قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مر خبر اعلان موافقة الفيسبوك على دفع 5 مليار دولار من اجل تسوية قضية تتعلق بانتهاك خصوصية المستخدمين، من غير ان يُحظى باهتمام الكثير من المحللين والباحثين في العالم الرقمي مع ان حجم مبلغ الغرامة يحتاج منا لتأمل وتفكير في السبب الذي جعل شركة الفيسبوك تدفع هذه الغرامة.

لجنة التجارة الفيدرالية الامريكية، التي اعلنت عن الخبر،  قد اوضحت ان هذه الغرامة هي اكبر غرامة في تاريخ الشركات الامريكية، بل اكبر  غرامة في التاريخ تتعلق بخرق الخصوصية، ما يدفعنا الى ضرورة النظر في تفصيلات الموضوع المتعلق بها ومايعنيه من معاني ومايثيره من دلالات قد يؤدي بنا الى نتائج تبدو صادمة بدون ادنى شك .

في البداية، لابد ان نعترف بان غالبية المختصين في المجال التقني، وحتى الشركات الكبرى لمواقع التواصل ، يُجمعون على ان من اهم التحديات التي تواجه هذه المواقع والشركات الكبرى، وخصوصا الفيسبوك، هي خصوصية المستخدم بل ان الفيسبوك اضافت لها تحديات اخرى هي تأمين الحساب وحمايته من التأثيرات السياسية عليه في الانتخابات والاخبار الكاذبة وسيطرة المستخدم على المعلومات التي يشاركها في صفحته والشفافية...كما حددتها مدير العمليات في الفيسبوك شيريل ساندبريح في محاضرة لها مؤتمر DLDالمُنعقد في ميونخ قبل عدة اشهر . 

فالخصوصية احدى هواجس المستخدمين والحكومات على حد سواء، وقد دار جدل كبير في الاشهر الاخيرة حولها، حيث ان خرق هذه الخصوصية هو الذي دفع لجنة التجارة الفيدرالية الى اصدار هذا القرار بحق الفيسبوك، كما غرّمت السلطات البريطانية الشركة، في نهاية العام الماضي، 500 ألف جنيه إسترليني، لنفس السبب، وهي الغرامة التي تعتبر اقصى حد يتم فرضه على شركة في قضايا تتعلق بخرق القانون البريطاني فيما يتعلق بقضايا حماية البيانات.

في ضوء المعطيات اعلاه ... دعونا نسأل بوضوح: 

لماذا تم تغريم الفيسبوك في اميركا، وقبلها في بريطانيا، هذا المبلغ الاستثنائي؟  

ماهو الخطأ الكارثي الذي ارتكبته الشركة لكي تدفع هذه المبالغ الضخمة؟

لماذا اصدر مارك زوكيربيرج بيانا اعتذر فيهم عما حصل وقال : لم نستطع القيام بمسؤولياتنا على نطاق واسع كما ينبغي... هذا كان خطأنا، وأقدم اعتذاري عن ذلك".

واخيرا : هل ماحدث يستحق فعليا تدخل الكونجرس الأمريكي ومجلس العموم البريطاني في هذا الامر ؟

مفتاح كل هذه الاجوبة يكمن في شركة الاستشارات وتحليل البيانات " كامبريدج أناليتيكا" التي يديرها تنفيذيا ألكسندر نيكس، اذ قامت بالوصول او سرقة  او  جمع بيانات ومعلومات اكثر من خمسين مليون شخص ( 87 مليون ) على الفيسبوك، واستغلتها للتأثير على خيار الناخبين امام صناديق الاقتراع في الانتخابات الامريكية،

الفضيحة المدوّية التي اعتقد الكثير من المحللين بانها ضربة قاصمة لامبراطورية الفيسبوك كشفها محلل البيانات الكندي واحد كبار موظفي كامبريدج أناليتيكا كريستوفر وايلي ل "أوبزرفر" البريطانية، وهو يعترف بمرارة انه وجد بعد مدة من العمل مع هذه الشركة بان سلوكهم يفتقر للمصداقية والاخلاق ويُسبب خرق لخصوصية الناس وبيع معلوماتهم واستغلالهم لتحقيق غايات سياسية بطرق تصل في بعض مستواها لاستخدام الرشوة والجنس والنساء والابتزاز كما اعترف مدير الشركة بذلك في تسجيل سري مصور من قبل القناة الرابعة البريطانية . 

الانكى من كل ان هذا الموضوع لم يقتصر  على الانتخابات الامريكية فقط، بل انه تعدى ذلك الى عشرات البلدان مثل كينيا والتشيك والارجنتين والهند وجنوب افريقيا ونيجيريا ورومانيا، بل ان وايلي صرح لعدة صحف بان شركة كامبريدج أناليتيكا قد لعبت دورا كبيرا في تصويت البريطانيين لصالح خروجهم من الاتحاد الاوربي فيما يعرف بالبريكست !

العملية حدثت من خلال تطبيق اسمه “هذه هي حياتك الرقمية “Thisisyourdigitallife  الذي انشأه عالم نفس في جامعة كامبرديج يُدعى الكسندر كوجان، وهو متعاون مع الشركة، حيث قام حوالي 270 الف شخص بتحميل التطبيق، وقام كوجان باجراء اختبار لمعرفة شخصية المستخدم والتنبؤ بها ، وهكذا استطاع الدخول لمعلومات تتعلق بهؤلاء الذين قاموا بتحميل التطبيق واجابوا على الاختبار، بالاضافة الى اصدقائهم ايضا الذي استطاع التطبيق ايضا من معرفة العديد من المعلومات عنهم. 

هذه المعلومات التي امتلكتها الشركة، والتي قالت بان لديها  ٥٠٠٠ وحدة رصد بيانات عن كل ناخب امريكي، ساهمت في معرفة شخصيات الناخبين وتوجهاتهم من خلال دراسة صفاتهم النفسية، فقامت بتوجيه اعلانات معينة خاصة لهم ساهمت في تغيير ارائهم او توجيهها باتجاه معين يخدم مصلحة الاطراف السياسية التي تتحالف مع الشركة او تدفع لها مبالغ نظير الخدمة الكبيرة التي تقدمها لهم .

ان شركة كامبيردج انالاتيكا قد سلمت المعلومات والبيانات التي تمتلكها لفريق ترامب الانتخابي من اجل الاستفادة منها ، مثل اسماء وعناوين بريدية لـ230 مليون أميركي، من خلال التنسيق مع ستيف بانون الذي ادار حملة ترامب الانتخابية وكان في نفس الوقت مديرا تنفيذيا في شركة كامبيردج . 

وبحسب  المعلومات فان الأشخاص التي قامت الشركة باستغلال بياناتهم والتلاعب بهم ثم استهدافهم يمثلون ثلث المستخدمين في أميركا الشمالية، وتقريبا ربع الناخبين الأميركيين الذين صوتوا في الانتخابات  الامريكية الأخيرة، وهي نسبة كبيرة تكفي لتغيير نتيجة اي انتخابات في العالم.

ومع ان القرارات الجديدة التي رافقت الغرامة ضد الفيسبوك ستُلزمها بوضع محددات جديدة والطلب منها البدء بتعديل هيكلية الشركة، ومنع فيسبوك من السؤال او معرفة كلمات مرور البريد الإلكتروني عندما يقوم المستخدم بانشاء حساب، بالاضافة الى انهاء سيطرة مارك زوكربرغ على اي قرارات يمكن ان تؤثر على خصوصية المستخدمين من خلال انشاء لجنة خاصة بذلك كما اشارت الى ذلك الاخبار ، لكن يوجد شي اخر كشفته هذه الغرامة ومافعلته شركة كامبريدج أناليتيكا.

ان الانسان من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي في حالة عري رقمي كامل، فالشركات تُسجل كل نشاطاتهم من اعجابات تتعلق بالصفحات والمنشورات والتعليقات ومشاركة المواد وتحديد مواقعهم ومايفضلونه من اطعمة ونوعية سياراتهم و خيارهم السياسي واين يقضون العطلة، وغيرها من المعلومات الاخرى ، وبالتالي يمكن ان تستخدم كل هذه البيانات والمعلومات ضد المستخدم في توجيه الاعلانات والمنشورات والرسائل السياسي من اجل تغيير قناعاته وتبديل قرارته .

على القارئ ان يتصور معنى ان تصل للصفحة الشخصية لشخص ما، متردد في قراره الانتخابي ولم يحسمه او لايعرف من ينتخب، عشرات المنشورات والصور والفيديوهات الوثائقية المُكثفة ضد جهة سياسية ما هي طرف اساسي في الانتخابات، او تصل له فيديوهات ومنشورات لمدح غير مباشر لطرف سياسي انتخابي. الا تساهم تلك المنشورات في تغيير قراره ؟ او تعديله ؟ او على الاقل في التأثير عليها بطريقة ما ؟  

ان مجرد التفكير في ان مواقع التواصل الاجتماعي تعرف عن الانسان هذا الكم الهائل من المعلومات والبيانات والتي تستطيع العديد من الاطراف الاخرى الوصول لها، او انها تسمع لبعض اتصالات مستخدمي ماسنجر فيسبوك عم طريق متعاقدين مع الشركة كما كشفت عن ذلك مؤخرا بلومبيرغ نيوز، ان التفكير في كل هذه السلوكيات هو امر مُخيف ويدعو للقلق الجدي في مآلات استخدام هذه البيان ضد المستخدم نفسه واثر ذلك عليه من الناحية النفسية والسياسية والاجتماعية .

العُري المعلوماتي لأكثر من ملياري شخص في العصر الحديث يُعد اكبر خرق يتعرض له المستخدم وعالمه الداخلي وكل مايتعلق بأسراره، وهو تهديد مباشر للإنسان الذي تحوٍِّل الى سلعة تُباع وتُشترى " معلوماتها " في ظل هيمنة مواقع التواصل الاجتماعي على التواصل بين البشر .  

باحث في مواقع التواصل الاجتماعي