قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

بطبيعة حال المجتمع السياسي الكُردي والعراقي عموماً، لا تلتزم الأحزاب والتيارات السياسية عندنا – إلا نادراً- بالتوقيتات التي توضع لإعادة تنظيم الحزب وتجديده من كافة النواحي، لاسيما من خلال تلك المناسبة الحزبية التقليدية، التي يطلق عليها المؤتمر الحزبي Party Congress.

 والمؤتمر، كما هو معلوم و وارد في القواميس السياسية، هو عبارة عن مناسبة حزبية عامة ودورية تُعقد كل ثلاث أو اربع سنوات لتجديد الحزب، كما انه "اجتماع عام لحزب سياسي يحضره نواب يمثلون أعضاءه، وهو في معظم الأحزاب أعلى هيئة للتقرير وتهتم باختيار قادة الحزب وتخطيط سياسته ووضع منبره وأجندته".

ولهذه الإشكالية الحزبية في العراق أسباب وأسباب!، ربما ابرزها يتمثل في إنعدام تقاليد سياسية حداثية تُلزم الفاعلين السياسيين ببعض المباديء والقواعد، التي تُكَفل إستقرار الحزب السياسي وتطوره، وتوَزّع له مجدداً الأدوار الحزبية الجديدة وفقاً لمقتضيات المراحل السياسية وتحدياتها التي يمر بها الحزب وقياداته وأعضائه داخل المجتمع الناشط فيه.

  وربما أهم هذه المباديء الكفيلة اليوم، بل ومنذ زمن بعيد، هو ليس سوى الرضوخ لمبدأ التداول السلمي للسطة في الحزب والإلتزام بالتغيير الديمقراطي لقادته، فضلاً عن تجديد مؤسسات الحزب ونظامه الداخلي وبرنامجه عن طريق تقديم تقارير شاملة ومفصلة في المؤتمرات الحزبية وفتح دائرة النقاش والحوارات المفتوحة والمنهجية، التي تقوم على الحِجج العقلانية والمُقنِعة والمحسومة عبر آلية التصويت الديمقراطي لأعضاء المؤتمر حول كافة القضايا الحزبية والملفات المطروحة، وعلى ضوء المستجدات الداخلية والخارجية للبلد وتطلعات الحزب السياسية ايضاً.

 وهناك اسباب أخرى لهذه الظاهرة، قد يتعلق بعض منها بآيديولوجية الأحزاب والمنظمات السياسية في العراق واقليم كُردستان، إذ يلاحظ المرء في هذا المضمار ان معظم الآيديولوجيات المطروحة في البلاد، منذ ستينات القرن الماضي الى يومنا هذا، غير آبهة أساساً بالثقافة الديمقراطية ومتطلباتها!، والأسوأ هو وصول الأمر، مع بعض منها، الى إعتبار هذه الأخيرة لا شيءَ سوى بدعة سياسية غربية تستهدف العقائد السياسية الراسخة والمُعبرة عن الواقع السوسيولوجي للمجتمعات التي تنشط فيها!، ولامراء من ان الأفكار والتصورات الإشتراكية والقومية والإسلامية إزاء إلإنسان والمجتمع والعالم، والتي تشكل الثقافة السياسية الطاغية لدى أجيال وأجيال، هي التي تتصدراليوم واجهة الأيديولوجيات السياسية السائدة في العراق وأقليمه كُردستان، وهذا يعني بجملة، انه ليس لأحزابنا، في نهاية الأمر،خلفية فكرية ديمقراطية رصينة تقدم لها حلولاً ناجعة وموضوعية للإشكاليات والأزمات الحزبية المتراكمة وعلى رأسها غياب الإلتزام بالتوقيتات الموضوعة لإنعقاد المؤتمرات الحزبية. 

 وربما من بين الأحزاب الأكثر تأثراً اليوم بهذه الآفة السياسية والأكثر تأزماً بفعلها، هو حزب الزعيم والرئيس العراقي الراحل جلال طالباني (1933-2017م)، أي "الإتحاد الوطني الكُردستاني" الذي يعد ثاني أكبر حزب كردي في العراق وكُردستان والذي تأسس عام(1975م) على يد مجموعة من كبار السياسيين التقدميين والمثقفين الكُرد ويمثل أحد الأطراف الرئيسة في المعادلة السياسية العراقية والكُردستانية.

فهذا الحزب وخاصة بعد غياب الرئيس (جلال طالباني) ثم رحيله، صار يعاني منذ سنوات وبشدة من فراغ حقيقي تركه رحيل زعيم الحزب من ورائه دون أي يُعالج حتى اليوم، ورغم حضور نائب الأمين العام للحزب، السيد" كوسرت رسول علي "ونظيره الحزبي "د.برهم احمد صالح" رئيس جمهورية العراق الحالي، وإدارتهما الحَذِرة والمسؤولة للحزب في غياب الزعيم وفي ظل تشرذم الحزب الى اقطاب وفئات غير متماسكة، إلا ان أمر الفراغ هذا لم يُحسم بعد، بل انه بحاجة الى مساعٍ أكثر وتحركات متواصلة، ولسوء حظ الحزب ليس ثمة شيئاً حقيقياً يُراهَن عليه الآن للخروج من النفق الضيق الذي يعيشه فيه هذا الحزب بعد رحيل زعيمه المؤثر والملهم "Charismatic" سوى إنعقاد مؤتمره الرابع، الذي تأخر أجل إنعقاده لأكثر من سبع سنوات، الأمر الذي فاقم من حدة التوترات الداخلية للحزب وإنقساماته شيئاً فشيئاً لحد تهديد كيان هذا الأخير أحياناً كطرف فاعل على الساحة السياسية في البلاد وإزاء بعض الملفات والقضايا السياسية الشائكة والمصيرية. 

ورغم ان المراهنة على المؤتمر الحزبي، كعامل حاسم لأزمات الحزب وإنقاذه وعصا سحرية، يبدو أمراً مبالغاً فيه وغير واقعي نظراً لتراكم الظواهر الحزبية الخاطئة وخرق النظام الداخلي وبرنامج الحزب وسياساته وإنعدام ثالوث المراقبة والعقوبة والمكافئة من قبل المؤسسات والقادة، إلا أنها تُمثل في ذات الوقت الطريق القويم أيضاً بإتجاه إعادة تنظيم الحزب تدريجياً وتغييره، حتى ولو كان جزئياً، لتعود اليه العافية فيما بعد ويلعب دوره السياسي. 

  وربما إرتفاع الأصوات الداعية اليوم الى إنعقاد مؤتمر هذا الحزب، ينطلق أساساً من الخشية من خسارة الحزب لموقعه الحالي، كثاني حزب كردي في العراق، لاسيما في الإنتخابات المقبلة الخاصة بالمحافظات العراقية التي ستجري في ابريل/نيسان القادم (2020م)، وكذلك الخوف من تجدد تبادل الإتهاماتأيضاً بين الإعضاء في القيادة إذا ما كانت النتائج غير سارة وتؤدي الى المزيد من التمزق والتشتت، لاسيما بعد أن فقد حزب الطالباني منذ عام(2013م) عددا كبيراً من مقاعده البرلمانية التي كانت نظيرة أو قريبة من مقاعد خصمه اللدود، حزب البارزاني، الديمقراطي الكُردستاني.

 في كل الأحوال، يمكن القول هنا وبإختصار، انه ليس أمام حزب الطالباني، وهو حزب يساري ديمقراطي ومنتمي لأسرة الإشتراكية الدولية (IS)، خيارات أخرى بديلة سوى إنعقاد مؤتمره الرابع، وربما الأمر مشروطاً، قبل أي شيء، بضرورة التوصل مسبقاً الى تفاهمات داخلية تتوخى تجنيب الحزب من أي إنشقاقات جديدة هو بغنى عنها.

  ولابد أن يشمل مفهوم "التفاهم الداخلي" أمرين في غاية الأهمية للحزب وربما للمجتمع الكُردي أيضاً، الأول هو الإتفاق على مبدأ التغيير وإعادة الإعتبار الى الإختيار الديمقراطي في إعادة تنظيم الحزب وتجديده لكي يمثل أفضل تمثيل لتطلعات الشعب الكُردي والعراقي أيضاً، والثاني هو الإتفاق على عدم إقصاء أي فئة داخل الحزب عن طريق الطاعة العمياء لكل ما تمليه التكتلات الحزبية المصالحية الضيقة في المؤتمر. صحيح إن ظاهرة التكتل، أو الإستقطاب، هي، بشكل أو بآخر، ظاهرة قائمة في كل حزب، ولكنها لاتتعدى مبدئياً بعدها الفكري ولن تكون علىحساب تشتيت الحزب وتقسيمه، لاسيما ان المجتمع الكُردي والعراقي عموماً يُعانيان منذ سنوات من الإنقسامات السياسية في صفوف الأحزاب وإنشقاقاتها وبالتالي التعددية المُفرطة الناتجة عنها دون ان يكون لأي منها جدوى ما لا للبلاد ولا للعبادعلى حد سواء.

*كاتب واكاديمي من كُردستان العراق