قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ضمن تفاعلات العرس الديمقراطي الذي عاشته دولة الامارات، مع انتخابات أعضاء المجلس الوطني الاتحادي للفصل التشريعي السابع عشر، برزت بعض النقاشات المجتمعية والاعلامية حول البرامج الانتخابية ومنها ما أثير حول تركيز برنامج إحدى المرشحات على مسألة تعدد الزوجات كمدخل "لمجتمع خال من العنوسة" كما ورد في حملتها الانتخابية، التي يبدو أنها تمحورت حول هذه الفكرة.

هذه ليست المرة الأولى التي تطرح فيها مشكلة العنوسة في الحملات الانتخابية للمجلس الوطني الاتحادي، فقد سبق طرحها وتبناها مرشحون في حملات انتخابية سابقة، وبالتالي فلا غرابة في ان تتناولها إحدى المرشحات من جديد، كما أن موضوع تعدد الزوجات بشكل عام من الموضوعات المجتمعية اللافتة التي يميل إليها بعض المرشحين في حملاتهم الانتخابية في مختلف الدول العربية، وهو مثار جدل واضح يعرفه كل متابعي الشأن السياسي العربي لما في الموضوع من شجون وتشعبات دينية وفكرية وغيرها.

وبعيداً عن التفتيش في النوايا وسبر أغوار النفوس، سواء لمؤيدي الدعوة لتعدد الزوجات أو رافضيها ومنتقديها، فإن هناك نقاط يجب مناقشتها في هذا الموضوع أهمها أن من حق كل مرشح يخوض الانتخابات أن يتبني القضايا المجتمعية التي تعبر عن اهتماماته ويستشعر جدواها للمجتمع ولحملته الانتخابية، وهذا حق أصيل طالما أنه يلتزم باللوائح والقواعد التي اعتمدتها اللجنة المنظمة للانتخابات ويحافظ على قواعد الأمن والسلم والاجتماعي والآداب والأخلاق العامة، ومن حق منتقديه في المقابل التعبير عن رأيهم والتعليق على برنامجه طالما التزم الجميع بمبادئ الحرية المسؤولة وخطوطها العريضة التي تؤطر لكل طرف حدوده في التعامل مع الاخر من دون خدش للحياء أو الانزلاق إلى ممارسات أو سلوكيات تندرج ضمن المخالفات والتجاوزات التي يعاقب عليها القانون.

ورغم انني كنت أحد مرشحي هذه الانتخابات، فقد عبرت عن اعجابي بفكرة هذه الحملة الانتخابية ليس لأنها تتناول موضوعاً مثيراً للجدل والنقاشات الساخنة، بل لأنها تلقي بحجر في مياه مشكلة مجتمعية تستحق منا جميعاً كل اهتمام، فهي تخص شريحة غير معلومة احصائياً من بناتنا وأخواتنا، والنسب المتداولة إعلامياً بشأن قياس معدلات الفتيات اللاتي تجاوزن سن الزواج التقريبي أو المتعارف عليه تبدو مزعجة ومثيرة للقلق، فقد سبق تناول هذه المشكلة في سؤال لأحد أعضاء المجلس الوطني الاتحادي خلال الفصل التشريعي الخامس عشر (الفصل السابق) وأكدت الوزيرة المسؤولة وقتذاك أنه لا توجد إحصاءات رسمية موثقة حول نسب "العنوسة" او تأخر سن الزواج لدى الفتيات، وأقرت بأنها ليست ظاهرة ولكنها تمثل هاجساً مجتمعياً، والمسميات هنا بالمناسبة لا تقلل من أهمية الموضوع سواء كان هاجساً أم ظاهرة، فنحن مجتمع له خصوصية استثنائية وثروتنا البشرية قليلة ونادرة وما يعتبر في مجتمعات أخرى موضوعاً بسيطاً قد يمثل لنا قلقاً مجتمعياً. وبالتالي إذا كانت بعض الأرقام غير الرسمية تشير إلى نسب للعنوسة يصل بعضها إلى 65%، فعلينا ألا نستخف بأي معالجات لموضوع كهذا وعلينا أن نناقش البدائل والحلول والمخارج بكل هدوء وعقلانية ومنطق كي نبلور مجموعة من الحلول والمقترحات والتوصيات للحد من مظاهر العنوسة والاسهام في إسعاد شريحة ليست قليلة من بنات الوطن، لاسيما أن دولتنا وقيادتنا تضع إسعاد المواطنين نصب أعينها واولوية قصوى لها ولا تبخل في سبيل تحقيق ذلك بأي جهد أو موارد.

لأ أؤيد هنا فكرة تعدد الزوجات أو أرفضها بل اكتب بالأساس انتصاراً للنقاش المجتمعي الصحي حول أي عوارض غير صحية في مجتمعنا، الذي ننشده مثالياً، ولنركز على الفكرة بدلاً من القفز إلى ما ورائها، فالكل ينشد مصلحة الوطن ولذلك دروب ومسالك تختلف باختلاف مستويات الوعي والثقافة والتعليم والخبرات والقناعات والتجارب الذاتية وغير ذلك من عوامل ذات صلة. ومن البديهي أن يكون لكل فكرة كهذه مؤيدون ومعارضين بحكم تشعباتها وتأثيراتها المثيرة للجدل، ولكن لنتفق على أن القاعدة بشكل عام هي أن أي فكرة مجتمعية قابلة للتفنيد والنقاش ومن ثم القبول او الرفض بناء على نتائج وخلاصات النقاش والبحث والدراسة والاحاطة بالموضوع من كافة جوانبه وليس انتصاراً لهذا الرأي أو ذاك.

لقيم انسانية رائعة مثل التسامح جذور وأصول في دولتنا وأرضنا، ولأهداف نبيلة مثل السعادة واقع ومظاهر حية بيننا، فعلينا أن نتسامح تجاه بعضنا البعض حتى وإن لم تروق لنا آراء واجتهادات البعض منا، مرشحين أو غير مرشحين، وعلينا أيضاً أن نبحث في سبل سعادتنا وأن ندعم جهود قيادتنا وحكومتنا في إسعاد شعبنا بكل فئاته وشرائحه، وبنت الامارات أحق بأن نناقش أي أمر يمثل هاجساً لها، فطالما أننا نُمّكن مجتمعنا من خلال تمكين المرأة كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، فلنلق جانباً أي حساسيات أو أحكام مسبقة تصادر على أي أفكار أو تصورات لمعالجة ما يعتقد بعضنا، أو حتى القليل منا، أنه يمثل منغصاً مجتمعياً على شريحة ولو قليلة من مواطني دولة باتت نموذجا للرفاه والسعادة.