قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الزعيم التونسي الراحل الباجي قايد السَبسي، والسياسي العراقيالراحل الدكتور عدنان الباجه جي، هما ظاهرتان بينهما الكثير مِن الشبه، لكنفي محيطهما الكثير من الاختلاف. فهما مخضرمان، ومتشابهان من ناحية العُمروغزارة الخبرة السياسية وعُمق الوعي المجتمعي، وبكونهما ليبراليان يُؤمنان بالدولةالمدنية، ويَحملان رؤية سياسية واقعية وبراغماتية. لكنهما مُختلفتان من ناحية طبيعةالظروف المحيطة بهما، والتي ساعدت الأول في أن يَختم حياته السياسية بإنجازمُهمة الخروج ببلاده من مأزق صعب وعُنق زجاجة كاد أن يخنقها ويخنق شعبها، وأنيرحل بعدها عن الدنيا بإرث سيذكره له التأريخ بكل فخر. في حين أفشَلت مساعيالثاني وبدّدت أحلامه التي كان يَحمِلها لإعادة بناء وإعمار بلاده، التي عاد اليها بعد غربة قسرية طويلة، وهي خَرِبة، ومنهكة بالحُروب والعقوبات الإقتصادية، وغارقةبالديون والمشاكل السياسية والمُجتمعية، التي ربما كان الوحيد القادر على إنقاذهامنها، أو منعها من الإنزلاق الى منحدر الطائفية والفساد الذي قادتها اليه أحزاب الإسلام السياسي بعد 2003، بما يمتلك مِن خبرة سياسية وإقتصادية، وعلاقاتعربية ودولية.

ففي حين إتفق التونسيون بلحظة مصيرية من تأريخ بلادهم، مُنطلقين من إحساسعالِ بالمسؤولية والمواطنة تجاهها، على تسليم إدارة دَفّتها الى السَبسي، رغمإختلافات بعضهم العقائدية معه، إختلف العراقيون على الباجه جي ولا يزالون، ولربما سيبقون الى حين حتى بعد رحيله، بسبب عقدهم المجتمعية وأمراضهم الطائفيةوالفئوية، و وَضَع ساستهم العِصي في عَجلة إدارته للبلاد لشهر واحد أيام مجلسالحكم بعد سقوط نظام الرئيس السابق صدام حسين! ثم حاكوا الدسائس، بشيعتهموكُردِهم، وحتى سُنّتهم المحسوبين عليه، لمنع تنصيبه رئيسا للبلاد لفترة مؤقته لم تكنتتجاوز الستة أشهر، وإختاروا بدلاً عنه رجلاً لا يقارن به إطلاقاً من ناحية الخبرةالسياسية والإقتصادية والعلاقات الدولية، التي كان من الممكن توظيفها لخدمة العراقفي تلك المرحلة الحَرجة من تأريخه.

وفي الوقت الذي أعظى التوانسة للسَبسي حقه ولم يبخسوه إياه حياً،وأوفوه إياه ميتاً في جنازة مهيبة لم نرَها خلف زعيم عربي منذ عقود،بَخَس العراقيون حق الباجه جي ولم يوفوه إياه حياً، ولا أظنهم سيعرفونقيمته ويكرموه بعد رحيله، بل ولا أظننا سنعيش زماناً نرى فيه العراقييننادمين على عدم تسليم مقاليد بلادهم اليه. فالأمر يحتاج الى نُخب وعوامتتمتع بالوعي وتتحلى بالحِكمة لتشعُر وتحس بهذا الأمر، ومثل هذهالنخب والعوام معدومة في العراق حالياً، وسيحتاج لعقود حتى يلِد مثلها من رحم الأجيال الشابة الحالية الواعدة، لكن طبعاً بعد فواتالأوان. لهذا السبب قد لا تبكي الأجيال الحالية رحيل الباجه جي لأنها لم تُثَمّنه كما يستحق، ولكن الأجيال القادمة الواعية ستبكي عليه على الأغلب بدَل الدموع دماً، بعد أن تكتشف وتَعي حَجم الخسارة التي تسببت بها الأجيال السابقة لها ولبلادها، عبر تفريطها بكفاءة بمستوى الدكتور الباجه جي مرتين، الأولى في النصف الثاني من القرن العشرين، والثانية في بدايات القرن الواحد والعشرين.

فحال عودة الدكتور الباججي الى العراق عام 2003 وإنخراطه في العمل السياسي عبر تشكيله لتجمع الديمقراطيين المستقلين، ومعرفة العراقيين أنه على أعتاب الثمانين، نظروا الى الأمر بطريقتهم السطحية التهكمية المعهودة، وبدأوا بالتندر عليه، أما كرهاً به لأسباب طائفية، أو لسوء ظنهم فيه بأنه قد عاد في مثل هذا العمر من أجل المال والسلطة، ولم يفكروا للحظة بأنه ليس بحاجة لا لهذه ولا تلك، وأنهم وبلادهم الذين بحاجة اليه والى خبرته، التي أكتسبها من خلال عمله بالمحافل الدولية دبلوماسياً ومستشاراً، أو مخططاً ومهندساً لتجربة نهضة دولة الإمارات الفريدة. أما التونسيون فلم يأبهوا لعُمر السَبسي حينما إنتخبوه وسَلموه أمرهم ومقاليد بلادهم، وهو على أعتاب السابعة والثمانين، يوم كانت أشبه بسفينة تشرِف على الغرق، تتلاطمها أمواج الفوضى والإنقسامات ودسائس المتربّصين، وفي ظَرف حَرِج ما كان ليَصمُد معه ساسة بنصف عمره. لكنه استطاع أن يوصِلها الى بر الأمان كما يفعل الرُبّان الحكيم، وإتخذ في سبيل ذلك قرارات جريئة وحاسمة بمساعدة الحكماء من ساسة بلاده ونخبها وعوامها، حتى اﻻسلاميين منهم، الذين استطاع أن يمتص زخمهم، أو يُروّضهم، كما لم يفعل غيره من الزعماء العرب.

رحل السَبسي بشموخ أظهره موكب تشييعه الذي جمع التونسيين كما فعل خلال حياته، لكن تجربته ستبقى شاخصة تحكي عنها الأجيال وتتعلم منها ربما لعقود طويلة قادمة. أما العراقيون فلم يتعلموا شيئاً من الباججي في حياته، ولم يسمحوا له بأن يترك لهم إرثاً ليستفيدوا ويتعلموا منه بعد رحيله، كما فعل للإماراتيين الذين إستعانوا بخبراته وكانت له معهم تجربة إستثنائية ستبقى تُلهِم سَعيهم لبناء وتطوير بلادهم. وهنا يُظهِر الفرق، في الوعي والتعاطي مع الأحداث، بين المجتمع العراقي، خصوصاً أجياله السابقة التي عاصَرت الباجه جي، وبين باقي المجتمعات العربية، كالتونسي أو الإماراتي، التي كان العراقي يَنظر إليها بتعالي في يوم من الأيام، والتي لا تزال هي تنظر اليه نظرة إكبار منطلقة من رؤية مبالغ فيها، بُنِيَت على إسقاطات تأريخية لم تعد موجودة، وعلى معطيات غير واقعية هيّأتها ظروف ساهمت في إظهاره بهذا الشكل، لكن فور زوالها عادَت الشخصية العراقية الى طبيعتها المتأزمة، وكشفت عن نفسها بالشكل المُرعب الذي رأيناه خلالالسنوات الماضية، الذي كان من تداعياته مثلاً طريقة تعاطيها السلبية والعَبثية مع الباجه جي، المُختلفة عن طريقة تعاطي الشخصية التونسيةمع السَبسي. هي بالنهاية دروس وتجارب نتمنى أن تتعلم منها الأجيال الشابة الواعية التي تَصنع اليوم واقعاً ومستقبلاً جديداً للعراق، وأن لا تقع بنفس الأخطاء التي وقعت فيها سابقاتها، وأن تعرف وتُثمّن قيمة المُبدعين والمتميزين من أبنائها، وتضَعهم في مكانهم الصحيح الذي يَليق بهم ويَنفع بلادهم!