قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

اقتربت الأزمة السورية من عامها التاسع دون أن يلوح فى الأفق حلا جذريا لتلك الدماء التى سالت دون ذنب أو جريرة سوى الانتماء لسوريا الوطن والأرض والتاريخ.

سوريا التى قدمت مئات الآلاف من أبنائها قربانا لحلم الحرية الذى رواد شبابها أسوة بأقرانهم فى دول الربيع العربي، خرج السوريون فى درعا ، كما خرج التونسيون فى سوسة، والمصريون فى القاهرة، بحثا عن أمل فى غد مشرق، وأملاً فى حياة ديمقراطية لم تعرفها بلادهم.

نجح التوانسة والمصريون فى إحداث تغيير منظور فى مؤسسة الحكم ، وسارعت القوى الدولية فى دعم مطالب المحتجين ما عزز  من سهولة انتقال السلطة، أما فى سوريا فكان الوضع مختلفا بشكل كبير ، فمع الهتاف الأول للثورة "الشعب يريد اسقاط النظام" شن نظام الأسد حملات أمنية وعسكرية، استهدفت مظاهرات الغضب، ولم تتورع عن قتل الطفل حمزة الخطيب ذى الـ13 عاما والتمثيل بجثته وقطع عضوه الذكري لمجرد مشاركته فى الإحتجاجات ضد الأسد. 

مع تصاعد المظاهرات المطالبة بإسقاط الأسد، كشف النظام عن وجهه الحقيقي كعدو للشعب السوري، فلم تتورع قواته عن استخدام البراميل المتفجرة والصواريخ وكل الأسلحة المحرمة وغير المحرمة، فى محاولة لاخماد الثورة التي لم تخمد رغم سقوط الألاف ما بين شهيد وجريح خلال تلك الفترة.

ومع جنون النظام وافراطه فى استخدام القوة، تحولت الثورة السلمية لثورة مسلحة، وتدخلت دول إقليمية لدعم المتظاهرين بالسلاح لمواجهة قوات الأسد، وسعت الدول الداعمة للثورة لتشكيل فصائل وميليشيات موالية لها لتحقيق مصالحها داخل الأرض السورية، وبتعدد الدول الممولة تعددت الفصائل، وباختلاف المصالح، ظهرت الخلافات، وبدأت الإنشقاقات بين القوى المعارضة، وانتقلت فوهة السلاح من مواجهة النظام لمواجهة رفقاء الأمس، وشركاء الميدان بعد أن فرقتهم الأموال، ومصالح دول التمويل. 

بعد فترة ليست طويلة، تحولت سوريا لأرض جهاد، وأفتى رموز الحركات الإسلامية بوجوب نصرة أهل السنة فى مواجهة النظام البعثي العلوي، لتدخل الحرب بعد تلك الفتاوي مرحلة المذهبية بين طائفة السنة المستضعفة، وطائفة الشيعة المستبدة، رغم أن الطرفين عانوا الويلات من نظام الأسد ألا أن مصالح الدول الإقليمية سعت لترسيخ تلك الفكرة التي مهدت الطريق لتأسيس فصائل جهادية تسعي لإقامة الدولة الإسلامية وترفع شعار الجهاد فى سبيل الله، وتعتبر كل من دونها كافر مرتد عدوا للإسلام ورسوله يستحق القتل، وشهدت تلك الفترة عمليات ارهابية استهدفت تجمعات شعبية ومساجد سقط خلالها مئات القتلي والجرحي من السوريين الأبرياء.

محاولة أسلمة الثورة السورية، وإلباسها زى الخلافة كانت مخطط من دول إقليمية لتحقيق مصالحها على حساب الدم السوري، ولم تجد دولة مثل تركيا حرجا فى فتح حدودها أمام الجهاديين من كافة أنحاء العالم لدخول سوريا، والمشاركة بالقتال فيها وهو ما مثل أكبر دعم لنظام الأسد الذى استغل الأمر فى الترويج أنه يحارب الإرهاب. 

تعددت الحركات الإسلامية المسلحة داخل سوريا مع تعدد مصادر التمويل، ومع الخلاف على الزعامة بين أمراء الجهادوتباين مصالح أجهزة المخابرات التى تديرها، تشرذمت الفصائل التكفيرية إلى أمراء وميليشيات تسعي كل منها لتقديم نفسها كحامل وحيد للواء الجهاد والدين ما فتح الباب لعملية تصفية متبادلة بين تلك الجماعات، دفع السوريين ثمنها من دماءهم وأرواحهم.

فى سبتمبر 2015 دخلت الأزمة السورية منعطفا خطيرا فى تاريخها، عمق من مآسي الشعب السوري ومعاناته، بعد أن تدخلت القوات الجوية الروسية بشكل رسمي فى الحرب بالبلاد دعما لنظام الأسد، ولم يتورع الروس عن ارتكاب المجازر والمحارق ليس حبا فى الأسد ونظامه بقدر ما هو تحدى للقوى الدولية التى سعت لاسقاطه وذلك فى محاولة من بوتين لاستعادة النفوذ والتأثير الروسي بالشرق الأوسط.

التدخل الروسي بالأزمة السورية كان عاملا مؤثرا فى ترجيح كفة نظام الأسد ولكنه كان مؤلما للشعب السوري، ففي أقل التقديرات فقد قتل عشرات إن لم يكن مئات الالاف من السوريين تحت القصف الروسي منذ 2015 وحتى الأن .

ومارس النظام تحت غطاءا جويا روسيا وبتؤاطو تركي عشرات ومئات المجازر ضد مناطق المعارضة سواء بالغوطة أو أدلب أو حلب وسط اتهامات دولية باستخدامات الأسلحة الكيماوية ضد السوريين العزل.

 تركيا التى زعمت لفترة طويلة أنها تؤيد حق الشعب السوري فى نيل حريته وكرامته، لم تتورع عن المشاركة فى قتل السوريين سواء بشكل غير مباشر عن طريق الجماعات الإرهابية التى دعمتها بالمال والسلاح ، او من خلالها تورط قواتها المسلحة والميليشيات التابعة لها فى عمليات عسكرية بشمال سوريا بزعم مكافحة الإرهاب المتمثل فى وحدات حماية الشعب الكردية التى تصنفها أنقرة كتنظيم إرهابي رغم دورها فى مكافحة الإرهاب ونجاحها فى مواجهة تنظيم داعش وإسقاط دولته الإرهابية ، ولكن الإرهاب من وجهة نظر تركيا يختلف عن بقية دول العالم.

دخلت تركيا سوريا مرتين الأولي من خلال عملية درع الفرات عام 2016، والثانية غصن الزيتون التى أطلقتها فى يناير 2018 احتلت على إثرها مدينة عفرين السورية، وطردت اهلها وشردتهم من بيوتهم،بعد حرب دامت قرابة الشهرين سقط خلالهما مئات القتلى والجرحي من السوريين الأبرياء الذى ليس لهم ذنب سوي أنهم أكراد سوريين.

قبل روسيا وتركيا، كانت إيران حاضرة بسوريا منذ الأيام الأولي لاندلاع ثورتها، وشاركت طهران عبر ميليشاتها الإرهابية فى قتل الثوار ومحاولة قمع ثورتهم بأبشع الوسائل، ومارست الميليشيات الشيعية التى تدعمها إيران أعمال قتل ونهب وسلب وتهجير قسري بحق القرى والمدن السنية مدفوعة بأيدلوجية مذهبية مقيتة.

وقادت الميليشيات الشيعية أعمال الأمن الداخلي بالمدن السورية، وسعت لرسم خريطة جديدة لسوريا تخضع بشكل كامل للنفوذ الإيراني وتحقق مصالح الملالي فى سوريا جديدة ترتبط بشكل مباشر مع مناطق نفوذ طهران بالعراق ولبنان.

مع تصاعد الموقف الدولي الرافض للممارسات الإيرانية، وارتفاع نبرة التحدى الإيراني للمجتمع الدولي سواء فى أزمة الملف النووي أو الأزمة السورية، سعت قوى دولية لتنفيذ أعمال عسكرية ضد إيران فى محاولة لردعها عن تلك الممارسات، ولم تجد تلك القوى سوي الأرض السورية للإنتقام من إيران.

الصراع الإيراني الإسرائيلي كان حاضرا بشكل كبيرا فى الأزمة السورية، فتل أبيب التى طالما عبرت عن مخاوفها من ممارسات طهران وسياستها، لم تجد حرجا من استهداف الأرض السورية عشرات المرات بزعم مواجهة النفوذ الإيراني، تلك الهجمات التى سقط فيها عشرات القتلى والمصابين الذين ليس لهم ذنب سوى أنهم سوريين ربما قادهم حظهم العاثر للإقامة بمناطق النظام والخدمة الجبرية ضمن صفوف جيشه.

أمريكا نفسها القوى الكبري فى العالم، لم تتورع هى الأخري عن قصف معسكرات للنظام ولحليفه الإيراني بدعوى تورطه فى شن هجمات كيماوية على مناطق المعارضة، هجمات لم تستهدف رأس النظام وقيادته بل سقط فيها سوريين ضعفاء فقراء جعلتهم الأزمة قودا للحرب التى لا ذنب لهم فيها.

الخلاف الإيراني السعودي انعكس على الساحة السورية، فعقب الهجوم الذى تبنته جماعة الحوثي على عملاق النفط السعودي أرامكو اتهمت المملكة إيران بشكل رسمي بالتورط فى الجريمة، ولم تمض ساعات حتى تحدثت تقارير دولية عن مشاركة سلاح الجو السعودي فى استهداف معسكرات إيرانية بمنطقة البوكمال السورية.

بعد 9 سنوات من الثورة، تحولت الأرض السورية لساحة لتصفية الخلافات الدولية، فالعالم كله يتقاتل فى سوريا، فعلى أرضها تتواجد قوات روسية وتركية وصينية وعربية وأمريكية وأوربية، كل من يسعي لتجريب سلاح جديد، يتجه إلى سورياويستهدف شعبها، كل من يريد الإنتقام من خصم دولي يقصف سوريا، كل من يريد تنفيذ عملية عسكرية يضرب سوريا.

استباح الجميع أرض الشام، وجعلوا من شعبها وقود لمعركة لا ذنب له فيها ، معركة لم تفرق نيرانها بين عربي وكردي ، سرياني أو تركماني، سني أو شيعي ، علوي أو إيزيدي ، الكل طالته النار، وعلى الجميع أن يدرك أن أول خطوات انهاء تلك المؤامرة أن ندرك أننا جميعا مستهدفون وفى مرمي النيران، وأن التركي الذى قتل الكردي لن يتورع عن قتل العربي، وأن الروسي الذى قتل العربي لن يجد غضاضة فى قتل التركماني، وأن الأمريكي الذى قتل المسلم لن يرحم السرياني، وأن النظام الذى قتل السني لن يترك العلوي، كلنا سوريون وكلنا مستهدفون، ولا حل سوى أن نعود أخوة متحابين، نقبل اختلافاتنا، وندرك جميعا أننا نعبد ربا واحدابلغات وطقوس مختلفة.