قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في باديء ذي بدء، نعلم مسبقاً بأن ثمة جهات عديدة في العراق، لاتريد، ضمنياً، أو علانيةً، ان تكون للدولة ومؤسساتها أي سلطان حقيقي في إدارة البلد وتحقيق أمنه واستقراره. وهذه الحقيقة باتت اليوم ساطعة للموطن بل في غاية البداهة بالنسبة له، لأنه يعي وببساطة أنه كُلما كانت الدولة قوية، من حيث الهيبة والحضور وقوة القانون ومتابعة أحوال البلاد والعباد والحفاظ على مصالح العامة، كُلما تراجعت معها مظاهر الفساد والفاسدين وضَعف نفوذ الأشرار والإنتهازيين وسلطانهم الخفي على مقدرات البلد، وهذا ما لايقبل بهالأشرار أساساً بل يدفعهم لفعل المستحيل من أجل تغييب هكذا دولة!

لندع هذه الحقيقة جانباً ونذكر أمراً آخر، إلا وهو ضرورة التفكير اليوم في إحداث تغيير نسبي لنظام الدولة السياسي، والعمل على فكرة توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية في العراق وتعديل بعض المواد الدستورية له ليلعب دوراً مرجعياً في إحتواء صراعات البلد وأزماته المتفاقمة، التي عجزت مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية،حتى الآن، عن إيجاد حلول جذرية لها لأسباب شتى، ربما أبرزها هو الصراع الطائفي والمذهبي والمصالح الحزبية والفئوية.

نطرح اليوم هذه الفكرة ليس مجاملةً لرئيس الجمهورية أو تضخيماً لقدراته وخبراته في إدارة الدولة، التي هي، في كل الأحوال، لا بأس بها مقارنةً بتجارب العديد من رفاقه المتواجدين في هرم مؤسسات الدولة الأخرى، ولا نريد من خلالها التقليل من شأن أحد، إطلاقاً، الأمر يتعلق هنا، تحديداً، بكيفية معالجة إشكالية في غاية الخطورة، إلا وهي إهتزاز بل إنعدام ثقة المواطن بالمؤسسات الرئيسة التي أوكلت اليها مهام إدارة الدولة منذ عام (2005) الى الآن، والتي تتمثل حصراً في مجلسي النواب أولاً والوزراء ثانياً.

وإنعدام الثقة هذا لم يأتي من فراغ كما نعلم، بل هو راجع الى تراكم الأزمات والصراعات الدائرة في البلد دون أن تشهد أي إنفراج حقيقي. ثمة رأي عام طاغٍ اليوم يفيد بان هاتين المؤسستين، لم تفلحا حتى اليوم في تقديم تجربة ناجحة وناجعة في بناء البلد وإعادته الى الحياة الطبيعية كبقية الدول الأخرى التي شهدت حروباً متعددة، ورغم الصلاحيات الواسعة التي تتمتعان بها دستورياً وبمواد وبنود واضحة وصريحة، إلا أنهما أخفقتا تماماً في إستثمار سلطاتهم وصلاحياتهم لصالح العام وخدمة البلد وأبنائه.

بمعنى آخر، ان علينا اليوم ان نقر بوجود خلل حقيقي في طبيعة النظام السياسي المناسب للعراق، يكمن هذا الخلل، قبل أي شيء، في جعل أيادي رئيس الدولة مُكَبلة تماماً بدستور محافظ لا يمنحه الصلاحيات وحق التصرف، كنظرائه في الدول الأخرى، إزاء الكثير مما يحدث ويجري في البلد.

والرئيس نفسه، يشعر جيداً بأنه عاجز دستورياً عن أن يلعب دوراً متميزاً في إحتواء أزمات البلاد، وأن يرقى هذا الدور الى مستوى ما يتمناه اليوم المواطن العراقي المنكوب، لاسيما في ظل الظروف الراهنة المتدهورة التي تعيشها البلاد والعباد بسبب هذا التفجر الكبير الذي نشهده نتيجةً لإنعدام الثقة بمؤسسات الدولة التشريعية والتنفيذية، والذي تعبر عن نفسه الآن في إطار إحتجاجات جماهيرية واسعة وتظاهرات حاشدة صارت تكتب بالروح والدم لأجل ضمان لقمة العيش الكريم.

نعم ان رئيس الجمهورية لا يستطيع اليوم أن يفعل أي شيء سوىان يطلق من حين لآخر نداءآت وطنية وتوصيات دستورية دون أن يلتزم بها الآخرون في الدولة للأسف! ان هذه الإشكالية البنيوية في النظام السياسي للبلد شلت اليوم وبوضوح عمل الدولة وقدرات رئاسة الجمهورية ورئيسها في ان يتدخل عملياً في الأزمات والخلافات وان يصدر قرارات حاسمة ومُلزِمة لكافة مؤسسات الدولة وتُحقق متطلبات أبناء البلد وتطلعاتهم.

وهذه الإشكالية بحد ذاتها تكفي لأن نُعيد النظر جميعاً في جدوى إبقاء النظام السياسي في البلد نظاماً برلمانياً مطلقاً، وان نفكر مجدداً في ضرورة توسيع صلاحيات رئيس الجمهورية وسلطاته تدعيماً لبناء أسس جديدة وقوية للدولة ونظامها السياسي، خصوصاً ان منصب رئيس الجمهورية في العراق، كما جرت العادة، هو من حصة المكون الكُردي، وقد اثبت هذا المكون ومن خلال تجارب حية بأنه يلتزم الحياد في الصراعات الطائفية لسببين أساسيين، الأول هو انه ليس له نَزَعات وإنتماءآت طائفية حتى ولو كان منتمياً الى المذهب السُني، والثاني لأنه، من حيث النضال السياسي وتذوق مرارة الإستبداد، يتقاسم مع الشيعة في العراق الذاكرة المشتركة، وهذا ما يجعل الكُرد حيادياً دوماً، خصوصاً أن لهذا الموقف خلفية، تتمثل في ميراث سياسي رصين تركه الرئيس الراحل جلال طالباني (1933-2017م) لكل رئيس كُردي يعقبه في رئاسة جمهورية العراق ويوكَل اليه هذه المسؤولية الكبيرة في الدولة.