قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لحظة استيزار عادل عبد المهدي استبشرت الأغلبية من العراقين بهذا الحدث. كثير منهم توقع انه الرجل الانسب للخروج بالعراق من حالة اللادولة الى الدولة. برنامج عسير التنفيذ ويحتاج لرجل- ماكنة في العمل والقدرة على ابتكار الحلول والمناورة في اكبر محمية لأسماك القرش في الشرق الأوسط. لم يكن ترشيحة لهذا المنصب التنفيذي، الاكثر اهمية في الدولة العراقية، سهلا. شيء من الأجماع العام كان ضروريا وموافقات من هيئات دينية عليا وشخصيات ذات تأثير في "سوق مريدي " السياسة العراقية. الأحزاب و القوى التي ساندته للتأهل للمنصب ، دينية وعلمانية، وضعت، مسبقا ، شروطها وسقفها الزمني بأنتظار انجازاته في غضون العام الاول من " حكمه " ، فهو وفقا للدستور الحاكم الفعلي للبلاد. راهن الكثير على براجماتيته، و راهن البعض على ثقافته وخضرمته ، و راهن بعض أخر على قوة الأطراف التي ساندته، من متدينين وعلمانيين، وتشائمالبعض القليل بحكم معرفتهم ماضيه القريب في الدولة وملحقاتها.

اصحاب الرهان الاول البراجماتي توقعوه تاليران عراقي. فتاليران الفرنسي الذي كان قسا قبل الثورة الفرنسية لكنه ساند الثورة خلافا لرجال الكنيسة ثم اصبح عضوا في جمعيتها الوطنية الأولى ونافح، حد الأقناع، عن طرف دون أخر في التكتلات التي اعقبت الثورة ، واختير وزيرا للخارجية لحكومة فرنسا التي كانت هدف مؤامرات ممالك اوربا انذاك. بعبقريته الدبلوماسية استطاع تغيير الموازين مع انكلترا واسبانيا والنمسا ، الدول التي ناصبت العداء للثورة الفرنسية. بل انه كان ، فيما بعد ، من اجلس نابليون امبراطورا لفرنسا.فعل تاليران كل هذا دون ان يتخلى عن جبة القس بل انه اقنع الامبراطور بأن تكون الكاثوليكية دين الدولة الرسمي من خلال اطروحته " لا دولة بلا دين " .
لم يستطع عادل عبد المهدي، لا حينما كان في مجلس الحكم ولا وزيرا للمالية او النفط او نائبا لرئيس الجمهورية، ان يغير شيئا في البورصة التي تحكم السياسة في العراق.لم يستطع اقناع دولة مجاورة واحدة في تغيير سياستها تجاه بلده، لا "الصديقة" ولا "المعادية" لمشروع التغيير في العراق. داخليا، استعدى عليه قوى اضافية بأهمال مشروع سلفه العبادي، سواء تعلق الامر بتوزيع الميزانية او العلاقة مع القوات المسلحة او الموقف الحازم من مناكدات اقليم كردستان او الميلشيات. لعل انجازا واحدا يحسب له: ازالة بعض الحواجز الكونكريتية من شوارع بغداد الذي سرعان مانسي حينما امر بأزالة العشوائيات من الاسواق دون ان يهيء بديلا لها. فلا تاليران ولاهم يحزنون.
هل راهنوا على ثقافته؟ لا تكفي الثقافة كي تكون حاكما ناجحا، بل الحنكة و قوة القرار واستقلاليته والشخصية القوية الواضحة، تزيدهن قوة الثقافة السياسية والمعرفة بالتاريخ وسوسيولجيا الشعوب. لو كانت الثقافة مؤهلة للسياسة هل هذا عادل عادل المهدي؟ انه قد تنقل في احزاب وتيارات متناقضة. بدأ بحزب البعث بايدلوجيته القومية الأنقلابية وانتهى بالاسلام الشيعي مرورا بالثورية القومية ثم الشيوعية الستالينية ثم الماوية ونظريتها في العوالم الثلاث ثم ساند خطها الألباني بقيادة انور خوجة قبل ان يهتدي الى نور الاسلام، الشيعي منه على الاخص. في هذا "الكشكول" الايدلوجي لا تطور في الفكر قدر ماهو تشتت واختلاط معا في الفكر وربما، بشكل مفهوم في التحليل النفسي للشخصية غير الثابتة، تكون العودة للمنبع الاصلي خيارا لاواعيا. (فرض منع التجول خلال ايام التظاهرات الاخيرة، امر غريب. المرة الاولى التي فرض فيها منع التجول في العراق كان صبيحة الانقلاب البعثي الدامي في الثامن من شباط عام 1963. وعمليات القنص للمتظاهرين حدثت من طرف البعثيين في يومي الثامن والتاسع من شباط في الانقلاب ذاته)
لا ننكر أن عادل ع المهدي اكثر ثقافة بالعلمانية وبالتالي بشروط الدولة المدنية، من غيره في اوساطه الحزبية الدينية، التي تنظر للعلمانية كممهد للكفر، لكن محدودية قدراته الثقافية، تاريخيا، تتوضح اكثر حينما نعرف كثرة انشقاقاته عن الاحزاب التي انتمى اليها. فهو قد انشق مع مجموعة من البعثيين بعد سقوط تجربة الحكم الاولى الدموية لحزب البعث ضمن اطار جديد سمي "حزب العمل الثوري" ثم لاحقا، وبعد انضمامه الى الحزب الشيوعي، جناح القيادة المركزية، انشق مع مجموعة صغيرة جدا ليشكل مجموعة "وحدة القاعدة" ثم انشق فيما بعد عن مجموعة الماوي الفلسطيني منير شفي ق لينظم الى مجموعة اخرى قبل ان ينظم للمجلس الاعلى للثورة الأسلامية في العراق، ثم ليخرج منه سالما مسلحا، وحيدا، في احراش السياسة العراقية. لكن دون ان يفك ارتباطه الأيدلوجي بالقوى الدينية.الانشقاقات المتكررة في حياته السياسية تكشف عن عدم انضباطه حزبيا في مراحل حياته السياسية وعدم قدرته على الجدل والاختلاف وسرعة قراراته. بالتاكيد انه لا ينم عن قوتك! لا ننكر ايضا، ان عادل ع المهدي له ثقافة عربية تقليدية عامة، اكثر من غيره ممن كانوا في منصبه، وقدرة على الحديث في مواضيع معقدة يجهل عمقها سواء في السياسة او في الاقتصاد وهو اكثر تمسكا بالنظريات الفضفاضة التي قرأها من فهمه للواقع العراقي المعقد، الذي عاش دائما على تخومه.
من سانده تصل الى رأس السلطة التنفيذية خيبوا بدورهم. لم ينجز شيء في الواقع. لا حرب على الفساد غير الوعود ولا تنظيم لأدارة الدولة، ولا حل لأي من المشاكل اليومية التي تعاني منها الطبقات المتواضعة والفقيرة في العراق، بل اضحى رئيس الوزراء قاربا في مهب الريح. مرة يركض خلف سراب. في الواقع لم يتقدم خطوة واحدة في تنفيذ برنامجه الذي اعلن عنه بداية استيزاره.في هذا "الذهاب مع الريح" تعمقت صيغة اللادولة التي امسك بها، حيث لا سطوة له لا على قادة الميلشيات ولا الوزراء ولا المدراء العامين المسنودين من احزابهم. كأن راحة الدولة قد سابت في دول صغيرة لا تحصى. كثر النقد الشعبي وكثرت المشاكل الداخلية تضاعفت صرفيات الدولة ببذخ وبهرجة وتناقضات هكذا اعطى الحجة لأجيال تريد تصفية الحساب مع ارث قديم، يمتد لسنوات صدام حسين، وارث آخر، اكثر ثقلا، جذوره قريبة وضحاياه لم يعرفوا غير قسوة النظام الجديد.
الاحتجاجات التي شبت في بداية تشرين الاول "اكتوبر" وتحولت الى وثبة لن تخمد نارها الا بمعجزة، كأنها كانت الفرصة الأخيرة لفرض هيبة الدولة. خلال هذه الاحداث اثبتت الحكومة انها لا تجيد التعامل مع مواطنيها، فالقمع الذي ووجهت به كان نادرا، على الأقل منذ سقوط نظام صدام حسين.العدد المروع من القتلى الذي وصل المائتين وعدد الجرحى الذي قارب الستة آلاف، في ايام معدودة، لا يؤشر على وجود دولة ديمقراطية بل دولة قمع منظم حصد ارواح المئات من الشباب. لا شك ان هذه المواجهات بين المتضاهرين والقوات الحكومية، وبالشكل الذي تمت فيه ستضع البلاد على مفترق طريق بين الديمقراطية المدنية والديكتاتورية الدينية. هل أنت بعيد عنك؟
اذا كانت حكومة ع المهدي واعلامها قد فسر الأحداث الاخيرة كمؤامرة خارجية شاركت وستشارك فيها دولا، فأن ذلك لا ينفي مشروعية الاحتجاجات ولا يزيح عن كاهل الحكومة مسؤولية وصول الحال الى تدخل جهات دولية. الكل يعلم أن العراق ساحة قتال دولي بين اطراف عديدة، قريبة او بعيدة جغرافيا. لكن اليس من مهمة الحكومة قطع دابر هذه الصراعات بالتركيز على الحاجات الأساسية للشعب و قدح بريق من الأمل في التطور وحل المشكلات الحياتية الاساسية لمختلف فئات و طبقات الشعب العراقي والتخفيف من امتيازات الطبقة الحاكمة التي يسميها الشعب "مافيا الفساد". إذاً، أخيرًا، أي مبرر.
كما بقيت مشاهد قاعة الخلد في العام 1979 رمزا لوحشية صدام فأن ​​قنص الشباب المتضاهرين في ساحة التحرير ببغداد وساحات مدن العراق الاخرى، ستبقى رمزا على وحشية حكومة عادل ع المهدي. اليوم نت:: أي طريقين اهدأ للسيد رئيس الوزراء، تحمل ثقل الوزارة ام تحمل ثقل التأريخ؟

فقال غدرٌ وثكلٌ أنت بينهما فاختارْ وما في الأمر حظّ لمختار

الأعشى