قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

قلنا مراراً وتكراراً أن تآكل سيادة الدولة الوطنية ونفوذها في منطقة الشرق الأوسط لمصلحة الميلشيات الإرهابية والأذرع الطائفية يمثل خطراً داهماً على الأمن والاستقرار الإقليمي. ونعتقد أن هذه الحقيقة يعرفها صناع القرار في الدول الكبرى والقوى المهيمنة على صنع القرار الدولي، ولكن تداخل المصالح أحياناً وتقاطعهاً احياناً لا يزال يقف حائلاً دون بناء موقف دولي موحد يتصدى للخطر المتصاعد الميلشيات والأذرع الطائفية.

الحاصل الآن اننا نصحو يومياً على أخبار هجمات لطائرات من دون طيار وصواريخ تتزايد أمديتها وتنمو قدراتها العملياتية والتسليحية وفقاً لإرادة الأطراف التي تزود الميلشيات بها، وهذه الهجمات لم تعد تقتصر على دولة او منطقة بعينها بل تشهدها دول عدة في الشرق الأوسط، في لبنان واليمن والعراق وسوريا. والحقيقة أن بعض دول المنطقة لم تعد قادرة على ضبط الميلشيات المتواجدة على أراضيها والحقيقة أيضاً أن بعض هذه الميلشيات لم يعد يعترف بسيادة الدولة التي يحمل اسمها، فحزب الله "اللبناني" اعترف على لسان زعيمه حسن نصر الله، مؤخراً، بأنه يعمل تحت قيادة المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي! هكذا قولاً واحداً يقفز نصر الله وحزبه الذي يمتلك مقاعد في الحكومة والبرلمان، على كل المرجعيات اللبنانية ويضع ميلشياته تحت أمرة القيادة الإيرانية!

هناك معضلة كبيرة ومتنامية في لبنان على سبيل المثال، فرئيس الوزراء اللبناني قال مؤخراً أن "حزب الله" يستطيع إشعال حريق أو حرب قد تحصل لأسباب إقليمية، لا تخص لبنان، لكنه لا يدير الحكومة، وقال ايضاً "ليست مشكلتي أو خطئي أن حزب الله، أصبح قوياً الى هذه الدرجة. لكن أن يقولوا لي إن حزب الله، يدير الحكومة، لا. حزب الله لا يدير الحكومة، نحن من يديرها"، واستطرد "نحن لا نوافق حزب الله على هذه الأعمال. أنا لا أتفق مع حزب الله على هذه الأعمال". وفي حديث آخر قال الحريري إن "حزب الله يمثل مشكلة على مستوى المنطقة، وأعرب عن مخاوفه من اندلاع حرب محتملة في منطقة الشرق الأوسط"!

عندما تتحول ميلشيا داخلية إلى دولة داخل الدولة، وقوة لا تخضع لسيطرة الدولة التي تنتمي إليها، فإننا بصدد معضلة استراتيجية حقيقة!

الإشكالية الأهم ـ برأيي ـ أن "حزب الله" اللبناني بات يمثل نموذجاً تسعى كل الميلشيات الإقليمية لاستنساخه، حيث يمضي على طريقة ميلشيات الحوثي في اليمن والحشد الشعبي في العراق، وميلشيات أخرى تأتمر بأمر قادة الحرس الثوري الإيراني.

المؤكد والواضح للعيان أن بصمات إيران في قدرات الميلشيات الإرهابية باتت أوضح من كل الفترات الزمنية السابقة، وإلا كيف نفسر هذا الانتشار الفيروسي للطائرات المسيّرة والصواريخ الموجهة التي تستخدمها الميلشيات في شن هجمات ضد دول عدة بالمنطقة في مقدمتها المملكة العربية السعودية، وكيف يمكن ان يقتنع عاقل أن هذا التكاثر الهائل للطائرات من دون طيار بيد كل الميلشيات من "حزب الله" حتى "الحوثي" قد تحقق محض صدفة؟! وكيف يقتنع عاقل بأن قدرات هذه الميلشيات التي باتت متقاربة للغاية سواء في إطلاق الصواريخ والطائرات من دون طيار أو التصدي للهجمات بما تمتلك من قدرات دفاعية تنافس قدرات الجيوش النظامية التي تمتلكها الدول قد تحقق أيضاً من باب المصادفة؟ المؤكد أن مايحدث هو نتيجة مباشرة للتنسيق والتعاون المتزايد وتنفيذ أوامر قادة الحرس الثوري الإيراني بتزويد الأذرع الطائفية بقدرات عسكرية تمكنها من نشر الفوضى وتشتيت الانتباه وتوسيع دائرة الخطر والتهديد بالحروب اقليمياً لأوسع نطاق جغرافي ممكن بما يخفف الضغوط الاستراتيجية على النظام الإيراني، ويوفر للنظام في الوقت ذاته ورقة ضغط تفاوضية هائلة التأثير في الأزمة المحتدمة مع الولايات المتحدة وحلفائها.

لا شك أن ترك الأمور في الشرق الأوسط على حالها ينتج المزيد من الصراعات والفوضى التي يمكن أن تتسع دائرتها وتجعل من الصعب السيطرة على الحرائق القائمة وما يستجد من أزمات، فانعدام الثقة في قدرة النظام العالمي والقوى الكبرى المهيمنة على كبح جماح الميلشيات والتصدي يفتح الباب واسعاً امام مزيد من انحسار سيادة الدول وهيبتها ويغذي الطائفية والتحزب والتقوقع الأيديولوجي خصماً من رصيد الدول.

أحد أهم مداخل استعادة الأمن والاستقرار الإقليمي يتمثل في احتواء خطر الميلشيات وتجفيف منابع تمويلها العسكري والمالي نهائياً، واعتقد شخصياً أن هذا الملف يجب أن يكون ذات أولوية استثنائية في أي مفاوضات مزمعة مع نظام الملالي الذي يدير ويمول ويسلح ويوجه شبكة كبيرة من الميلشيات والأذرع الطائفية في الكثير من دول الشرق الأوسط، فاستعادة الأمن والاستقرار تبدأ من استعادة هيبة الدولة المركزية ونفوذها في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وقابلة للانفجار.