قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في 30 حزيران من العام الماضي 2018 أقيم المؤتمر السنوي العام للمقاومة الإيرانية في ضاحية باريس الشمالية في مدينة «فيلبنت»بمشاركة عشرات الآلاف من أبناء الجاليات الإيرانية في مختلف بلدان العالم وبحضور مئات من الشخصيات السياسية من خمس قارّات العالم. 

غداة عقد المؤتمر ظهرت خبر مهمّ جدّاً في مانشيتات العديد من صحف العالم بأن خطة مدبّرة من نظام الملالي لتفجير هذا المؤتمر أحبطت بمشاركة الأجهزة الأمنية الألمانية والفرنسية والبلجيكية. وأعلن عن اعتقال أربعة أشخاص من المتورطين في هذه الخطة، بينهم أحد الدبلوماسيين التابعين لنظام الملالي الذي كان يعمل في سفارة هذا النظام في فيينا. وأعلنت النيابة العامة الألمانية، التي أمرت بإلقاء القبض عليه أثناء مروره من ألمانيا، بأنه هو الذي نقل المادة المتفجّرة من فيينا إلى لوكسمبورغ لتحويلها إلى عميلين للنظام الإيراني لزرعها في المؤتمر. 

ولأن العميلين اللذين كانت المادة المتفجرة بحوزتهما كانا من أتباع بلجيكا وألقت الشرطة القبض عليهما في بروكسل، فالنيابة الاتحادية البلجيكية في مدينة أنورس أخذت على عاتقها مهمة التحقيق في هذا الملف. وتباعاً تمّ تسليم الدبلوماسي الإرهابي أسدالله أسدي من ألمانيا إلى السلطات القضائية في بلجيكا، كما أن الشخص الرابع الذي اعتقل في باريس أيضاً نقل إلى بلجيكا. وهؤلاء الأربعة لا يزالون في السجن قيد التحقيق. بقاء الأربعة قيدالاعتقال والتحقيق بعد أكثر من 14 شهراً يشير إلى وجود ادلّة دامغة بتورّط هؤلاء في تخطيط الجريمة، وكذلك إلى جدية القضاءالمسؤول عن الملف. 

من جهة أخرى إضافة إلى المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية بصفته الجهة المنظّمة للمؤتمر، تم تسجيل أكثر من عشرة من الشخصيات المشاركة في المؤتمر بصفتهم شكاة في هذا الملف. 

إلى هنا يمكننا أن نقول أن الأمور كانت تمشي باتجاهها الصحيح. لكن الخبر الذي نشرته صحيفة اللوموند الفرنسية في 31 من تموزالماضي وما تبعتها من أخبار من داخل ايران ومحاولة النظام الإيراني استخدام الركائز السياسية والدبلوماسية والاقتصادية للتأثير على المسار القضائي، يثير القلق. وأشارت الصحيفة إلىأن مسؤولين سياسيين فرنسيين طلبوا من أجهزة المخابرات التزام الهدوء في الحديث عن نشاطات النظام الإيراني الإرهابية. وأضافت اللوموند بأن الجهات السياسية الفرنسية طلبت من الأجهزة الأمنية في فرنسا تقليل الانتقادات تجاه إرهاب الدولة الإيرانية، وذلك خلال اجتماع مجلس الدفاع الذي ينعقد بشكل أسبوعي في قصر الإليزة بمشاركة مسؤولي الأمن في البلاد وبحضور الرئيس إيمانويل ماكرون. وتطرّقت الصحيفة الفرنسية إلى المخطط الإرهابي المدبّر لمؤتمر المقاومة ولم تبق مجالاً للشكّ أن التهدئة التي تطالب بها الحكومة الفرنسية تعود إلى هذا الموضوع.

وشدّدت الصحيفة أن الطلب من أجهزة المخابرات الفرنسية بتخفيف حدة انتقاداتها تجاه إيران، هدفه تسهيل مهمة «التفاوض» مع طهران. وأوردت أنه فيما كان الاجتماع يناقش القضية الإيرانية، والدور الذي يمكن أن تضطلع به فرنسا في إنقاذ الاتفاق النووي، دُعيت المخابرات إلى غضّ الطرف عن ما يوصف بـ"إرهاب دولة” إيران وما تقوم به في الشرق الأوسط ومناطق أخرى في العالم.

قبل ذلك نشرت صحيفة لوفيغارو مقالا بتاريخ 17 تموز الماضي بعنوان «أسباب اعتقال الباحثة الفرنسية الإيرانية في طهران». يتحدث المقال عن سيدة فرنسية من أصل إيراني اعتقلتها السلطات الإيرانية، ويوحي بأن الهدف كان التخطيط للتبادل مع المتهم الرئيسي في قضية تفجير مؤتمر المقاومة الإيرانية أي أسد الله أسدي الدبلوماسي الإرهابي المسجون في بلجيكا. وتشير لوفيغارو في هذا المجال إلى نموذج من هذا النوع حيث قامت فرنسا سابقاً بمبادلة سيدة فرنسية رهينة في سجون إيران بأحد قتلة شهبور بختيار الذي كان في السجن في فرنسا. 

والغريب في الأمر أن فرنسا في العام الماضي وبعد ثلاثة أشهر من كشف المخطّط كانت مركزّة على الموضوع حيث أعلنت أن الحكومة الإيرانية كانت وراء تلك العملية وقامت بطرد دبلوماسي إيراني من أراضيها بسبب ضلوعه فيها. وبعدها أصدر ثلاثة وزراء فرنسيين الخارجية والداخلية والمالية بيان مشتركآً في هذا المجال وحذّورا نظام الملالي من العبث بأمن فرنسا. كما قامت فرنسا آنذاك بتجميد أموال أسد الله أسدي المذكور ورئيسه في سلّم المراتب سعيد هاشمي مقدم. هذه الإجراءات أدّت إلى مبادرة أروبية ضد النظام الإيراني، خاصة بعد مواصلة نشاطاته الإرهابية في الدنمارك، بإدراج هذين الشخصين والفرع الرئيسي للمخابرات الإيرانية في القائمة الأوربية للإرهاب. 

وهنا نحن نجد أنفسنا أمام واقع مرير: من جهة نظام مارق وخارج على المبادئ الدولية يعمل من أجل زعزعة استقرار جميع البلدان العربية والإسلامية. نظام يحكم بالقتل والإعدام والإرهاب داخل إيران، ويقوم بتصدير المجازر إلى مختلف الدول. وقد دبّر وخطّط لمجزرة في فرنسا بتفجير اجتماع كبير للمقاومة الإيرانية بحضور عشرات الألوف. وكل الجهات المتخصة في فرنسا وأوربا لديها علم كامل بما حدث. فكان لزاماً عليهم اتخاذ إجراءات تتناسب مع هذا المخطط، أقلّها إغلاق سفارات النظام الإيراني التي كانت مركز العمليات. والآن، هل تريد فرنسا التنازل عن أبسط مبادئ الأمن لمواطنيه وللاجئين؟ وما ذا ستكون نتيجة مثل هذه الفعلة المشينة؟ التجارب السابقة تقول لنا بأن التقاعس في هذا المجال يؤدي إلى استظهار نظام ولاية الفقيه في ارتكاب جرائمه لينفذّ في المستقبل ما فشل فيه هذه المرّة. خاصة إذا نظرنا إلى تاريخ سياسة المسايرة والمهادنة التي كانت سياسة أوربا حيال هذا النظام منذ عقود، وكانت نتيجتها عشرات الآلاف من الإعدامات داخل إيران وقتل مئات الآلاف من أبناء شعوب الشرق الأوسط وما شاهدناه خلال السنوات الأخيرة في سوريا واليمن والعراق ولبنان وأفغانستان وغيرها من البلدان. 

بعد أربعين عاماً من الإرهاب والاغتيالات تم إلقاء القبض على دبلوماسي إرهابي رسمي فيجب على الجميع أن يعمل ما بوسعه لمنع هروبه من العدالة. 

وفي الختام من الضروري التذكير بما حدث قبل 31 عاماً في هذه الأيام في إيران: ارتكاب مجزرة كبرى بحق ثلاثين ألفاً من السجناء السياسيين من مجاهدي خلق وغيرهم عام 1988. وإن صمت المجتمع الدولي والتغاضي عن هذه المجزرة، دفعا نظام الملاليبالشعور بأنه مبسوط اليد في ارتكاب أي جريمة داخل إيران وخارجها. 

يجب أن لا تتكرّر هذه التجربة مرة أخرى. 

* رئيس لجنة القضاء في المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية