفت الانتباه ، في حين أن أعمال الخير غالباً ما يتم تجاهلها " معتبرة أن الشر والعنف يستحوذان على الأخبار وأن مفهوم الخير والتسامح يكاد يختفي تقريبا في الثقافة والأدب المعاصر . 

قبل وفاتها بأشهر قليلة ، وفي فبراير الماضي كنت قد ألقيتُ محاضرة بعنوان "اللاعنف : سلاح المحبة " تناولت فيها الأسس الفكرية للاعنف عند مارتن لوثر كينغ الإبن ، وابرز الخطوات العملية  لمكافحة العنصرية والدفاع عن الحقوق المدنية .  وفي السابع من مارس الماضي وصلتني رسالة من موريسون مكونة من 6 صفحات فيها الكثير من الإمتنان وتسلط فيها الضوء على ضرورةالتغيير و العمل مع الأجيال الصاعدة لبناء مجتمع المحبة والسلام و ضرورة مكافحة كافة أشكال العنف وخطابات الكراهية. 

وانقل ما كتبته لي مطلع الرسالة كما هو باللغة الإنكليزية :

“I learned early on that if change is to occur, one must be willing to think and do the Unthinkable” 

أي: " لقد تعلمت في وقت مبكر أنه إذا كان التغيير سيحدث، فيجب على المرء أن يكون مستعدًا للتفكير والقيام بما لا يمكن تصوره". 

ستبقى هذه الرسالة الرؤيوية التي تعكس قوة المحبة والدعم اللامحدود للخيرمصدر إلهامٍ لي ولجميع من اختاروا السلام دربًا ، ومن عميق القلب لها جزيل الشكر لإضافة اسمي إلى قائمة الأسماء على نصب التسامح  في ولاية ألاباما . وسأحمل هذا التقدير أيقونة حبِّ بين جنبات روحي. 

وداعًا .. توني موريسون. 

فلترقد روحك كما أحبت في عليائها بسلام.