قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في نهايات فبراير وبدايات مارس 2019 دخلت الثورة مرحلة التشكُل الحقيقي في وجدان الناس ، وفشلت كل محاولات المرجفين والدجاج الالكتروني في اثبات انها مجرد حراك لفئة معزولة يحركها الشيوعيون او اتباع عبد الواحد محمد نور المدربين بواسطة الموساد، وأصبحت مثل هذه الاقوال من الخرافات التي تجاوزها الناس ولم يعد يصدقها أحد ، وتكتل الناس خلف تجمع المهنيين الذي أدار هذه الثورة بكل حنكة واقتدار حتي أوصلها إلي غاياتها بنجاح، من هنا بدأ الخوف يدب في اركان دولة الكيزان العميقة وبدأت في التضعضع والانهيار المعنوي الذي بدأ واضحاً للجميع، وأولىعلامات هذا الانهيار هو ظهور المدعو صلاح قوش مدير جهاز المخابرات يطرح من خلال تسجيل امام حفنة من اعوانه بعض الفزلكات الوهمية لتثبيط الناس والايحاء بأن الثورة ليس لها اي مقومات نجاح وقوامها 200 متظاهر ويتحدى ان يخرجوا في اكثر من مكان في آن ، لان هؤلاء المائتين هم نفسهم يتنقلون من مكان لآخر وقال وليته لم يقل أن قاتل الشهيد د. بابكر في بري هي بنت مندسة اخرجت بندقية خرطوش من حقيبة يدها واطلقت عليه النار ثم إعادتها الي حقيبتها واختفت وسط المتظاهرين دون أن ينتبه لها أحد، وأن كل ذلك مرصود ومصوّر ومثبت لدينا ، وأضاف وليته صمت أننا اخطأنا في حق الشباب بالتضييق عليهم بقفل شارع النيل وسنوجه بفتحه فوراً ( خلي الشباب ينبسطوا ويتقهووا ويسطلوا) معتقداً بسذاجته أن هذا الجيل الراكب رأس طالع من اجل الرفاهية والتسكع في شارع النيل وليس من أجل الحرية والكرامة ويمكن إسكاته بهذه الحوافز الرخيصة ، فقذف بالكرة في ملعب الثورة بهذه التصريحات الغير موفقة وأضر بموقف الحكومة التي يتربع علي راس اجهزتها الامنية واثبت مدى ضعفها وانهيارها وضعفه هو شخصياً.

وهناك في القصر الرئاسي الفخيم الذي يرقد علي شاطئ النيل الأزرق السعيد بالخرطوم ، أصاب التوتر البشير وشلته من كبار الكيزان ، وعجزوا جميعاً عن إيجاد حيلة لإخماد هذه الثورة ( اللعينة ) في مهدها وأنها بدأت تتمدد وتتجاوز الكثير من الخطوط الحمراء ، فكانت حيلة إعلان البشير بحل الحكومة بجميع هياكلها وإعلانحالة الطوارئ في كل أنحاء البلاد وتعيين محمد طاهر أيلا الكوزالشهير وذو النفوذ في منظومتهم رئيسا للوزراء الذي بدوره كون حكومة رشيقة علي حد تعبيرهم وأنها ستكون حكومة مهام وتحِدث تغيير اقتصادي سريع يحل كل ازمات البلاد بعصا هذا الموسى أو هذا الايلا . ولكن كانت جحافل الشباب تتزايد والشعارات تتوالدرغم عنف الاجهزة الامنية وكان شعار ( الطلقة ما بتقتل بقتل سكات الزول ) وشعار ( نحن الجيل الراكب راس وما بحكمنا رئيس رقًاص ) تؤذي ساكني القصر وتجرح مشاعرهم ، ومن الطرائف أن احد منظري الكيزان ويدعي ربيع عبد العاطي الناطق الرسمي باسم المؤتمر الوطني الحاكم والذي سماه الشباب ( عبيط ابن المتعاطي ) والذي يذكرني بشدة بالصحاف الذي اشتهر في الفترة قبل سقوط بغداد . ومن ( عباطاته ) ذكر هذا المتعاطي أنالثوار يطلقون عبارات جارحة ومستفزة عن الحكومة وعليهم مراعاة مشاعرها المرهفة مما أثار عليه السخرية في مواقع التواصل الاجتماعي وتبارزت في فضحه إبداعات الشباب، وهكذا توالتالمحاولات والحيل والحلول الفاشلة تتكرر كل يوم فاطلق الثوار الشعار الفاصل والحاسم ( تسقط بس ) اي لا نقبل باي حلول سوى السقوط الكامل للنظام . فخرجت اهزوجة :

حكومة الذل تسقط بس

حكومة الموت تسقط بس

حكومة الجوع تسقط بس

حكومة الكوز تسقط بس

تسقط وتسقط وتسقط بس .

وانتشرت هذه العبارة الثورية العميقة بشكل عجيب وتداولتها وسائل الاعلام العالمية بشيء من الاهتمام ، اما علي مستوى الناس العاديين فصارت عبارة عميقة الدلالة يستخدمها أغلبية السودانيين ، ويتمازج بها العامة وتستخدمها النساء في جلساتهن ، ويتداولهاكبار السن وحتي الأطفال الصغار صاروا يرددونها في لعبهم .

فضاقت الدنيا وما رحبت بالبشير فاستنجد بالأصدقاء والجيران والصين وروسيا وسوريا التي عاد منها قبل أسبوع فقط من اندلاع الثورة في سابقة لم يفعلها غيره حتي الجن الأزرق في هذه الظروف، وظل يهرول هنا وهناك وولي وجهه قبل المشرق والمغرب كي يجد من يقف الي جانبه لإخماد هذه الثورة وكان في كل مرة يعود خاسئاً وهو حسير ، تخلي عنه الجميع وما زاد من ألمه أن العالم قد تعاطف مع ثورة الشعب السوداني بل اعجب بها ، فأحس البشير بخيبة الامل وتخلي الجميع عنه وصمت عن التصريحات وظل يراقب وينتظر تقارير الأجهزة الأمنية التي لم يعد لديه أمل الا في بطشها لثلثي الشعب كما أفتي له شيخ عبد الحي يوسف ، ولكن للأسف قوات الأمن نفسها قد خارت قواها وبدأت في التقهقر والخوف أمامجحافل الغاضبين وفقدت السيطرة في كثير من الجوالات .

كل هذا الزخم وهذا الحراك والازمات الاقتصادية وطوابير الخبر والبنزين لا زالت ماثلة بل في ازدياد والسيولة لا زالت منعدمة في البنوك والشعب يقاتل الأمنجية بصبر وجلد وشجاعة منقطعة النظير ، ويواصل الشعب معركته النبيلة ضد من أوصل البلد لهذا الدرك السحيق من العنت والمعاناة لصالح رفاهية فئة معينة من الموالينالذين يتباهون بسياراتهم الفارهة وقصورهم العالية جهارا نهاراً دون حياء ، وتتواصل الثورة السلمية المباركة وكان التحدي المطروح ، أما النجاح والتحرر من نظام الاخوان المسلمين تجار الدين واقتلاعهم من السودان للأبد أو موت نصف الشعب قتلاً برصاص عسكر البشير ونصفه الآخر بالجوع .

في الحلقة القادمة وصول الثورة لمليونية 6 ابريل واعتصام القيادة العامة الشهير وشعار ( سقطت ما سقطت صابنها ) وجماليات الاعتصام الذي كان عبارة عن كرنفال بديع ومدينة فاضلة علي ارض القيادة جسدت كل قيم الشعب السوداني النبيلة وابهرت كل العالم وزارها الكثير من المشاهير وانفقت فيها الكثير من اموال المتعاطفين بلا حساب.