قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

أثناء حديثي مع أحد الأصدقاء من الدول العربية غير الخليجية، تفاجأت بقوله أنه لا يوجد ليبرالية في دول الخليج العربي بل من المستحيل تواجدها!
فقلت له: غير مستغرب هذا الرأي منك، لأنك تنظر لليبرالية وكأنها قانون مُوحَّد أو نظام عالمي له صفة العولمة(ككرة القدم مثلاً) لها ذات القوانين والأحكام في جميع دول العالم.
لو قمنا بالمقارنة مابين المذاهب الفكرية والعقائد الراسخة، سنجد أن الأديان وهي عقائد ثابتة لن نراها بنفس النمط في مختلف الدول، على سبيل المثال : المسيحية في السويد"لوثرية تجديدية"، وتختلف تماماً عن المسيحية في بريطانيا أو أميركا"ماعدا الثوابت"، كذلك الإسلام في السعودية يختلف عن الإسلام في المغرب أو ماليزيا، فالإسلام في السعودية ذو نزعة سلفية، بينما تجده في المغرب أو مصر ذو نزعة صوفية، وقس على ذلك.
فمن الطبيعي ومن باب أولى ألَّا نجد تعريفاً أو نموذجاً واحداً مُتَّفق عليه للمذاهب الفلسفية الفكرية.
إلا أن ما يمكن أن نقوله حول الليبرالية تحديداً هو أنها تتكيَّف بحسب كل مجتمع، عاداته وتقاليده وإرثه الثقافي ومرجعيته...إلخ، فالليبرالية في السعودية مثلاً؛ لن تكون حزباً سياسياً لأن نظام الحُكم فيها "ملكية مطلقة" وبالتالي تُمنع الأحزاب السياسية تماماً، أي أن الليبرالية في السعودية تأخذ الشكل الفكري الثقافي النقدي النخبوي، وتسعى إلى نشر أفكار الحرية ونبذ مظاهر التطرف بصورة لا تتعارض مع الثوابت الوطنية والدينية، وفي ظني أن الليبرالية عندما تكون حاضرة في شكلها الفكري الثقافي النقدي ستكون أنفع للمجتمع من أن تكون في صورتها الحزبية السياسية، وأكبر دليل على هذا ما نشاهده من استقرار وتنمية في دول الخليج العربي، صحيح أنه لا يوجد هناك تيارات أو جمعيات رسمية لليبرالية في دول الخليج "باستثناء الكويت والبحرين"؛ إلا أنه يوجد هناك رموز وشخصيات تصرِّح بانتمائها الليبرالي سواءً بالأقوال أو بالممارسات ولها العديد من الأتباع، في السعودية مثلاً:
تركي الحمد، عبدالرحمن الحبيب، عثمان العمير، تركي الدخيل، عبدالرحمن الراشد، محمد آل الشيخ، وغيرهم، وقد كان لهم التأثير النسبي فيما نراه من وعي مجتمعي وتغير في النظرة السلبية المتطرِّفة تجاه الليبرالية.
ورغم ذلك؛ فإني أرى أنه طالما هناك هيئات دينية قائمة لأغراض دينية بحتة، فلابد وأن يقابلها هيئات إنسانية ليبرالية، ليكون هناك توازن في صناعة مجتمع سليم يغلب عليه الجانب الإنساني والديني المعتدل، ويكون أفراده أسوياء وبلا أي نزعة تطرف، وكلاهما تعملان تحت إشراف الدولة وتهدفان إلى مصلحة الوطن والمواطن، وكلاهما أيضاً لا يجب أن يتدخَّلا في القضايا السياسية الصرفة، ويجب أن يمتثلا لتوجهات الدولة، ويكون هناك تعاون بين تلك الهيئتين(الدينية والإنسانية). ويكون العمل الأساسي للهيئة الإنسانية الليبرالية عمل فكري فلسفي نقدي مُتمثِّل في نشر عقيدة الإنسانية وترسيخ مبادئ التسامح والتقبُّل والسلام والمحبة في المجتمع.
قد يأتي من يقول: السعودية بلد الحرمين دولة دينية، فكيف يمكن أن تسمح بوجود هيئة أو تيار إنساني ليبرالي؟
أقول: بدايةً اسمها الرسمي والمعترف به"المملكة العربية السعودية"، والحَرمَان جزء من أرضها ونعتز بها وتفخر قيادتنا الرشيدة بخدمتهما على أكمل وجه، وهي دولة مدنية والإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وتتبنَّى دستوراً حديثاً لا يتعارض مع الثوابت الإسلامية، فالسعودية منذ تأسيسها قامت على أساس أنها دولة مدنية بقيادة محمد بن سعود مسنودة في بدايتها بالسلطة الدينية مُمثَّلة بالشيخ محمد بن عبدالوهاب، فالاتحاد الذي تم بين المؤسس محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب يدل بصورة واضحة على ذلك، فلم يجعل محمد بن سعود نفسه حاكماً سياسياً ودينياً في نفس الوقت، بل قدَّم نفسه كقائد سياسي فقط.
فالسعودية ليست دولة دينية بالمعنى الحرفي للكلمة، أي أنها ليست ك"الفاتيكان"، وإنما هي دولة مدنية تعتز بهويتها الإسلامية وقوميتها العربية، وتسعى بكل ما تستطيع إلى تحسين صورة الإسلام أمام العالم وإعادته من مختطفيه.
نعم؛ ربما قد غابت ملامح الدولة المدنية بصورتها المجتمعية بسبب موجة ما يُعرف ب"الصحوة"، فأصبح المجتمع السعودي مجتمعاً كئيباً سوداوياً يخلو من مظاهر الحياة والفرح، إلا أن الشدة والظلام حتماً يعقبهما رخاء ونور، وقد انقشع الظلام وحلَّ الرخاء بقدوم ولي العهد المجدِّد وقائد التغيير الأمير محمد بن سلمان، فعادت الحياة للمجتمع السعودي، وبرزت ملامح الدولة المدنية بشكل واضح في عهده الميمون، وستشهد بلادنا المزيد والمزيد من بوادر الانفتاح والتنمية والإزدهار على كافة الأصعدة والمستويات بإذن الله تعالى.