قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

" عن تجربة سوق العراق أتحدث كما أعيشها "

ظهرت في العراق فيما ظهرت من موبقات وضعنا المتردي المأزوم طبقة كبرى بدأت تتورّم وتتفاقم اكثر في زمن الاقتصاد الريعي الذي نعيشه وشيوع فئة ليست صغيرة عابثة بالاقتصاد المهلهل الذي ينخر مجتمعنا بسبب التراجع الاقتصادي الكبير وانهيار الصناعة والابتعاد عن الزراعة وغلق المصانع الكبيرة العائدة للقطاع العام والخاص.

هؤلاء هم زمرة " الكومبرادوريين " باعتبارهم طبقة أخذت تتسع وتتكاثر أموالها بسبب الفساد المتضخم في العراق بشكل مهول ويمارسون الوساطة بين الشركات والمصانع من دول الجوار وغير الجوار لإغراق البلاد بالبضائع ذات المناشئ الوضيعة غير عابئة بالشلل الذي يعيشه الاقتصاد العراقي.

تمارس هذه الوكالات الكومبرادورية دورا تخريبا في قتل الحرفية الوطنية تماما من خلال تعطيل اليد العاملة المنتجة والإتيان بسلع رخيصة بخسة الثمن والإنتاج لتحلّ محل البضاعة الوطنية وإلاّ ما معنى توقف أكثر من ثلاثة عشر ألف معمل ومصنع من القطاع الحكومي والخاص والمختلط وتوقّف المؤسسات الانتاجية وتعطيلها عن قصد.

اما القطاع الزراعي فحاله يرثى له اذ تراجعت مساحة الاراضيالمزروعة من 48 مليون دونم لتنحدر الى 12 مليون دونم مما اضطرنا الى استيراد المواد الغذائية من الجوار وغير الجوار ؛ اذ ان نسبة المواد الغذائية المستوردة المطروحة في الاسواق 75% وتتصاعد هذه النسبة الى 91% لبقية المواد الاخرى كالملابس والاحذية وغيرهما.

كل هذه البلايا والمصائب سببها تفاقم أعداد الزمرة الكومبرادوريةالساعية الى الثراء المفرط وتراكم المال الآتي من تفشي الفساد في كل مفاصل الاقتصاد بطريقة غير مشروعة ولايهمها ان تنشلّ البلاد اقتصاديا وتتوقف الحرف والمهارات وتغلق المصانع أبوابها وتتحول المزارع الى مساكن ويتعطل العصب الاقتصادي بقدر ما يهمها تحقيق ثروات هائلة وبأرقام فلكية تخصّ مجموعة كانت بالأمس في حالة فقر مدقع وعوز لكنها تنعم اليوم برخاء أسطوري في طفرة سريعة نتلمسها تنسحب على أولادهم وأحفادهم دون ان يسأل القضاء والقانون عن مصدر الثراء الفاحش ويغيب الوازع الأخلاقي والديني غيبته الكبرى.

مثل هذه الحالة حدثت في الصين إبان الثلاثينات والاربعينات من القرن المنصرم عندما تضخمت طبقة من الوسطاء والوكلاء التجاريين الذين قدّموا خدماتهم الجزيلة للرأسمالية الاوروبية والأميركية وامتلأت أسواق الصين بالبضائع من شتى أنواعها مما عطّل الصناعة والزراعة وشلّ قدراتها فتولّدت طبقة كبيرة من الوسطاء ووكلاء الرأسمال الخارجي لتقدّم خدماتها الجزيلة للشركات خارج الحدود وتتفاقم ثراءً يتورم تدريجيا لهذه الطبقة الوسيطة خادمة لما وراء الحدود وبنفس الوقت هادمة ومدمرة لاقتصاد بلدها وشلّ قدراته تماما كما يحدث الانفي بلادي العراق.

هذه الطبقة المتورمة الان تستغل المناسبات الدينية لتغطية أفعالها المشينة فتقوم بإحياء الشعائر الدينية وترقّب مناسبات سنوات وفيات وولادات أئمتنا الاطهار لاستغلالها لمصالحهم وتوسعتها وإقامة موائد الإفطار الرمضانية وتقديم البخس من الصدقات على المحتاجين والمعوزين للتغطية على مشاريعها التخريبية وإضفاء هالة من التضليل على الملأ المتعب باعتبارها طبقة وزمرة تعمل على نشر البرّ والإحسانظاهرا لكن الباطن هو تدمير عصب الاقتصاد وإزالة الحرفية العراقية ومحوها تماما حتى يتعطل الانتاج الوطني ويصل الى الصفر ، وتختفي نهائيا عبارة" Made in Iraq " ويأكل شعبنا من فضلات الجوار وغير الجوار ويرتدي أسمالا من خارج الحدود وينتعل أحذية رخيصة مما وفرّه له الكومبرادوري الثريّ ابن البلد " المُحسن جداً " الذي يقدم للملأ المتعب طعام الإفطار في باحات المساجد وفي خيمات المواكب الحسينية ويزوده باللفيفات والعصائر الرخيصة المستوردة من قبله أثناء مشيه في مناسبة أربعينية الحسين ( ع ) . فلا بأس انيستقطع القليل من ثروته من اجل هذه الأعمال الخيرية مادامت تحقق له تراكمات مقبلة وأرقام فلكية من الثروات في القريب العاجل.

أليس مثل هذه المناسبات الدينية انتهازا للفرص كي يرى المواطن المغفّل المنهوبة ثرواته النفطية مدى الكرم والسخاء الذي يُظهره الوسيط الكومبرادوري لتحسين صورته امام الجميع طالما ان أرصدته تتراكم يوما بعد يوم؟

مثل هذا الوسيط والعميل للشركات التجارية البائسة الهابطة ليس رأسمالياً متمرساً مبتكرا وصناعيا ماهرا لينتج ويغطي احتياجات بلده من قدراته وابداعاته بقدر ما هو مالك للأموال التي استحوذ عليها من فعاليات الفساد الضخم المنتشر في مفاصل الدولة انتشار الهشيم في النار إنما هو وكيل ووسيط في خدمة الرأسمالي الخارجي الذي وجد فرصة ترويج بضاعته التافهة غير المعمّرة السريعة الاستهلاك والتلف بواسطة عملاء اكتنزوا مالاً ضخما في غفلة من الزمن سواء بالسرقة او بالوراثة المشبوهة او عن طريق الانتهازية السياسية والدخول في الأحزاب والتيارات السياسية الطفيلية عديمة المران والدربة في تنظيم شؤون الاقتصاد لكنهم ماهرون في اكتناز قدرٍ أكبر من الثروات بطريقة غير مشروعة سخّروها لتعطيل السواعد الحرفية وشلّ النشاطات والمناحي الاقتصادية لتبقى البلاد سوقا مفتوحة لمزابل الإنتاج غير الرصين وللسلع الرخيصة من المناشئ المبتذلة الهشة وإغراق السوق بكل ما هو تافه وقابل للاستهلاك السريع بحيث وصلت المهانة الى ملء الأسواق بسلع البالات التالفة المستهلكة ؛ كل ذلك من اجل تحقيق ثروات تراكمية هائلة وضعضعة السوق وقتل الحرفية وخناقها تماما بحيث تتوقف كل المشاريع الاقتصادية النامية عندنا وقبرها الى الابد.

هو ذا حالنا اليوم في هذا الجانب الاقتصادي الذي ذكرتُه ، اماأحوالنا الأخرى فلها حديث لاحق ذو شجون وشؤون وبكاء ودموع ونحيب ولطم ومناحات وأحزان لا حدود لها قد تفوق ما يحصل في مناسباتنا الدينية التي لا تريد ان تنتهي لإيقاع مواطننا المسكين في مهاوي الأسى والأحزان والضعف والهوان ليسهل جرجرته وتطويعه حتى يكون ساكنا خنوعاً معطّلاً أبداً

[email protected]